من
نيويورك إلي كابول وبالعكس!
عن الأزمة والحرب!
بقلم : محمد حسنين هيكل
كان ترتيبي قبل أن تقع الواقعة في نيويورك وواشنطن يوم 11
سبتمبر الأخير، أن أقصد إلي بعض عواصم أوربا، ومنها إلي الولايات المتحدة: واشنطن
ونيويورك. وجري تجهيز إجراءات السفر وتحدد موعده في الصباح الباكر من يوم 17
سبتمبر وهو يوم أربعاء، وخط سيري المرسوم أن أتوجه إلي لندن لأيام معدودة، ومنها
عبر المحيط إلي نيويورك في عطلة نهاية الأسبوع، وبحيث أكون يوم الاثنين التالي (61
سبتمبر) في واشنطن، بادئا اليوم من أوَّله، باحثا عن الأحوال والاحتمالات كما تبدو
في العاصمة الأميركية التي أصبحت أعجبنا أو لم يعجبنا عاصمة القوة في العالم ومركز
القرار في مصائره...
وكنت علي معرفة بأن هناك <<نوايا>>
و<<خططا>>، فرغت الإدارة الحالية في الولايات المتحدة، مع ربيع هذا
العام (1002)، من بلورتها وهي علي وشك أن تطرحها للتنفيذ علي اتساع قارات العالم
وفيها المنطقة التي تعنينا أكثر من غيرها وهي منطقة الشرق الأوسط.
وبالفعل فقد كنت اطلعت علي نصوص تقرير رئاسي أميركي بشأن
استراتيجية جديدة جري اعتمادها من جانب الإدارة الأميركية لمستقبل العمل في هذه
المنطقة، وشغلني التقرير، حتي أنني عرضته علي صفحات هذه <<المجلة>>
(في عدد أول سبتمبر) ثم رأيت الارتحال عبر البحر وعبر المحيط باعتقاد أن هناك
الكثير مما يمكن استجلاؤه والبحث في تفاصيله: سؤالا، وجوابا، وحوارا وفهما بقدر ما
هو ممكن.
وعصر يوم الثلاثاء 11 سبتمبر، كانت الترتيبات في مواضعها، بما
في ذلك مواعيد اجتماعات حرصت أن أضمن لها وقتا يكفيني، ولقاءات علي الإفطار
والغداء والشاي والعشاء متواصلة، وهي مناسبات للكلام أكثر منها مناسبات للطعام.
وفجأة وكنت أطل علي قناة CNN فوق شاشة التلفزيون توافقت نظرتي الأولي
بمحض مصادفة مع إشارة تقطع البرامج بخبر طارئ، يفيد أن طائرة مدنية اصطدمت بأحد
برجي التجارة الشهيرين في نيويورك، ولدقائق تصورت أنها حادثة وقعت بسبب طيار ضل
مساره أو أخطأ ارتفاعه، فارتطم بناطحة سحاب، تمثل هي وتوأم لها، أظهر العلامات علي
خط الأفق الشهير لمدينة نيويورك.
ورحت أتابع ما بدا لي رغم مأساويته حدثا عاديا يقع مثله كل يوم
مع اختلاف الظروف والمواقع. ثم استجد بعد دقائق ما ظللت لبعض الوقت غير قادر علي
تصديقه، فقد ظهرت علي حافة شاشة التلفزيون طائرة ثانية، اخترقت الصورة بسرعة، ثم
نفذت في البرج الثاني، ومع أنه كان من العسير علي أي عقل أن يستوعب معني ما جري،
فإن الحقيقة كانت أمام العيون تفرض يقينها، حتي وإن كانت هذه الحقيقة عصية علي
التصديق، متفوقة علي الخيال، داعية إلي الانبهار قبل إدراك أن الصور وراءها
بالضرورة مصائب ومآسٍ إنسانية.
