تحرير أوروبا!
بقلم: أحمد عمرابي
إنها مسألة وقت فقط قبل أن تتولى السلطة
تباعاً في الدول الأوروبية حكومات معادية لإسرائيل. ليس هذا تنظيراً متبطلاً أو
أمنية وهمية وإنما هو الاستنتاج المنطقي في نتائج استطلاع شعبي في بلدان أوروبا
أعلنت مطلع الأسبوع، ووفقاً للنتائج فإن أغلبية مواطني دول الاتحاد الأوروبي
يعتبرون "إسرائيل" خطراً يهدد السلام العالمي وأن أكثر من الثلثين
يعتقدون أن الغزو الأميركي للعراق ليس له ما يبرره.
ولن يكون من المبالغة إذا قلنا إن نتائج
الاستطلاع تعكس تعاطفاً شعبياً في أوروبا لقضايا الحق العربي وخاصة قضية مصير
الشعب الفلسطيني، لكن ربما يكون الأكثر دقة أن نقول إنها تعكس تنامي مشاعر عدائية
على المستويات الشعبية الأوروبية ضد "إسرائيل"، وإن شئنا المزيد من
الدقة فلنقل ضد الأقليات اليهودية في المجتمعات الأوروبية.
مع ذلك كان من العجيب أن تتنكر رئاسة الاتحاد الأوروبي على
المستوى الرسمي لنتائج الاستطلاع، إذ كيف يستقيم أن تضع حكومات الاتحاد الأوروبي
ذات الأنظمة الديمقراطية الراسخة والعريقة نفسها في موقف مضاد للإرادة الشعبية
الغالبة.
أغلب الظن أن نفوذ الأقليات اليهودية على
الطبقة الحاكمة في البلدان الأوروبية هو من القوة بحيث تتردد هذه الحكومات في
اتخاذ مواقف قد تغضب اليهود و"إسرائيل"، ولكن في ظل نظام ديمقراطي عريق
فإن هذه الحكومات لا تستطيع الصمود طويلاً على مثل هذه المواقف دون أن تخاطر
بخسرانها الحكم على أيدي جمهرة الناخبين.
لقد كانت هناك ثمة إرهاصات تنبئ عن تحول كبير
في اتجاهات الرأي العام بين الشعوب الأوروبية، وتمثلت أبرز هذه الإرهاصات في تلك
المظاهرات الكاسحة التي خرجت في لندن وباريس وروما وغيرها قبيل الغزو الأميركي
للعراق تندد بالحرب المرتقبة وتعبر عن تضامن مع الشعب العراقي، حينئذ لاحظ أصحاب
العيون المدربة أيضاً أنه جنباً إلى جنب مع لافتات معارضة الحرب كان المتظاهرون
يحملون أيضاً لافتات عليها شعارات تضامن مع الشعب الفلسطيني وكأن تلك المظاهرات
كانت موجهة ضد "إسرائيل" بقدر ما كانت موجهة ضد الولايات المتحدة.
ولذا فإن ما يستنبط أيضاً من نتائج الاستطلاع
المشار إليه أن المد الشعبي المعارض لإسرائيل والولايات المتحدة في شتى أنحاء
أوروبا ظل آخذاً في التصاعد منذ مرحلة ما قبل وقوع الغزو على العراق وحتى اليوم.
من الغريب إذن أن نطالع رد فعل على الصعيد
الرسمي الأوروبي يتناقض تماماً مع هذه الظاهرة، فقد قال المتحدث الرسمي باسم
المفوضية الأوروبية "إنه ليس دورنا أو من سياستنا أن نترجم كل استطلاع رأي أو
نحدد سياستنا وفقاً له".
ما معنى الديمقراطية النيابية إذن؟
مع تعاظم المد الشعبي الأوروبي المعادي
لإسرائيل والولايات المتحدة لاشك أن الطبقة الحاكمة في أوروبا تجد نفسها الآن على
مفترق طرق: إما الانصياع لإرادة جماهير الناخبين أو الانصياع للنفوذ اليهودي
المتغلغل في مؤسسات السلطة والاقتصاد والإعلام.
لكن قيادات الأحزاب السياسية الأوروبية سوف
تجد نفسها أيضاً في سباق مع الزمن، فالتذمر الشعبي الأوروبي ضد انحياز هذه
القيادات السياسية لنفوذ الأقليات اليهودية قد يؤدي بها إلى خارج مجرى التاريخ،
إنها سوف تكون مسألة زمن فقط قبل أن يتحول التيار الانتخابي الكاسح في أوروبا
لصالح أحزاب جديدة أو أحزاب ومنظمات قائمة بالفعل تتخذ مواقف استقلالية تجاه
"إسرائيل" والولايات المتحدة.
وهل تدرك - أو متى تدرك - قيادات الأحزاب
التقليدية الأوروبية أن أجيال ما بعد الحرب العالمية الثانية المسكونة بالإثم
الوهمي نحو «المأساة اليهودية» وبرعب «معاداة السامية» قد انقرضت أو في طريقها
للانقراض وأنه قد حلت محلها أجيال جديدة صاعدة متحررة تماماً من «العقدة
اليهودية»؟
إن أوروبا تعايش الآن تحولاً خطيراً يتنامى بإيقاع سريع تغذيه
مشاعر الكبرياء القومي والنزوع إلى الاستقلال الذاتي، وبالتالي التحرر من النفوذ
اليهودي والاستعمار الأميركي.