مذكرات مجدى حسين فى
السجن فى قضية يوسف والى
الحلقة 22
وسط تأملات روحية :
ثانى مرة فى حياتى أشاهد فى المنام رؤية
صحيحة
ماركيز يرهقنى .. و مصلحة السجون تمنع
الصحف العربية و الحزبية
الخميس
18/ مايو/2000 الساعة العاشرة و النصف مساءا
توقفت عن كتابة المذكرات عدة أيام ، خشية تضييع
الوقت فيما لا يفيد ، و لاستغراقى الشديد فى تفاسير القرآن الكريم ، و استمتاعى
الكبير بذلك ، و لاحساسى باننى أتعمق أكثر فى فهم معانيه العظيمة ، و اكتشف زوايا
جديدة .. و أشعر اننى سائر بصورة أفضل نحو الله .. فاذا كنت قد بدأت هذه المذكرات
بعنوان الطريق الى السجن .. فقد اكتشفت الآن بصورة قطعية .. انه الطريق الى الله
.. فلا أعتقد اننى كنت قريبا الى الله .. كما أنا الآن .. و أرجو من الله سبحانه و
تعالى ان يتقبل منى هذا التقرب .. من عبد ذليل .. و هو القائل (و اذا سألك عبادى
عنى فانى قريب أجيب دعوة الداعى اذا دعان فليستجيبوا لى و ليؤمنوا بى لعلهم يرشدون
) صدق الله العظيم .
يارب .. أنا عبدك .. و على عهدك و وعدك .. ما
استطعت .. لماذا تدللنى كل هذا التدليل ؟! هل ترضى عنى حقا؟! اللهم أرضى عنى ..
أنا لم تتح لى فرصة للتبتل كتلك الخلوة الروحية ، و لا أدرى ماذا كنت أفعل
بحياتى اذا لم أمر بها .. انها تجربة لا مثيل لها فى حياتى ؟! أين و متى كانت
ستتاح لى هذه الخلوة مع الله .. فلا تليفون .. و لا مواعيد .. و لا أحداث فالباب
مغلق من السادسة أو السابعة مساءا لمدة 12 ساعة .. كل يوم لا يملك أحد و لا يستطيع
ان يخترق هذه الخلوة .. فأشعر بحرية و تحرر لا مثيل لهما .. و تفجرت فى قلبى أنهار
.. من الوجد و حب الله ، فهى مشاعر فوق احتمال جسدى الضعيف .. و قلبى الصغير .. و
بالتالى أسأل الله الرحمة .. و ان يرشدنى الى طريقه بيسر يمكن أن أتحمله .. أنا
العبد الضعيف الفقير اليه سبحانه و تعالى ..
و قد ترددت كثيرا هل أكتب هذه المشاعر فى
المذكرات و قد يقرأها أحد .. و قد تعودت ان تكون علاقتى مع الله .. علاقة خاصة .. فلا يعرف أحد بالضبط بماذا
أناجيه ؟ و الى ماذا أكرس دعواتى إليه ؟ حتى زوجتى يمكن ان أقول لها أكثر من أى
انسان آخر ، و لكننى لا أقول لها كل شئ .. و لكن الله عز و جل بارك من يذكره فى
ملأ .. و أيضا قال فى محكم كتابه (و أما بنعمة ربك فحدث ) .. فكيف لا أتحدث بهذه
الطمأنينة و السعادة اللتين تغمران قلبى .. رغم اننى فى سجن انفرادى .. تهاجمنى و
تسبنى كلاب الطريق .. و حزب العمل يتعرض لمؤامرة كبرى لحله ، و جريدة الشعب التى
رويناها بالعرق و الدموع و الدم يريدون اغلاقها .. كل هذه الأحداث الجسام .. جذبت
انتباهى و أصابتنى ببعض التوتر و الاثارة .. إلا انها لم تنل من حالة الطمأنينة و
السعادة .. فأنا واثق من نصر الله .. و أرى ان أى احتمال يختاره سيكون أفضل ..
المهم ان نعمل بجد و نرشد عملية المواجهة ، و نقوم بواجبنا على النحو الأكمل
لحماية حزب الله (حزب العمل ) ..
و قلت لله عز وجل ..هذه معركتك .. خالصة لوجهك
العظيم الكريم .. فمن ذا الذى يُهزم فى معركة الله ؟! إننا لا نملك ان ننهزم .. و
لا يمكن ان ننهزم .. لانها معركة خالصة له .. و هو الأعلم .. بما فى نفوسنا ..