ثم يزداد عمق الفجوة بين الصورة المبهرة والحقيقة الدامية،
عندما يبدأ البرجان التوأمان العملاقان في الانهيار من الداخل كأنهما صرح يسقط
راكعا علي ركبتيه مكوما علي الأرض ومن حوْلِه جبال من ركام الحديد والحجر، فوقها
كتل اللهب المتهاوية تسحق أجسادا وأرواحا ولحما ودما وآمالا وطموحات دهمها الموت،
وهو موت رهيب بآلامه وعذابه، وخصوصا أن زمان المأساة طال ما بين اصطدام الطائرة
الأولي ببرج التجارة الأول، والثانية بالبرج الثاني، وتهاوي التوأمان العملاقان
بثقلهما المخيف علي ما بين خمسة آلاف إلي ستة آلاف من البشر وهو زمان طال مداه
قرابة ساعتين، يعلم الله ما جري فيهما.. وكيف؟
ولبعض الوقت دار في خلدي أن ما وقع أمام عيني وأمام عيون مئات
الملايين من الناس، يحرض علي السفر أكثر مما ينهي عنه، فما جري هو بالنسبة للصحفي
حدث مهول لكن صوت النهي كان مسموعا من حولي وأسبابه متنوعة. وعندما دخل الليل،
كانت الأنباء تقول أن عاصفة النار والدمار فوق نيويورك وواشنطن فجرت بعدها إعصار
غضب وجنون، اجتاح الولايات المتحدة الأميركية من الشرق إلي الغرب، ووصلت آثاره
بعيدا وعميقا، وأن كل ما هو عربي ومسلم أصبح معرضا ومكشوفا، ولم يكن ذلك في حد
ذاته ما جعلني أغير رأيي، وإنما غيرت رأيي لإدراكي أنه بعد كل ما جري فلن أكون حيث
أذهب سائلا، وإنما سوف أكون مسؤولا، ولن أكون زائرا يرغب في السماع، وإنما
<<صاحب بيت>> مفروض عليه أن يتكلم، ولم أكن علي استعداد لأكثر من سبب:
فيها أنني في شأن ما جري متابع مهتم، وليس طرفا ضليعا في
الموضوع وخباياه.
وفيها أن ما لدي من الأسئلة، كان كثيرا قبل الواقعة، ثم أضيف
إليه الأكثر بعد الواقعة.
وفيها أنه ليست عندي إزاء ما رأته الدنيا بأسرها إجابات،
وحتي إذا كانت عندي اجتهادات وليس إجابات فليس يعنيني الآن طرحها بقدر ما يعنيني
أن أسمع غيري إذا توصل لشيء. مع أن الإشارات الأولي كشفت أن الكل مذهول بالمفاجأة،
مأخوذ بصورها، مروع بالمأساة بعد المفاجأة ووراء الصور، ثم إن المزاج العام ساخن
وكذلك منفلت!
وهكذا وفي اللحظة الأخيرة قررت إلغاء ترتيبات السفر، بترجيح أن
المتابعة الآن أفضل عن طريق سيل من الرسائل لا ينقطع علي الإنترنت، وصور لا تتوقف
علي شاشات التلفزيون، إلي جانب ما تحمله صحافة العالم وكلها واصلة إلي القاهرة في
ساعات، ثم إن المتابعة من مسافة كذلك قدرت أدعي إلي فهم أقل توترا، وبالتالي أكثر
تأنيا (إذا كان ذلك ممكنا).
ومضي أسبوع وثان وثالث، ثم عاد الصحفي داخلي يُذَكِّر بنفسه
ويُلح، فسيل الرسائل علي الإنترنت مفيد، وشرائط الصور علي شاشات التلفزيون معبرة،
وصحافة العالم الواصلة تعطي تغطية عريضة وشاملة. لكن الصحفي يحتاج أكثر، يحتاج أن
يري بعينيه، وأن يسمع بأذنيه، وأن يلمس بأصابعه، وأن يجلس مع ناس يعرفون، في مواقع
تسمح لهم بأن يعرفوا، وأن يسأل ويستجوب ويجادل ويسعي بالحق الطبيعي لمهنته كي يوفر
لنفسه رؤية واضحة، علي الأقل كافية إذا جاء عليه الدور ليقول ما عنده، بعضه أو
كله، وبقدر ما تسمح له الظروف!
وهكذا بعد انتظار ثلاثة أسابيع، عدت أحرك وأستعجل إجراءات
السفر. ومن باب الاحتياط، فقد تصورت أن أبدأ ببعض العواصم الأوربية، وبعدها أفكر
إذا كان عبور المحيط إلي أميركا مفيدا، أو أن مناخ الهستيريا الذي تملك الجميع
ولهم العذر فيه ما زال مستحكما، وإذا كان <<ذلك كذلك>> (كما يقول
الفقهاء تجنبا لتكرار الحيثيات في أية فتوي) إذن فإن السفر يمكن اختصاره، ويكون
اقتصاره علي أوربا وحدها.
