بقلم هشام شرابي
(1)في اليوم الذي اعلنت فيه اسرائيل قدرتها
على اطلاق صواريخ تحمل رؤوسا نووية من غواصاتها (السبت في 11 اكتوبر 2003) واصبحت
قادرة على استعمال اسلحة الدمار الشامل ضد اية دولة تعاديها في المنطقة، اعلنت مصر
في اليوم نفسه عن نجاحها في انتاج »مدفع ميدان عيار 155 ملم«.
ما مغزى هذين الخبرين؟ ما الرسالة التي
تبعثها اسرائيل وما الرسالة التي تبعثها مصر؟
رسالة اسرائيل واضحة: انها تعلن انتهاء مرحلة
الاستيطان في فلسطين وبدء مرحلة جديدة تقوم على التوسع وبسط النفوذ في منطقة الشرق
الاوسط . وتعلن انه من الان وصاعدا ؟ اية دولة تقف في وجهها ستجابه بالتدمير
الشامل.
رسالة مصر تأتي مداورة: انها تؤكد وتعلن الان
القبول بالوضع الراهن والقبول بالهيمنة الاسرائيلية والقبول بالتعامل معها حسب
الشروط التي تضعها .
الصورة ككل تكشف عن فشل مصر، الدولة العربية
القائدة، وفشل الانظمة العربية في اتخاذ الحد الادنى من الاجراءات خلال الخمسين
سنة الماضية لمواجهة الخطر الذي شكلته اسرائيل منذ اليوم الاول لوجودها، فبدل من
ان تصنع هذه الانظمة الطائرات والصواريخ، كما فعلت اسرائيل، انصرفت فئاتها الحاكمة
الى تكديس الاموال وتعزيز وسائل قمع شعوبها موكلة امر حمايتها للولايات المتحدة.
(2)
لو تبقى لدى الحكام العرب ذرة من الحكمة او
الكرامة اليوم، لكانت الانظمة العربية اعلنت عندما صدر الخبر عن حقها في اتخاذ
الاجراءات اللازمة للدفاع عن نفسها والتسلح لصد الخطر الاسرائيلي. لكنها اختارت
اسلوبا آخر وهو دفع الاموال الطائلة لشراء السلاح الاميركي وتركه في الولايات
المتحدة حليفة عدوها اللدود، لتقوم بمهمة الدفاع عنها.
لكن لماذا هذا الهلع في وجه اسرائيل، حتى لو
امتلكت الغواصات والصواريخ النووية؟ ألم تمتلك الولايات المتحدة كل انواع الدمار
الشامل عند غزوها لفيتنام؟ ألم يقف الشعب الفيتنامي البطل في وجه الولايات المتحدة
وحاربها وانتصر عليها وحقق تحرير وطنه واستقلاله؟
الى متى يستمر جبن الانظمة العربية وتخاذلها
وغباؤها، وجهلها في ان قوة الشعوب ووحدتها، لا وسائل حرب الدمار الشامل، هي التي
تقرر في النهاية نتيجة الصراع ضد كل مستعمر ومحتل في التاريخ؟
(3)
سلبيات واقعنا العربي التي تبرزها هذه الصورة
القاتمة، كلنا نعرفها.
لكن هل هناك ايجابيات على الافق يمكن من
خلالها الخروج من حلقة اليأس والاحباط، ومن النظر الى المرحلة المقبلة بشيء من
الامل يجعلنا اكثر قدرة على تحمل الصعوبات ومجابهة التحديات وربما تغيير الواقع.
هناك بعض الصيغ الايجابية التي ندركها جميعا،
ولكنها تغيب عنا لانغماسنا في ظلمة حاضرنا البائس.
لنذكر بايجاز:
الصيغة الاهم تنبع مما ذكرته اعلاه، بأن قوة
الشعوب اذا قاومت، لا الاسلحة النووية اذا عرضت هي التي تقرر مصير الصراع، في
العراق وفلسطين يخوض شعبنا صراعا لن يربحه المستعمرون والمستوطنون، ستنتصر
المقاومة العراقية والمقاومة الفلسطينية، كما انتصرت كل حركات التحرير في العالم
حتى الان .
يشكل استمرار المقاومة وتصاعدها في العراق
عاملا اساسيا لا في تحرير العراق وحسب بل في تقرير انتخابات الرئاسة الاميركية
القادمة واسقاط جورج بوش في الانتخابات القادمة (نوفمبر 2004) سيسقط مشروع الحرب
ضد الارهاب ومشروع احتلال العراق »واعادة رسم الخارطة السياسية في المشرق العربي«.
وبسقوط حليفه الاميركي، سيسقط شارون في
الانتخابات الاسرائيلية القادمة وستسقط مشاريعه الاستيطانية والتوسعية في فلسطين
ودول الجوار.
(4)
ستشكل سنة 2004 منعطفا تاريخيا في المنطقة، ومع
نهاية ادارة بوش ستنتهي السياسة الاميركية الخارجية التي رسمتها الزمرة الصهيونية
المسيحية المتطرفة القائمة على الارهاب، وستنتهي احلام الامبراطورية والتلاعب
بمصائر الشعوب، والتي كاد بوش ان ينفذ الخطوة الاولى منها في غزوه للعراق .
في مطلع 2005 ستقوم ادارة جديدة وحكومة جديدة
في واشنطن تعيد الصواب الى الحياة السياسية الاميركية وتعود الى احترام النظام
الدولي والشرعية والقانون الدوليين، وتحترم تعددية الدول والحضارات ومبدأ التعايش
والتعاون بين الدول.
وقد تقوم في اسرائيل حكومة جديدة تتخلى عن
سياسة القمع والارهاب التي مارسها شارون وطغمته الدينية والصهيونية وتعترف
باستحالة ابادة الشعب الفلسطيني وتتبع سياسة اخرى تقوم على الاعتراف بوجود الشعب
الفلسطيني وحقوقه، وتتعامل معه لا بواسطة افراد وفئات متسلطة او تابعة، بل بواسطة
ممثلين حقيقيين للشعب الفلسطيني ينتقون بواسطة انتخابات حرة تشرف عليها لجان
دولية، وتنتج اول حكومة وطنية فلسطينية حقيقية تمثل الشعب الفلسطيني بكل فئاته
واتجاهاته السياسية والايديولوجية.
بالنهاية، علينا، مهما حصل ان نؤكد على
الايجابيات البناءة، ونضع جانبا سلبيات اليأس والاحباط ، ان التاريخ لا تقرره
الاقدار ولا الارادات الخارجية بل ارادة الشعوب وحقها في الحرية وتقرير المصير
والاستقلال.