الخـــــديعــة

 

بقلم:مصطفى الحسيني 

حتى زمن قريب أسبوعين أو ثلاثة، كانت أنباء ما يجري على أرض فلسطين من أحداث الصدام بين الفلسطينيين والإسرائيليين تحمل من التوتر ما يكاد يودي بالأعصاب ويعصف بالألباب. فجأة، أو لا تدري على أي نحو، أخذت أنباء ما يجري هناك تبدو كأنها تروي ذيول أحداث. تتابعها دون ترقب. تسمع أخبارها أو تشاهد صور أحداثها بنوع من الملل. فأنت لا تنتظر من بعدها ولا من ورائها شيئاً ذا بال، اللهم إلا إذا كانت هزيمة أخرى صغيرة، تضاف إلى ما عرفت وألفت من هزائم كبيرة، تضيف إليها وتعمق من فعلها وتأثيرها.

وتترك لك مرارة لا تستطيع أن تبتلعها ولا تقدر على تجاهلها. مرارة مصدرها الأرجح هو إدراكك أنك خدعت، كما في الأحداث التي أدت الى الهزائم السابقة، الكبيرة منها والصغيرة.

ما هي الخدعة؟ متى حدثت؟ كيف جرت؟ من خدعك؟

كل ما هو متاح للعلم العام هو الظاهر ممّا كان يجري في الخفاء؛ في مثل هذه الأمور، ليس للمراقب إلا أن يتخذ نقطة بداية للأحداث الجارية يعتبرها منطقية؛ وليس أمام هذا المراقب إلا أن يعتبر أن نقطة البداية تلك هي ذلك الإعلان عن وجود <<مبادرة سعودية>> لحل <<أزمة الشرق الأوسط>>. في الذاكرة القريبة تلك الطريقة الغريبة للكشف عن وجود تلك المبادرة ولتقديم صيغتها العامة. وجه الغرابة هو ما بدا وكأن الأمر وقع مصادفة؛ صحافي أميركي توماس فريدمان يتناول العشاء على مائدة ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز وبينما يتجاذبان أطراف الحديث، يتسائل فريدمان عن غياب مبادرة عربية في النزاع مع إسرائيل، ليستطرد مقترحاً على سبيل المثال خطوطاً عامة لمبادرة تصدر عن العرب. يبدي ولي العهد السعودي دهشته قائلاً شيئاً من قبيل <<كأنك مطلع على تلك الأوراق المطوية في أحد أدراج مكتبي>>. ويروي للصحافي الأميركي أنه كتب مسودة مبادرة تحمل الأفكار نفسها تقريباً، لكنه طواها تحت ضغط السلوك الإسرائيلي المستفز والذي جعله يعتقد أن الوقت غير ملائم لطرح مبادرات سلام.

هكذا طرح ما عُرف بعد ب<<المبادرة السعودية>> التي ما لبثت أن أصبحت <<مبادرة عربية>> بعد أن دققت صياغتها خلال مشاورات عربية تعددت أطرافها وتبنتها قمة عربية.

أثناء تلك القمة العربية التي كانت مقررة ومعروفة الموعد سلفاً، بدأت إسرائيل زحفاً عسكرياً حثيثاً على أراضي الضفة الغربية بادئاً من رام الله حيث كان يوجد رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات وحوصرت البلدة. ومع اقتراب موعد القمة بدأ نشاط عربي محموم في اتجاهين يميزهما تعارض ظاهر؛ محاولات لإقناع إسرائيل مباشرة وعن طريق الولايات المتحدة <<بالسماح>> للسيد عرفات بمغادرة رام الله للمشاركة في القمة، في مقابل تحذيرات من أنه إذا خرج عرفات فإن إسرائيل قد تمنعه من العودة، بينما إسرائيل تلوّح بأن هذا بالضبط ما تنوي أن تفعل. إلى أن دار الأمر الى محاصرة عرفات في مقره في رام الله.

انعقدت القمة ومن بين ترتيباتها المعلنة أن يرسل السيد عرفات خطابه الى القمة، الى قاعة انعقادها، عبر الأقمار الصناعية. لكن وفي سياق ملابسات لم تنجل بعد، لم يتحقق ذلك.

تزامن غياب خطاب عرفات عن القمة مع تضييق الحصار الإسرائيلي عليه وإحكامه، بحيث يبدو للمراقب المستريب أن الأمرين متكاملان، بنوع غريب ونادر من توارد الخواطر.