يتحدثون عن الانتخابات .. و اننا نسعى لتحسين وضعنا فيها .. رغم ان هذا هدف مشروع
، و لكن سُحقا للانتخابات ، و أى انتخابات ، و أى شئ فى الدنيا ، نحن لم نأخذ
الانتخابات القادمة بأى جدية .. و لكن مسألة الغضب فى الله لا يسبقها شئ .. و لا تتعلق بأية حسابات دنيوية .. ان
الله عز و جل لا يحتاج لموقفنا ، و لكننا نظهر أنفسنا و نستعيد الايمان الصحيح لنا
و لكل الشعب . عندما نرفض هذه الحملة العاتية على المقدسات التى بدأت منذ أكثر من
عشر سنوات .. عبر عدة وزارات و مؤسسات و على رأسها وزارة الثقافة .
* * * * *
بالأمس نمت أعمق نوم منذ مجيئ الى السجن .. نمت
من حوالى السادسة بعد الظهر حتى الحادية عشر و النصف مساء و لم يوقظنى الا ضجيج
المساجين المتجمعين أمام زنزانتى فى طريقهم للعمل فى الفرن .. و استيقظت لا أعرف
الزمان أو المكان و احتجت لبضع ثوان كى أتذكر أين أنا ؟ و فى أى وقت ؟ و هذا يحدث
لى عقب النوم العميق . لذلك واصلت العمل حتى صلاة الفجر ، و نمت بعدها ساعة واحدة
.. خلال هذه الساعة شاهدت حلمين سريعين بنفس المضمون .. شاهدت جزءا من صحيفة مكتوب
فيها (حبس طلعت رميح) الكتابة على عمود واحد و لكن ببنط 18 .. و هو عنوان بدون خبر
يشرحه ، و بعد فترة لا أعلمها و أنا أتقلب نائما قلقا شاهدت نفس الخبر و لكن على
عمودين (حبس طلعت رميح) .. و بعد فترة لا أعلمها وجدت نفسى أصحو .. و قلت ان الحكم
فى قضية صبور صدر بالأمس ولابد انه منشور فى الصحف اليوم .. كانت الساعة حوالى
السابعة و النصف ، و كنت عقب صلاة الفجر و بعد مشوارى القرآنى الذى استغرق 4 ساعات
، أحاول الانتهاء من قصة (الحب فى زمن الكوليرا ) لماركيز .. التى استطالت استعارتى
لها من مكتبة السجن .. حتى اننى جددت استعارتها 5 أو 6 مرات .. و أوشكت على اتخاذ
قرار بعدم ستكمالها .. فما عدت أحتمل هذا النوع من الأدب ، رغم القدرات التصويرية
للكاتب .. و رغم استمتاعى بفقرات منها .. إلا ان الجنس المكشوف يقززنى .. كذلك
نزعته الالحادية .. إلا ان الجزء الأخير من الرواية كان هو الجزء المؤثر ..
الانسانى الرومانسى .. حتى ان هذا اللئيم استطاع ان ينتزع منى العبرات .. عندما
ابتعد عن الجنس المكشوف و تحدث عن علاقة حب بين اثنين فى سن الثمانين .. تلك
العلاقة التى انتظرها بطل الرواية 53 عاما !! و لكنه انتظرها بشغل
نفسه بكل ما هو مشين .. من علاقات آثمة ..
المهم كنت أحاول الانتهاء من الصفحات الأخيرة
من القصة كى أتمكن من ردها الى مكتبة السجن ، عندما فتح باب الزنزانة و علمت ان
الصحف قد وصلت ، فذهبت مسرعا لأجد حلمى مطبوعا فى كل الجرائد ، و رغم شماتة صحيفتى
الأخبار و الجمهورية ، فقد كنت سعيدا بالحكم .. و قلت للمسير (حيث لم أستطع أن
أكتم دهشتى) : لقد علمت بالحكم و أنا نائم ، قال لى : كيف حلمت انك أخذت غرامة ؟
قلت لا : بل حلمت ان طلعت رميح صدر عليه حكم بالحبس ، و لا أدرى هل صدقنى أم لا ؟!
و هذه ثانى مرة فى حياتى أشاهد رؤية صحيحة ، و أخذت الصحف و هرولت الى زنزانتى
لأتأكد أكثر .. كنت سعيدا لعدة أسباب .. (1) الحكم ليس بالحبس لى أو لعصام أو
لعادل حسين أو لعامر عبد
المنعم . (2) الحبس بالنسبة لطلعت رميح 6 شهور و كان يمكن ان يكون سنة
علما بان القضية لاتزال فى المرحلة الابتدائية لان الحكم غيابى بالنسبة لنا جميعا
عدا طلعت . و بالتالى فان طلعت رميح ليس مهددا بالسجن بصورة سريعة .
