قد يكون
من السهل أن
يظفر وجداننا
العربي المكسور
علي مسكنات
ظرفية حين
يحاول عقد
صلات ما بين
وجعه
التاريخي
وبين الظروف
والملابسات التي
أحاطت
بالنكبة خلال
أربعينيات
القرن العشرين
: لقد تمت
النكبة في
الظلام وفي
غفلة من وعينا
النهضوي الذي
كان ما يزال
أسير
الاستعمار
التقليدي. وقد
أنجزت
أطوارها في
غيبة العقل
العربي الذي
كان ـ وما زال!
ـ منشغلا
بالبحث عن
ملجأ في
تضاريس
الماضي
والمستقبل،
منهمكا في فك
ألغاز
الاصالة
والمعاصرة وغيرها
من الثنائيات
التي باتت
تكبل انطلاقته
نحو الافق
المشرق،
وحائما فوق
الابراج الميتافيزيقية
المتباينة
الاشكال
والألوان عوض
الالتحام
بالواقع
العربي
والسعي إلي فهمه
وتغييره.
لكن أن
تتم نكبة
جديدة بطرق
أكثر همجية
وشراسة من
سابقاتها
أمام كاميرات
الصحافيين
وبالتالي
أمام أنظار
العالم فهذه
أكبر جرائم
العصر بلا
منازع!. التي
لا يقبلها عقل
ولا يستسيغها
منطق ولن
يغفرها
التاريخ
بالكاد. أما وجداننا
العربي الذي
ما انفك يضمد
جراحاته فقد
عز عليه أن
يجد مسوغا ما
لم يحدث أمام
ناظريه. لقد
تراءي في ظل
عزلته متلفعا
برداء الذل،
مطرقا، يحملق
بعينين
مزمهرتين في
خريطة المجهول،
يبكي ويهذي :
ديار تهدم علي
رؤوس أصحابها،
عائلات تهجر
قسرا، صبايا
تائهات بين منعرجات
الدروب
المختلفة
بأكداس
الحطام يبحثن
عن أم مفقودة
تحت الانقاض.
وأطفال
مذعورون
يسائلون
الصمت
العالمي عن
آباء سرقتهم
يد النار.
لقد
استطاع الغرب
أن يجعل
الهزيمة في
الجسد الرسمي
العربي داء
عضالا لا تؤثر
فيه التحولات
الكبري التي
شهدها العالم
خلال النصف القرن
الماضي.
وتمكنت آلته
جهنمية
المصنوعة من
سلطة
الاعلام،
وجبروت القوة
العسكرية ومكر
السياسة من
ترويض الوعي
العربي وجعله
كائنا مخدرا غائبا
عن مسرح
الاحداث وهو
المعني بها. ينظر
إلي واقعه
بعين المغلوب
علي أمره. وفي
المقابل تمكن
من أن يقدم
لـه إسرائيل
في صورة قوة
لا تقهر
وسرطانا
مقدارا لا
يمكن اجتثاثه.
والأنكي من كل
ذلك هو نجاحه
في تجريده حتي
من تلك
الوريقات
السياسية
التي كان يستر
بها عورته في
بعض المحافل
الدولية من
قبيل الجهاد ،
المقاطعات ،
لا صلح لا
اعتراف . أجل،
لقد أفلح
الغرب الداعم
للصهيونية في
اختلاس ذلك الحلم
الذي كان بات
عالقا بجفني
هذا الوعي
العربي طيلة
ليل العرب
الطويل وهو
إزالة
إسرائيل من
الخارطة
العربية.
وفي
اعتقادنا إن
هناك مجموعة
من العوامل
التي تساعد
علي استمرار هزائمنا.
يمكن إجمالها
في الوحدات
التالية.