بعد القمة العربية التي أقرت مبادرة للسلام النهائي والتطبيع الكامل مع إسرائيل، طوّرت إسرائيل حملتها العسكرية الى اجتياح شامل للضفة الغربية ووضعتها تحت ذريعة <<ملائمة>> تتوافق مع الموجة الدولية الكاسحة التي تؤيدها أيضا الدول العربية جميعا أو تنطق بتأييدها ويتحمس بعضها لإثبات مشاركته فيها موجة الحملة الدولية ضد الإرهاب.

في سياق هذه الحملة، قامت إسرائيل بأوسع عملية <<تطهير>> لطاقات المقاومة في الوسط الفلسطيني منظمات وبؤراً وجيوباً. ولم توفر في هذا السبيل وسيلة؛ القتل والنسف والتدمير والاعتقال. ولم تتردد في إلحاق الإهانة بأي مقام من المقدسات الدينية والقيم التاريخية الى الكبار من مبعوثي الدول الكبرى وذات الشأن، بمن فيهم راعيتها وحليفتها الكبرى الولايات المتحدة. ودون أن تلقى رداً ملائماً ولا حتى أقل من ملائم. أما الحكومات العربية، فرغم ما نشب في بلدانها من مظاهرات واسعة واجهتها غالبا بعنف معهود ورغم أن تلك المظاهرات تطورت من غرض التحريض على تضامن فعال مع الشعب الفلسطيني، الى التحريض ضد النظم الحاكمة، فإن تلك الحكومات لم تحرك ساكنا سوى ألسنة بعض المتحدثين باسمها، يرددون بوهن عبارات محفوظة تدور في مدارات الاستنكار والتنديد والمناشدة.

في سياق الحملة الإسرائيلية تواترت التقارير عن ارتكاب إسرائيل ما هو بالتعريف القانوني <<جرائم حرب>>، بل وأخذت بعض التقارير بتكييف أعمال إسرائيل <<جرائم ضد الإنسانية>>. وفي بادرة نادرة في سياق السلوك الدولي حيال الصراع العربي الإسرائيلي، اتخذ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قراراً بإيفاد لجنة دولية للتحقيق في ما جرى في مخيم جنين الذي تركزت حوله تلك التقارير التي تتهم إسرائيل. لم يكن غريباً أن تلجأ إسرائيل الى المماحكة في تنفيذ القرار وتعاملها باستخفاف مع الإلحاح الدولي عليها لتنفيذه. لكن الغريب هو ما انتهت إليه المماحكة الإسرائيلية والإلحاح الدولي ضدها. فجأة، أعلن الأمين العام للمنظمة الدولية حل لجنة التحقيق التي كانت إسرائيل تطالب بتعديل تشكيلها. وتزامن هذا تقريباً مع إعلان إسرائيل قرارها فك الحصار عن السيد عرفات.

في تلك اللحظة، لم يكن خارج السياق أن يشتبه المراقب بأن الإجراءين على تباعد موقعيهما وتباين مصدريهما هما طرفا صفقة واحدة. وأن مماحكات إسرائيل حول لجنة التحقيق وما قابلها من إلحاح دولي لم تكن إلا أدوات تمضية للوقت بانتظار صفقة قيد التفاوض.

من الذي ضحى بلجنة التحقيق الدولية في ما ارتكبته إسرائيل جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية مقابل مجرد الإفراج عن السيد عرفات، الذي يسهل افتراض أنه كان سيفرج عنه على أي حال حتى لو طال حصاره قليلاً، بل حتى لو كان المقابل هو التضحية بحياة عرفات نفسه؟ أليس هو من شاهدناه على شاشات التلفزيون يبتهل بورع: <<شهيداً، شهيداً، شهيداً>>؟

ما ان أفرج عن السيد عرفات، حتى ارتفع صوت المطالبات من الخارج والمطالب في الداخل تدعو إلى إصلاح السلطة الفلسطينية وإلى إجراء انتخابات في المستويات كلها من البلديات الى المجلس التشريعي الى رئاسة السلطة. المطالبة من الداخل مشروعة دون شك، لولا أن مطالب الإصلاح ذاتها كانت مرفوعة في أوساط الفلسطينيين منذ أن اتخذ فساد <<السلطة الوطنية>> وقمعها أبعادا تفوق الفضيحة؛ أبعاد الخيانة الوطنية. لكن تلك المطالب بقيت على مدى ذلك الزمن دون سميع ولا مجيب. ولولا ذلك التزامن والتناغم مع ما يأتي من الخارج وبصيغة الشرط على كل شيء وأي شيء، من توفير الموارد لإعادة تعمير ما خربته إسرائيل، الى <<كرم>> الدول المانحة ومساعدات <<الأشقاء>> لإنعاش الاقتصاد الفلسطيني، الى انسحاب قوات إسرائيل الى حيث كانت قبل الانتفاضة، الى العمل لإحياء المفاوضات أو استئنافها أو وضعها على سكة الاتفاق والختام.