(3) و نتيجة لكل هذه الاعتبارات فاننا غير
ملزمين بدفع غرامة الآن. فحتى بعد المعارضة لايزال أمامنا استئناف.
(4) ان الحمقى الذين يشمتون فينا ، لا يفهمون
ان هذا الحكم سيزيد التعاطف الشعبى معنا ، باعتبارنا مطاردين دوما بالحبس و
الغرامات فى معارك لا ناقة لنا فيها و لا جمل الا الصالح العام . و ها هو طلعت
رميح ينضم الى ركب المهددين بالسجن من قيادات الجريدة . فمبروك يا أخى طلعت .
و يقول (القاضى) انه أخذنا بالرحمة .. فنشكرك
يا سيدى على رحمتك بنا .. يرحمك و يرحمنا الله .
و عندما علمت ان عصام قد استيقظ فى المستشفى
أرسلت إليه صحيفة الأهرام ، مشفوعة بأجمل التهانى و التباريك .. لانه حصل فقط على
غرامة 7500 جنيها .. لقد كنت أخشى على عصام بالذات فى هذه القضية رغم معرفتى
بصلابته النادرة .. ربما لأننى لا أتحمل أن يحبس رسام من أجل رسوم كاريكاتيرية
سياسية (و ليست رسوما جنسية فاحشة كتلك التى نطالعها فى روز اليوسف مثلا) ..
ربما لأننى أحببت بناته الاربعة .. و لا أريد ان يبتعد عنهن سنة اضافية ..
كانت كل مشاعرى متجهة الى عصام فى هذه القضية .. فبناته فى سن يحتجن فيه الى رعاية
الأب بجوار الأم .. ان عصام شخص لا يمكن ان يوجد فى سجن الا فى بلد يحكمه جاحدون
.. و قساة قلب..
أخذت أمارس رياضة المشى فى ممر العنبر .. و
الساعة لم تصل بعد الى العاشرة ، و خرج علىَ شاب من أودة العساكر (و هم المجندون
المحبوسون بتهمة الهروب من الخدمة العسكرية ) و قال لى : لا تفطر فسأعد لك فولا
بالطماطم .. قلت له : مرحى مرحى ، و تواعدنا على العاشرة و النصف .. رغم ان المسير
نفحنى بساندويتش جبنة ، و منذ فترة لم أتذوق طعم العيش الفينو .. و هكذا فان "الفقى
لما يسعد" !! يجيله "فطارين" فى يوم واحد .
و فى انتظار هذه الوليمة أنهيت قصة ماركيز ..
ثم دخل علىَ الشاب و هو من الأودة المجاورة لى تماما ، و فى يده صحنان .. صحن فول
.. و صحن بطاطس مسلوق و مهروس .. قلت له : ماذا تفعل يا رجل هل سآكل وحدى .. و ما
فائدة العزومة اذن ؟!
و ذهبت الى أودة العساكر و أكلنا سويا كان
الأكل رائعا ، و الأكل الجماعى يفتح النفس ، و خرقت تعليمات الطبيب و أكلت زيتونا
مخللا !! و مارست هوايتى الجديدة كواعظ .. و قلت لهم : لماذا تتأففون عندما أراكم
تذهبون الى الفرن ؟! لماذا تكرهون العمل اليدوى و لطالما أحبه الرسول و أثنى عليه
و على ممارسيه ؟ قالوا: لان العمل يحرمنا من التلفزيون و أفلامه .. قلت لهم : يوم
فرن و يوم تلفزيون هذه قسمة عادلة .. قلت لهم (صادقا) : لو كانت صحتى على مايرام
لشاركت فى عمل الفرن بين وقت و آخر .. لا أدرى الى أى حد أثرت فيهم المناقشة.. و
لكن بعد ذلك بقليل نادى علىَ أحد العساكر و قال لى بدون مناسبة : أنا أحبك و كل
الناس تحبك !
و عدت الى زنزانتى و بكيت .. لماذا يخجلنى
الناس بكل هذا الحب ؟! و لماذا اذا دخلت أى غرفة .. يقف كل الجالسين .. و كأننى
مأمور السجن .. و أنا لا أملك لهم ضرا و لا نفعا .. ان هذا الموقف يخجلنى و يجعلنى
لا أحب الدخول الى الغرف ، رغم حبى
للناس .