أولا :
الخلل
السياسي
الكامن في
أجهزة النظام السياسي
الرسمي
العربي. ونعني
به غياب الوحدة
في القرار
السياسي. وحين
نطرح مسألة
الوحدة في مثل
هذا الظرف
بالذات، لا
نقصد إحياء
حنين رومانسي
إلي مطلب قومي
مفقود، ولا
نكأ جرح في
الجسد القومي
العربي
المكدود. كما
أن الامر لا
يتعلق
بالدعوة إلي
إقامة نظام
خلافة علي غرار
الواقع
السياسي في
الماضي
البعيد. ولا يتعلق
بالدعوة إلي
إنشاء نظام
قومي موحد علي
غرار
المحاولات
التي قام بها
عبد الناصر
بين مصر
وسورية. ولكن
الامر،
وببساطة
شديدة، يتعلق
بضرورة رفع
شعار وحدة
القرار
السياسي العربي
لا أقل ولا
أكثر !.
ثانيا:
الخلل
الاقتصادي :
إن وحدة
القرار لا تنفصل،
في عالم
اليوم، عن
الوحدة
الاقتصادية . إن
الغرب لم
يتمكن من
إنجاز وحدة
سياسية- أو خطاب
سياسي موحد
تلخصه كلمة
الاتحاد
الاوربي - مستندة
عسكريا إلي
حلف الناتو
إلا بعد أن
دخلت أقطاره
في تكتلات
اقتصادية
كبري يكمل بعضها
بعضا مع ما
رافق ذلك من
تحرير
للتجارة وتوحيد
للعملة..
فبفضل
هذه الوحدة
صارت دول
أوربا قطبا لا
يستهان به في
ميدان صنع
القرار
السياسي
الدولي. وبفضلها
كان الاخطبوط
السياسي
الامريكي يتراجع
في الكثير من
الاحيان عن
القرارات
التي يتخذها
في حق الامم
الضعيفة سواء
في شكل عقوبات
سياسية
كاستخدام حق
النقض أو في
شكل عقوبات اقتصادية
وعسكرية
مباشرة. إن
القرار
السياسي في
عالم اليوم لم
يعد قائما علي
المنطلقات الاخلاقية
والقانونية.
إنه أمر قابل
للتنفيذ مادام
صادرا عن
القوي.
ومفعوله يظل
ساريا إلي أن
يصطدم بما
يماثله من
القرارات من
حيث القوة.
ثالثا :
الخلل
الاستراتيجي :
من المؤسف حقا
أن يكون العرب
أكثر عداء
لمصالحهم
القومية من غيرهم
ممن يصنفون في
قوائم
الاعداء !. ففي
وقت هم أمس
الحاجة فيه
إلي نظام
دفاعي صلب
وموحد يشمل
كافة الدول
العربية فضلا
عن دول الطوق،
نسمعهم
يسخرون- وفي
العلن- من
محاولة يتيمة
للتكتل
الاستراتيجي،
قامت بها بعض
ضمائرهم ذات
يوم، في غفلة
من رقيبهم
التاريخي الملعون
!. بل ما هو غير
مقبول
أخلاقيا في
هذا المنعطف
التاريخي
العربي
المحفوف
بأشجار الاحزان،
المبلل بدموع
الثكالي،
الملطخة جنباته
بدماء
الاحرار من
أبناء
فلسطين،
والمترعة
فضاءاته
بنحيب
الجراح.. أن
يعيد بعض بني
جلدتنا قراءة
التاريخ وفق
ما تهوي
نفوسهم الثملة
بخمرة كامب
ديفيد ،
وتتفتق
اجتهاداتهم
عن حقيقة كون
ما يعرف بـ
معاهدة
الدفاع
العربي المشترك
ليست أكثر من
ورقة صفراء
ربما لم تعد
موجودة حتي في
سلة المهملات!
رابعا :
الخلل
الجماهيري :
إن الداء الذي
أصاب النظام
الرسمي
العربي وأضعف
مواقفه بخصوص
الوحدة
بمعانيها
السياسية،
الاقتصادية
والاستراتيجية،
هو عين الداء
الذي ألم
بالقطاع الجماهيري
العربي. وحين
نثير موضوع
الجمهور
فإننا لا نقصد
عموم الشعب
العربي فحسب
وإنما نقصد، علي وجه
الخصوص،
الهيئات
السياسية غير
الحكومية
والمنظمات
الحقوقية
والاجتماعية
التي تتصل
بنظيراتها في
الغرب عموما.
