الرقص
على الأنغام
الأمريكية
بقلم
: د.
خالد عبدالله *
لا
يمكن لأي
مراقب أن
يتخيل حين
يشاهد الحركة الدبلوماسية
والسياسية
العربية
والأوروبية
القاصدة إلى رام
الله أن
النخوة
الإنسانية قد
تمكنت من ضمائر
الغادين
والرائحين،
أو أن اليقظة
الأخلاقية قد
سرت في عقولهم
ودبت في
مشاعرهم. فهذه
كلها
راقبناها وهي
تموت في مخيم
جنين ورأيناها
وهي تدفن مع
لجنة تقصي
الحقائق
الدولية. كما
لا يمكن أن
يخطر على بال
حصيف أنها
جعجعة فحسب،
فشارون لا يحب
العبث باللغة
لأنه مشغول بالفعل
ومنهمك
بالعمل. ثم إن
أمريكا لا
تسمح في هذا
الوقت
بالهراء، ولا
تجيز التحرك
بدون إذن.
وهذا ما يؤكده
أصحاب المهام
أنفسهم. فالعرب
مستعجلين،
لأسباب شتى،
بتقديم كشوف
بالإنجازات
للولايات
المتحدة حتى
يجتازوا
الاختبار. وقد
كانت تصريحات
الرئيس
السوري إلى
اتحاد
المحامين
العرب بلاغا
مبينا عن حال
النظام العربي.
أما حركة
الأوروبيين
فقد أفصح عنها
فيشر وزير
خارجية
ألمانيا في
حديثه إلى
صحيفة الجيروزلم
بوست في الحاد
ي والثلاثين
من أيار ( ماي )
حينما أكد ( أن
المناخ
الدولي قد تحسن.
فالولايات
المتحدة في
مقعد القيادة.
والسعوديون
منغمسون في
العملية.
وهناك تعاون بين
الولايات
المتحدة
وأوروبا ). أما
لماذا حصل هذا
كله، فيجيب
عنه فيشر في
نفس السياق
حينما يكمل
قوله ( وعلى
العموم فهناك
فرصة، عقب العمل
الإسرائيلي
العسكري،
لفتح الباب
أمام العملية
السياسية ).
ففي هذه
المقابلة لم
يخف فيشر أن
عملية الدرع
الواقي قد
خلقت فرصة للدبلوماسية.
وفيشر رئيس
الدبلوماسية
الألمانية
بلغ المدى
الأعلى في
الصراحة، إذ
لم يبق له إلا
أن يفصل ما
أجمل ويخصص ما
عمم بالقول أن
السلطة
الفلسطينية
قد كسرت
هيبتها وأنها
تتحسس رقبتها
بفعل
الاجتياح
العسكري
الإسرائيلي
الذي جرى
ويجري وبفعل
نتائجه
البادية في ملاحقتها
بالإصلاح من
كل الجهات.
وحينما
يتحدث
الأمريكان
والأوروبيون
عن الإصلاح مع
بلدان العالم
الثالث
عموما، ومع السلطة
الفلسطينية
في هذه
الحالة، فهم
يفعلون ذلك
بلغة
الابتزاز
التي مفادها
أن تفعل هذا
أو أن تلقى
ذاك. فالمطروح
على السلطة
الفلسطينية
إنهاء
الانتفاضة أو
قيام
المؤسسات
المالية ذات
الشفافية والمسؤولية
المالية
والسياسية
والانتخابات
الحرة.
فالإصلاح
الحقيقي، في
مذهب الغربيين،
هو تهديد
للسلطة، كما
جرى مع
الحكومات العربية،
لأن تمتثل
للمتطلبات
الأمريكية.
بالرغم من أن
فساد السلطة
الفلسطينية
المالي
واستبدادها
السياسي،
ممارسة
فلسطينية،
لكنه تم وتواصل
برعاية
أمريكية
وأوروبية
وعربية على
مدى عقد
تقريبا.