أليست الريبة في ملابسات هذه التطورات مشروعة؟

في غضون هذا تعلن إسرائيل أن <<عمليتها>> مستمرة حتى تحقق هدفها الذي هو <<استئصال الإرهاب>>.

والعملية فعلاً مستمرة. لكنها على نحو غير مفهوم اتخذت إيقاع <<الروتين>> وما يصاحبه من اعتياد. لم تعد أخبار اجتياح المدن والبلدات الفلسطينية وقتل الفلسطينيين تتصدر نشرات الأخبار، لا العربية منها ولا الأجنبية. ولم تعد تشغل <<مانشتات>> الصحف. وأصبحنا نسمع صوت السلطة الفلسطينية تستنكر <<استهداف المدنيين>> كلما أوقع تفجير شاب فلسطيني نفسه قتلى إسرائيليين، بينما لا يبلغنا عنها أي رد فعل على ما تقوم به إسرائيل من اقتحام وقتل وتدمير. بينما ما يشغل الحكومات العربية من هذا الشأن كله هو البحث في الدعوة الى <<المؤتمر الدولي>>، هل هو <<مؤتمر>> أم <<اجتماع>>، <<قمة>> أم <<وزراء>> الى ما يشابه من <<فقه>> إجراءات المؤتمرات والاجتماعات.

في الوقت نفسه، لا ينعقد اجتماع بين طرفين عربيين أو أكثر إلا صدر عنه ما يقول إن المبادرة العربية قائمة. وأن أصحابها متمسكون بها، ولا يكاد طرف خارجي له وزنه يعقد اجتماعا مع طرف عربي حتى يصدر عنهما ما يبلغنا أن تلك المبادرة هي الأساس المقبول للحل المنشود والذي هو <<آت لا ريب فيه>>.

هل من قبيل <<هوس الريبة>> أن يشتبه المراقب أن ما جرى منذ <<عشاء الصحافي على مائدة ولي العهد>> حتى <<روتين>> الاقتحامات والمداهمات وعمليات القتل وإجراءات الاعتقال التي ترتكبها إسرائيل، وسط صمت دولي وعربي يشي بالتواطؤ، هي في مجموعها خط واحد متكامل، حيث يكون ما تفعله إسرائيل منذ إعلان تلك المبادرة تمهيدا لازما للأخذ بها؟ إعداداً للأرض التي سيطبق عليها ما سوف تنتهي إليه تلك المبادرة؟

هل يعني هذا أن <<الجميع متواطئون>> وأن هذا كله <<سيناريو>> وضع مسبقا ووزعت أدواره على المشاركين المتواطئين؟

أليس هذا وقوعا في تفسير تآمري للتاريخ؟

نعم. لولا أمرين:

الأمر الأول ان <<السيناريو>> في السياسة لا يفترض التواطؤ الشامل بالضرورة. إنما هو يجري في معظم الحالات على نمط لعب الشطرنج ببراعة، اللاعب البارع يعرف عقلية اللاعبين الآخرين الى حد قدرة التنبؤ بدرجة عالية من الدقة بردود فعلهم على <<نقلاته>> وبمرونة تعتمد على ما له من قوة المركز تتيح له تعديل خطته دون تعديل أهدافها وأغراضها بحيث يتدارك ما لم يتوقعه من ردود فعل اللاعب أو اللاعبين الاخرين.

هذا في الشطرنج، أما في السياسة، فقد يحتاج اللاعب الأصلي إلى إشراك اللاعبين الاخرين في خطته بدرجة معينة وفي حدود يرسمها لهم: أن يطلعهم سلفاً على بعض خطواته وكأن يرسم لهم خطوطا حمراء لا يسمح بتجاوزها في ردود أفعالهم على ما قد يقوم به... وهكذا.

الأمر الثاني، أنه في التاريخ، ما يسمى <<مؤامرة>> ليس إلا خطة غير معلنة سلفا، يتحوط أصحابها من انكشافها بقدر مناسب من الخداع ويشارك في تنفيذها بعض المتواطئين الذين يخافون انكشاف أدوارهم فيها، فينتحلون لبوس أدوار خلاف أدوارهم الحقيقية، وقد يقوم صاحب الخطة بإشراك بعض المغفلين أيضا وربما دون أن يدروا. وليس خفياً ان هذا المراقب يعتقد ان هذا هو ما حدث وأن هذه هي الخديعة.