أ بخصوص
جمهور النخبة
: إن هذا
المجتمع
المدني
العربي لم يرق
إلي المستوي
الذي يؤهله
للتأثير علي
القرار
السياسي
المصنوع في
الدوائر
السياسية
الغربية. وإذا
كانت الاحداث
في الغرب تؤكد
في مناسبات
عديدة قدرة المجتمع
المدني
الغربي علي
إلغاء الموقف
السياسي أو
تكييفه حسب
طموحات أهله،
ففي واقعنا
العربي ما
يزال المجتمع
المدني لم
ينضج بعد.
ب - بخصوص
جمهور العموم
: حينما يخيب
ظننا في نخبنا
التقدمية
العربية،
ونلتفت إلي
واقع الجماهير
العربي نجدها
في وضع لا
تحسد عليه هي
كذلك. إن
العدو في واقع
الحال لم يعد
يكترث بهذا الكم
الجماهيري
المسمي عالم
عربي بل لم
يعد يخشي من
فزاعة ما يعرف
بـ المليار
مسلم ليقينه ـ
بالكاد ـ أنه
كم بشري ليس
أكثر من غثاء السيل
!. ومع ذلك لابد
من التسليم
بأن البعد الجماهيري
يمكن أنت يؤثر
في مجري
الاحداث ويلجم
جموح
الصهيونية
بشقيها
الاسرائيلي
والامريكي
إذا عرف العرب
كيف يمارسون
الفعل الثوري
الحقيقي.
وتحقيق هذا
الفعل مرهون
باتباع استراتيجيتين.
بدونهما لن
تؤتي الثورة
الجماهير
العربية
أكلها :
أولهما
استراتيجية
الثورة
الجماهيرية
المستمرة : إن
ما يطبع سلوك
جماهيرنا
العربية في الماضي
والحاضر هو ما
يمكن تسميته
بـ العفوية
الهوجاء إن
علي الثورة
الجماهيرية
العربية أن
تكون مسايرة
للانتفاضة الفلسطينية
بحيث لا ينبغي
أن تتخلف
الواحدة عن الاخري.
إن تواشج
الثورتين هو
الذي يمكن أن
يضفي طابع
الدينامية
علي الواقع
العربي ويخرجه،
بالتالي، من
واقع الجمود
والموت إلي
الحركة
والحياة. وفي
اعتقادنا إن
تلك الاساليب
يمكن حصرها في
نوعين
أساسيين :
أ ـ
أسلوب الدبلوماسية
المهادنة
الذي يمارسه
محترفو الوساطات
المشبوهة من
جنرالات
ووزراء
أمريكا.
ب ـ
أسلوب الخطة
العسكرية
الخاطفة : إن
العدو الاسرائيلي
ومعه أمريكا
يدركون جيدا
خطورة العامل
الزمني في
ممارسة
العدوان.
ويعرفون حق
المعرفة أن
غضب الشعب
العربي يقوي
كلما طال أمد
العدوان.
ولذلك فطنوا
إلي طريقة
ذكية تخدم
نزعاتهم
العدوانية
وفي الآن نفسه
تحفظ ماء وجوه
الانظمة
السياسية
العربية
وتخدر أعصاب
الشعب العربي
الهائج.
وتتمثل في
إنجاز ضربات
سريعة وموجعة
للمشروع
التحرري
الفلسطيني. ثم
تلي ذلك
سيناريوهات
انسحابات
شكلية من المدن
والقري مسرح
العدوان.
ثانيهما
استراتيجية
الثورة
المعقلنة :
لابد للجماهير
العربية من أن
تسترشد بـ
العقل لا بالعاطفة
في كل
تحركاتها. إن
العدو لن تهزه
صيحة الجهاد
لأنه متيقن
بأن هذا
المصطلح قد
شطب عليه في
معجم المؤتمر
الاسلامي !.