فما
يواجه السلطة
الفلسطينية
هو الاختيار بين
الإصلاح
الحقيقي أو
الإصلاح
الأمريكي. أي
بين تسليم
الأمور للقوى
الفلسطينية
المقاومة، أو
استمرار دولة
المال والحكم
في دائرتها
الضيقة. وإذا
اختارت
السلطة
الثاني فهي لن
تفعل أكثر مما
فعلته الكثير
من حكومات العالم
الثالث،
ومنها
العربية،
حينما خيرت بين
الإصلاح
الحقيقي
والإصلاح
الأمريكي
فاختارت الثاني.
وقبلت أن تضع
لها الولايات
المتحدة، على
الأقل،
قوانينها
الاقتصادية
والتجارية،
وأن تقترح
لها، أحيانا،
أسماء وزراء
ماليتها
ومحافظي
مصارفها
المركزية.
وحينما تجري انتخابات
شكلية تتقدم
أمريكا
وأوروبا، لمجازاتها
خيرا، فتسمها
بميسم
المصداقية.
لكن في
الحالة
الفلسطينية
فأمريكا، أي
إسرائيل،
ستضع لها
قوانينها
المنظمة
لحياة الناس،
وتنظم أجهزتها
الأمنية،
وستقترح
أسماء من
يصلحوا لقيادتها.
وهذا ما أكده
بيرنز مساعد
وزير الخارجية
الأمريكية
حينما ذكر أن
استراتيجية
أمريكا
لتجديد
العملية
السياسية
تتطلب مساعدة
الفلسطينيين
لبناء مؤسسات
قوية لضمان أن
تعمل بفعالية في
المسائل
الأمنية، أي
تحسن خنق
المقاومة والإجهاز
على
المقاومين،
تماما كما
تفعل أجهزة
أمن حلفاء
أمريكا
بمواطنيها.
وعندما تكمل السلطة
متطلبات
الإصلاح
الأمريكي
الإسرائيلي
سيرسم على
ظهرها وشم
الشرعية. ومما
يثير الضحك أن
الولايات
المتحدة تريد
أن تبذر
الشفافية وأن
تزرع
المسؤولية في
هذه الأجهزة
الأمنية من
خلال وكالة
الاستخبارات
الأمريكية.
الوكالة التي
لا تتقن إلا
العمل في
الظلام، ولا
تحسن إلا
التآمر في
الخفاء، ولا
تحيا إلا
بإفساد
الآخرين أو
تشويهم
معنويا أو
تغييبهم.
وحين
تضع أمريكا
المسألة على
هذا النحو، أي
التهديد
بالإصلاح
الحقيقي
لتفرض على
الآخرين نوع
إصلاحها،
فهذا لا يعني
أنها لا تخشى
حدوث الإصلاح
الحقيقي.
لكنها تعلم من
تجاربها مع
الأنظمة
الاستبدادية
أن خشية هذه
من الإصلاحات الحقيقية
أعظم من خوفها
هي. ولذا فهي
مطمئنة إلى
رهانها، لأن
السمو على
مصالح الذات
ليس من آيات
الاستبداد،
وإلا لما وقع
أصلا.
فالحركة
الدبلوماسية
لا تعني أكثر
من أن أمريكا
تستخدم قنوات
عديدة
وأساليب
مختلفة حتى تقود
السلطة
الفلسطينية
إلى الإصلاح
الذي تريده،
أي وقف
الانتفاضة.
وهذا ما لم
يخفه أيضا
فيشر في نفس
المقابلة حين
ذكر أنه ( قال
عديدا من المرات
للجانب
الفلسطيني
أنه يجب وقف
الانتفاضة
المسلحة). ولم
يخطر على بال
الأوروبي
الذي يرتدي
لباس
الإنسانية أن
يضيف وأن على
الجانب الإسرائيلي
أن ينهي
احتلاله. وهذه
أيضا هي المهمة
العربية التي
كشفها الرئيس
السوري. ولماذا
يجب إنهاء
الانتفاضة؟
لأنها كما
يقول فيشر مرة
أخرى ( غلطة
فظيعة )، وهذا
ما يقوله النظام
العربي
بتصرفاته
وإيحاءا
بأقواله.
و
لا ينبغي
لعاقل أن يرفض
هذه الدعوى
ابتداء، فلعل
فيها حكمة.