* شهد اليوم تطورا سلبيا جديدا .. فقد منعت
ادارة السجن دخول الصحف الحزبية و المستقلة و العربية .. بناء على تعليمات عليا من
مصلحة السجون أو أمن الدولة .. و هذه الحركات تعرضنا لها من قبل و تم تجاوزها خلال
فترة وجيزة . و مع ذلك و بناء على اتفاقى مع المأمور ذهبت اليه .. و عرضت المشكلة
.. و اتصل بالمصلحة أمامى .. و لكنهم طلبوا بعض الوقت للرد عليه و لم يأت الرد حتى
مساء اليوم .. و معنى ذلك اننى لن أقرأ الشعب غدا الجمعة .. و رغم استعدادى لتحمل
مثل هذه الحركات لأى فترة من الزمن .. إلا أن التوقيت سخيف ، فالجريدة مهددة
بالتوقف و كل عدد يصدر الآن عدد تاريخى ، لذلك لن أصمت .. و سأحتج بطريقة هادئة و
نظامية .. سأبدأ بكتابة الشكاوى الى رئيس مصلحة السجون .. ربما انتهى بشكوى الى
كوفى أنان!!
* على الصعيد الرياضى .. ما أزال أحقق تقدما
مطردا فى اللياقة و فى نتائج تنس الطاولة و على مدار يومين كاملين هزمت 5 مساجين و
لم أهزم هزيمة واحدة .. و تذكرت اللعب السريع و الضربات الساحقة فى أعماق الطاولة
.. و أصبحت أسير فى العنبر مرفوع الهامة .. فقد أصبح مركزى فى العنبر فى تنس
الطاولة موازيا لمركز المصرى أو الاسماعيلى فى الدورى الممتاز لكرة القدم . فلست
الأول و لكننى بعيد جدا عن الذيل . و هذا التقدم من دواعى سرورى بالاضافة لفوائده
الصحية ، و حيث أسكب يوميا عدة كيلو جرامات من العرق !!
* لاننى أتقاسم أكلى معه .. فقد أغدق علىَ
اليوم بطبق ممتلئ بالمحشى (ورق عنب - باذنجان) و قطع من اللحم المحمر .. و فى
المقابل أعطيت أكلى لشخص ثالث بدأت تنشأ بيننا علاقة لأنه يحب قراءة مقالاتى منذ
عام 1998 ، و كان يتمنع لانه ليس فقيرا ، فقلت له : هذه هدية يا أخى .. على سبيل
التبادل .. فأخذها و قال لى انه سيعزمنى يوما على الغذاء .. قلت له : من مبادئى
عدم رفض أى عزومة !!
و هكذا فأنا طعمت اليوم من خير الآخرين .. و
وزعت أكلى على الآخرين .. هل توجد حياة أجمل من ذلك ؟! نحن نقترب من قول رسول الله
صلى الله عليه و سلم (من كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له ) .. و هذا
الحديث يؤرقنى فى السجن ، فلا أستطيع أن أغلق على الزنزانة و أنام .. حتى أتخلص من
أى فضل زاد .. و قد فعلت ذلك مرة باسراف حتى اذا ما اغلقت الزنزانة لم أجد ما آكله
.. فنمت سعيدا ، و لكننى قررت الاحتفاظ بحد أدنى من النواشف للطوارئ أو لأى خطأ فى
الحسابات كما حدث فى تلك الليلة .
* أما اليوم فقد كتبت مذكراتى لاننى اكتشفت انه
يوم الخميس ، و أنا أحيانا خارج السجن .. أعتبر مساء الخميس أجازة .. و أنام أمام
التلفزيون لمشاهدة القنوات الفضائية .. أو نسافر عطلة نهاية الاسبوع ، لذلك قررت التوقف
اليوم عن القراءة الجادة أو البحث .. و الاكتفاء بمجموعة قصص برازيلية ، و كتابة
هذه المذكرات .. و ربما الاستماع للراديو .. و لعلى اتجه فور هذه الكلمات للنوم
حتى أصحو مع آذان الفجر باذن الله .. و لن تفلح خططى بدون كوب من النعناع .. الذى
أصبحت متيما به .. لانه يساعدنى على النوم .. و أقنعت نفسى انه ربما يكون (خمر
الجنة ) ..
أحب أن أدعو بدعاء السفر ، و ما السجن الا نوعا
من السفر ،
-اللهم أنت الصاحب فى السفر و الخليفة فى الأهل
و المال و الولد
-اللهم هون علينا سفرنا هذا و أطوى عنا بعده
-اللهم انا نعوذ بك من وعثاء السفر و كآبة
المنظر و سوء المنقلب
-اللهم إنا نسألك فى سفرنا هذا البر و التقوى و
من العمل ما ترضى ..
- و صلى الله على سيدنا محمد و على آله
* * * *
* *