ولأنه مطمئن إلي
أنه فعل عاطفي
أو دماء حارة
تغلي في
شرايين بعض
العرب
والمسلمين،
أو أنه مجرد
تصور
ميتافيزيقي
يسكن خيال بعضهم
الآخر، أو أنه
كائن خلوي
يعيش فقط في
أفئدة الذين
لا يفقهون
مغزي
للاتفاقيات
الموقعة بين
بعض دول الطوق
من العرب وبين
إسرائيل، والذين
يجهلون واقع
العلاقات
الدولية. لذلك
سرعان ما يموت
ذلك الكائن
حينما يخرج
إلي الواقع العربي
ويصطدم
بالاسلاك
الشائكة
وفوهات حراس
الحدود.
إن
أعداء العرب
من يهود
ونظرائهم من
ذوي القرار في
البيت الابيض
لا يسمعون ألا
الاصوات التي
تخاطب
غرائزهم. ففي
ظل نظام
رأسمالي
متوحش كالذي
يتحكم في شؤون
الولايات المتحدة،
حيث يسود
التشيؤ
وتتواري
القيم الانسانية
بمعانيها
الخلقية
والعقلانية،
لا يمكن لصوت
العرب أن ينفذ
إلي أسماع
السياسيين الامريكيين
إلا عبر قناة
المصلحة
الاقتصادية .
فحين تستيقظ
الولايات
المتحدة علي
شارع عربي
وإسلامي لافظ
للبضائع
الامريكية
بكل ألوان
طيفها وتشعر
بكساد
منتوجات
معاملها
حينئذ تدرك قيمة
هذه الشعوب
العربية
باعتبارها
سوقا استهلاكية
ضرورية
بدونها لن
تستمر قوتها.
بيد أن
ما يلاحظ- مع
الاسف الشديد-
هو غياب القرار
الجماهيري
العربي
الموحد في هذا
الشأن سواء
علي مستوي
القطر الواحد
أو علي مستوي
الاقطار العربية
برمتها. وهذا
الغياب راجع
في اعتقادنا
إلي مجموعة من
الاسباب
أهمها :
أ ـ
انتشار
الامية بنسب
كبيرة في ربوع
الوطن العربي
والاسلامي.
ذلك أن
الإنسان
الامي يجهل كون
سلاح
الاقتصاد من
أخطر الاسلحة
علي الاطلاق
في عالم اليوم.
ب ـ
انتشار الفقر.
إن الإنسان
الجائع ينسي
جرحه بسرعة
حينما يمنحه
العدو ما يسد
به رمقه. وإذا
كان التاريخ
المعاصر يشهد
لأبطال جنين
كونهم فضلوا
لعق جراحهم من
أجل الصمود والبقاء
علي تقبل
المساعدات
الامريكية
فإن علي
الجماهير
العربية أن
تحذو حذوهم.
ج ـ
انتشار
الطفيليات في
المجتمعات
العربية. إن
الجماهير لكي
يكون لها توجه
نضالي واحي
وتتوحد قناعتها
من أجل محاربة
العدو
اقتصاديا،
لابد من
توفرها علي
شرط اجتماعي
أساسي هو وحدة
الانتماء
الطبقي. ولعل
هذا ضرب من
الحلم في واقع
كالواقع
العربي الذي
يعج بإثنيات
وطبقات تختلف
من حيث نظرتها
إلي العالم
وممارستها
لمفهوم
الحياة
المعاصرة.
وتتباين فيما
بينها من حيث
الارتباط
بالقوي
الاجنبية
ومؤسساتها التجارية.
ونتيجة لهذا
الوضع
الاجتماعي
الفسيفسائي
يصعب جمع
الجماهير
العربية علي
كلمة سواء هي
مقاطعة الغرب
المتصهين.
لكن
الجماهير
العربية
تستطيع، رغم
كل شيء، مقاومة
عدوها توفر لها
شرط واحد هو
الوعي القومي
فهو الذي يسمح
لها بتجاوز
متطلباتها
الاولية
الصغيرة، ويجعله
توقن بأن
كرامتها
وإنسانيتها
لا تقدران بثمن.