بقلم : يعقوب جابر
يعد مهاتير محمد رئىس وزراء ماليزيا الذي تقاعد بعد اثنين
وعشرين عاما من الحكم يوم الجمعة الماضي، من اشد منتقدي الرأسمالية الغربية. وهو
بتقاعده يخلف تراثا حافلا بالمنجزات التي نقلت ماليزيا الى مرحلة متقدمة من النمو
الاقتصادي، وهو يترك الحكم بعد ان اثار حوله عاصفة من الجدل بسبب تصريحاته حول
اليهود. والذين انتقدوا تصريحاته من مؤيدي اسرائىل تجاهلوا الشق الاخر من اقوالهم
التي انتقد فيها لجوء الفلسطينيين للعنف.
ومهاتير محمد بشخصيته المميزة وتصريحاته التي
لا تنقصها الصراحة الحادة، هو بلا شك اشهر زعيم آسيوي بالنسبة للعالم الغربي الذي
تعود على الصمت المطبق من قبل زعماء آسيا الاخرين. وعندما كان يصمت الاخرون، كان
مهاتير محمد يجد في نفسه الجرأة على الرد على اتهامات الغربيين للمسلمين، وبقدر ما
احبه البعض كرهه البعض الاخر الذي اعتبره مسلما متعصبا مع ان هذا الوصف ابعد ما
يكون عن الحقيقة، ذلك انه وخلال اثنين وعشرين عاما من الحكم ادار بنجاح بلدا متعدد
الاعراق والجنسيات واتبع سياسة معتدلة لا يمكن ان توسم بانها تجنح للتعصب. وكل ما
في الامر ان الرجل اتبع مبدأ الصراحة والوضوح في كل ما فعله او صرح به بحيث اكسبه
هذا النهج شهرة دولية تجعله فريدا بين الزعماء الاخرين.
لقد برزت شهرته الدولية على نطاق واسع عندما
استطاع انقاذ ماليزيا من الازمة المالية التي عصفت باسيا ما بين عامي 1997 و1998
عندها فعل مهاتير محمد عكس ما طالب به صندوق النقد الدولي وكبار المستشارين
الاقتصاديين حيث وضع قيودا على حركة رؤوس الاموال وربط عملة البلاد بالدولار
الاميركي.
وخلال هذا العام اعترف صندوق النقد الدولي
بأن مهاتير محمد فعل الصواب وانه بذلك الاسلوب تغلب على الازمة المالية التي اطاحت
بالنمو الاقتصادي في دول اخرى نفذت تعليمات صندوق النقد الدولي.
لا تخلو فترة حكم مهاتير محمد من الاخطاء
والهفوات لعل اشدها المواجهة التي جرت بينه وبين نائبه انور ابراهيم. لكن الزعماء
الاسيويين يعترفون بأن نجاحاته تغطي على هذه الهفوات.
ولعل اصدق شهادة تقدير لمهاتير محمد وردت على
لسان رئيسة اندونيسيا ميجاواتي سوكارنو بورتي التي قالت وهي تغالب الدموع خلال
مؤتمر قمة حضره الاثنان: لقد زرع مهاتير محمد بحنكته السياسية اثرا لا يمحى في
وجداننا. ولقد وصل بتفكيره الواعي ابعد درجات التعقل والحكمة.