وهكذا كان. والحقيقة أنني لم أندم علي الاختصار والاقتصار علي
أوربا، فما يصلني من الولايات المتحدة كان مزعجا، ثم إن تجربة شخصية مباشرة ولو
أنها واحدة لم تتكرر في لندن زادت من إقناعي، بأنني لم أخسر كثيرا حين بقيت في
أوربا ولم أقارب شواطئ المحيط!
ملخص التجربة، أنني دعوت علي العشاء ذات ليلة في لندن صديقا
قديما هو <<السير مايكل وير>>، الذي كان لسنوات طويلة سفيرا لبريطانيا
في القاهرة، ومعه قرينته <<الليدي وير>> وقد وصلنا جميعا إلي مطعم
<<سانتيني>> متأخرين وعبرنا بسرعة إلي مائدة تنتظرنا.
وبدا لي ونحن نمر بالموائد في طريقنا إلي مكاننا أن الجالسين
علي مائدة قريبة منا ينظرون نحونا ويدققون، ولم يكن صعبا أن أشعر أنهم تعرفوا
عليَّ من صورة كبيرة وسط حديث طويل أجراه معي الصحفي اللامع <<ستيفن
موس>>، ونشره بعرض صفحتين في <<الغارديان>> أمس، ثم إن <<الايفننغ
ستاندارد>> أعادت نشر الحديث بالكامل، ومعه نفس الصورة وبذات الحجم هذا
المساء. وفي ذلك الحديث (مكررا يومين متتاليين) فإنني إلي جانب كثير قلته انتقدت
بعض ممارسات السياسة الأميركية في المنطقة.
ولم ألتفت إلي أن الذين تعرفوا عليَّ لهم كما ظهر في ما بعد
رأي بشأن ما قلته. وعلي أية حال فقد اتخذنا مقاعدنا حول المائدة المحجوزة لنا،
وجاءت قائمة العشاء وطلبنا ثم جري بنا الحديث مجراه ووصلنا إلي ما وقع في أميركا
وهو وقتها وحتي الآن شاغل الدنيا بأسرها وليس مائدتنا وحدها. وانقضي نصف ساعة
تقريبا وكنت منهمكا في حوار مع <<مايكل>>، حتي لفتت قرينته هيلاري
(ليدي وير) انتباهي لسيدة أقبلت تقف إلي جواري، ويبدو أنها تريد أن تتحدث معي،
واِلْتَفَتُّ وإذا سيدة طويلة القامة حسنة الهندام تقول بعصبية: <<مهما كان
ما تقول أو تقولون، فالله يبارك أميركا>>. وقلت لها بصدق: <<إنني أرحب
أن يبارك الله أميركا ويبارك أوطان الناس كلهم>>.
وردت وهي تدير ظهرها: <<لا .. فليبارك الله أميركا وحدها
وليذهب الآخرون جميعا إلي الجحيم>>.
ولم أغضب، ولكن <<هيلاري>> (ليدي وير) غضبت،
وهَمَّتْ بالرد تقول للسيدة الأميركية: <<إنها لا تملك حق أن تفقد أعصابها مع
الناس>>.
وجاء صاحب المطعم السنيور <<سانتيني>> نفسه (وهو
فنان له مؤلفات عديدة عن المطبخ الإيطالي، ومطبخ فينيسيا بالتحديد، كما أنه رجل
تربطه صداقات ودودة مع كثيرين من رواد مطعمه الأنيق، (وكانت ضمنهم الأميرة ديانا
وكوكبة لامعة من أصدقائها، والملك حسين وقرينته الملكة نور، والسيدة مارغريت تاتشر
وقرينها دنيس). وقد جاء السنيور <<سانتيني>> محرجا، يحاول أن يعتذر،
وهو يستغرب أن السيدة الأميركية وهي زوجة مليونير أميركي يزور لندن مرتين أوثلاثا
في السنة، ويملك بيتا كبيرا في ميدان <<تشستر>> القريب وهو من أرقي
المواقع في حي <<بلغرافيا>> خرجت عن الأصول. وكان رأيي أن ما فعلته
الأميركية (المليونيرة) ليس فيه ما يستوجب حرجه أو اعتذاره، لأنه أمر
<<وارد>> في ظل هذه الأجواء، لكن <<ليدي وير>> كان لها
رأي آخر.