والحكمة
الوحيدة في
مثل هذه الحالة،
هي أن الشعب
الفلسطيني
سيحصل على حقوقه
لو أوقف
انتفاضته.
وعدا عن
الخبرة
التاريخية
التي اكتوى
بخبرتها
الشعب
الفلسطيني من أن
إسرائيل لم تف
بوعد أو تلتزم
بعهد، فإنها حاليا
تنكر هذه
المواثيق
وتتبرأ من هذه
العهود. وتفعل
ذلك جهارا
نهارا أمام كل
شهود الزور في
أمريكا
وأوروبا
والنظام
العربي، بل
تجد من البعض
تأييدا ومن
الأخر نفاقا
أو سكوتا. بل
إن حزب شارون
أصدر قرارا
يلزمه بعدم
قبول قيام
دولة
فلسطينية تحت
أي تعريف ووفق
أي وصف. ولا
تقل الإدارة
الأمريكية
الجمهورية في
تشددها ضد
الفلسطينيين
عن حكومة
شارون سوى
أنها تلوح
بورقة التوت،
الدولة
الفلسطينية،
لتغطي
مطالبها
وخططها، وحتى
تجعل قبول
السلطة بمطالبها
مبررا.
وبالإضافة
إلى تلويح
واشنطن بفكرة
الدولة الفلسطينية،
فهي تستخدم
أيضا ورقة
المؤتمر الدولي
من أجل حث
السلطة
الفلسطينية
على المضي في
إصلاحاتها
الأمريكية،
ولتسهيل
الأرض للأوروبيين
والعرب للرقص
على أنغامها في
محاصرة
السلطة
واستعجالها
للقيام بما هو
مطلوب منها.
وقد تبنت
الولايات
المتحدة فكرة المؤتمر
الدولي،
وربما هي التي
أوحت بها لشارون،
من أجل تمهيد
الأجواء
لحربها ضد
العراق. بل أن
هذا الارتباط
قد وضح الآن،
بعد زيارة بوش
لأوروبا
وبالذات
لألمانيا. فقد
كانت الولايات
المتحدة تعزم
على عقد
المؤتمر في
حزيران
الجاري لأنها
كانت تخطط
لضرب العراق
في نهاية
الخريف. ولكن
نظرا، على ما
يبدو، لأن بوش
تعهد لشرويدر
بعدم خلق
أجواء الحرب
قبل موعد الانتخابات
الألمانية في
سبتمبر
القادم حتى لا
تؤثر على
نتائجها،
أصبحت الحاجة
لعقد المؤتمر
بسرعة غير
واردة، بل
تأخيره بات
مفضلا. وقد
يفسر هذا
زيارة فيشر
إلى رام الله
وسيره على هدى
المطالب
الأمريكية.
وهذه
المناورات
السياسية
تتطابق مع
مقتضيات
الخطة
الشارونية،
فهو يحتاج إلى
هدنة حتى يستكمل
بناء أسواره
العازلة.
والغرض
الحقيقي من
هذه الأسوار
ليس لمنع
العمليات
الاستشهادية،
فشارون يعرف أن
من يريد الموت
لن تقف أمامه
مثل هذه
الأسوار، ولن
يعدم وسيلة
لتجاوزها.
ولكنها ذريعة
كحجة الحرب ضد
الإرهاب حتى
يحصل على
الدعم الداخلي
ويضعف النقد
الدولي.
فالغاية
الأساسية هي خلق
الأمر الواقع
الذي يقيم
الجزر
الفلسطينية
ليس فقط بنقاط
التفتيش،
وإنما بالعزل
الطبيعي.ومن
ثم يصبح فعلا
غزة وأريحا
أولا وأخيرا.
هذه
بواعث الحركة
السياسية
التي تشد
الانتباه
إليها، وهذا
ما ستؤول
إليه، إن نجح
الرهان الأمريكي
وقاد إلى
الارتهان
الفلسطيني له.
ومن المحزن أن
الإرهاصات في
مجملها تشير
نحو الإصلاح
الأمريكي.
*
الرئيس
السابق لبعثة
الجامعة
العربية إلى
واشنطن