وعلي أية حال، فقد زاد اقتناعي بعدما سمعت في لندن تفاصيل
مستفيضة عما جري لكثيرين من العرب والمسلمين في الولايات المتحدة بأنني فعلت صوابا
باختصار رحلتي واقتصارها علي شرق المحيط، وكذلك ظللت مدة الثلاثة أسابيع التي
قدرتها لسفرتي، ملازما للشاطئ الأوربي للأطلنطي مستغنيا عن عبور المحيط إلي الغرب
الأميركي، وربما أن ذلك كان أكثر توافقا مع ميلي وحواسي وبظن أن الامبراطوريات
القديمة مهما كان خلافنا معا، لديها حكمة التجربة وتوازنها بينما
<<الامبراطوريات الجديدة>> لديها غرور القوة إلي جانب وحشية الإعلام
وطغيان الغني!
وطوال ثلاثة أسابيع من البحث في عواصم أوربية متعددة ملاحظا،
ومتابعا أكثر المرات، متكلما في أقلها كان في ذاكرتي قول شهير للرئيس الأميركي
الأسبق <<دوايت أيزنهاور>> جمع خلاصة خبرته قائدا أعلي لجيوش الحلفاء
في الحرب العالمية الثانية، ورئيسا للولايات المتحدة الأميركية ثماني سنوات وفيه
يقول: <<إن السياسات الطيبة لا تضمن النجاح أكيدا، ولكن السياسات السيئة
تضمن الفشل محققا>>.
وذلك هو محور حديثي اليوم لكنني قبل الخوض فيه أقترح الالتفات
بسرعة إلي عدد من الإشارات.
الاشارة الأولي
الإمبراطوريات الحائرة والطرق المسدودة!
باريس:
في باريس تفهم عميق لحق الشعب الأميركي في الغضب وحق الإدارة
الأميركية في العقاب، لكن.. هناك نوعان من الفهم:
نوع يرق بالتعاطف أحيانا ونوع يقسو بالنقد أحيانا أخري. وفي
الحالتين فإن المنطق القانوني الفرنسي يعرض نفسه بالرقة أو بالقسوة متكاملا:
وخلاصته: أن هناك في ما وقع يوم 11 سبتمبر جريمة شنيعة... وذلك أمر لا يجادل فيه،
ولا يستطيع أحد. لكن كل جريمة تحتاج إلي تحقيق يطرح عدة أسئلة:
1 كيف وقعت الجريمة؟
2 وبالتالي من ارتكبها؟
(ومن الواضح أن الإجابة عن السؤال الأول هي الأساس الذي تقوم
عليه إجابة السؤال الثاني).
3 يلي ذلك أن الجرائم لا تحاكم بنيران الجيوش، وإنما بنصوص
القانون، والاختصاص فيها للبوليس والمحاكم، وليس للطائرات والصواريخ.
4 وعند المحاكمة وقبل الحكم، فإنه يتحتم أن تكون الفرصة متاحة
للاطلاع علي الأدلة، والقرائن، وسماع الشهود، والتثبت من وقوع المسؤولية، بحيث
تكون للحكم مشروعيته (لأن الجريمة تستغني عن المشروعية، لكن القضاء لا يستطيع)!
..............................
..............................
وحين سمعت أن باريس تتفهم الدواعي التي حدت بالإدارة
الأميركية، إلي أن تتصرف بسرعة وإلي أن يكون تصرفها سريعا وقويا، حتي وإن لم تكن
لديها خطة مدروسة ومتكاملة فقد تذكرت مرة سنة 2891، قابلت فيها الرئيس
<<فرانسوا ميتران>>، وأيامها كانت الحرب الأهلية في لبنان علي أشدها
وكان حادث خروج قوات مشاة البحرية الأميركية من بيروت بعد عملية فدائية لحزب الله
راح فيها أكثر من 071 قتيلا ماثلا في الأذهان، ومعه حادث مشابه أقل حجما في خسائره
ضد القوات الفرنسية. ويومها سألت الرئيس الفرنسي عن السبب الذي دعا فرنسا في ذلك
الوقت إلي تحريك أسطولها في البحر الأبيض، ثم إن إحدي بوارجه وهي البارجة
<<جان دارك>> راحت تقترب من الشاطئ اللبناني، حتي تكاد تلامسه، لكنها
تستدير عائدة إلي عرض البحر، ثم تقترب ثانية وتعود ثانية، ويتكرر المشهد مرات
ومرات بطريقة بدت غير منطقية.
وسألت الرئيس ميتران أثناء لقائنا، وأنا ساعتها ضيفه علي
الإفطار:
<<عما كانت تفعله البارجة <<جان دارك>>
قاصدة عائدة أمام شواطئ لبنان، وما كان القصد منه والحكمة>>؟
ورد الرئيس الفرنسي قائلا: <<إن ذلك كان طبيعيا>>
بل و<< ضروريا>>.
ولم أقتنع، وواصلت سؤالي عن وجه الطبيعة والضرورة في ما فعلته
<<جان دارك>> (البارجة!)، وتردد الرئيس ميتران (وأكاد أقول تلعثم!)،
وإحساسي بينما كنت أتأمله أن المثقف فيه يُغالِب رئيس الدولة وكذلك قال:
<<لك أن تعتبرها نوعا من الحركة العصبية. التشويح بأطراف
الجسم (استعمل الرئيس ميتران تعبير <>).
ثم أضاف:
<<إنه يحدث للدول ما يحدث للأفراد حين يواجهون مواقف
تقتضي منهم أن يتحركوا، ثم يكتشفون أن الخيارات المطروحة أمامهم لم تنضج بعد،
وللحظة فإنهم بدلا من الكلام <<يشوحون>>، أي تتحرك أعضاء جسمهم
تعبيرًا عما يريدون فعله. وهم لحظتها لا يقدرون>>.
ويستطرد الرئيس ميتران: <<لك أن تعتبر أن <<جان
دارك>> وقتها كانت في ذلك الموقف، تعبيرا عن قوة فرنسية تفرض عليها الدواعي
أن تفعل شيئا، لكن الحقائق علي الأرض تمنعها منه: <<لنقل أننا لحظتها كنا
<<نشوح>> بالصوت والحركة>>.
وقلت: إنني الآن فهمت
..........................................
..........................................
وبعد قرابة عشرين سنة (أكتوبر 1002)، كانت القوة الأميركية في
وضع مشابه، فالدواعي الملحة تفرض عليها أن تتصرف، وترد بكل الوسائل كي تخفف من
ثورة الشعب الأميركي، وتهيئ له أنه <<أخذ بثأره وانتقم>>.
لكنه في تلك اللحظة كانت الحقيقة غائبة، والمشهد فوضي، والخطط
لمواجهة هذا الذي حدث في نيويورك وواشنطن غير جاهزة أو غير كاملة (رغم أن هذا
النوع من الخطر في عصر الحروب غير المتوازية، وهي حروب القرن الحادي والعشرين كانت
واردة بالتقدير المسبق علي الفكر)، لأنه كان صعبا علي العقل استيعاب هذا النوع من
الخطر حين وقع بالفعل. وكذلك لم تكن الخطط جاهزة أو لم تكن كافية!
وفي الحالة الأميركية، فإن رئيس الولايات المتحدة لم يكن يقدر
علي التصرف كما تصرف الرئيس الفرنسي في موقف مشابه. مع وجود أوجه توافق بين
الحالتين وأوجه خلاف:
أوجه التوافق: أن هناك حدثا يطلب ردا، لكنه في غموض الوقائع
وفوضي الشواهد وغياب الخطط، فإن هدف التصرف لم يكن واضحا، وهكذا بدأ التشويح
والتعبير بلغة حركة اليدين والقدمين، وأعضاء البدن (بما فيها ملامح الوجوه ونظرات
العيون وطلوع الحواجب ونزولها!).
وأما أوجه الخلاف فهي أن <<عقل>> القوة الفرنسية
فرض عليها أن تتوقف بعدما أسماه ميتران ب: التشويح السياسي (Gesticulation
Politique) لكنه في حالة
أميركا فإن جموح القوة الأميركية دفع بالرئيس الأميركي إلي ما هو أبعد، مع تزايد
الضغوط عليه.
وكذلك اختار رأس القائمة الجاهزة للمشتبه فيهم (وهو تنظيم
القاعدة)، وقرر أن يضرب، عارفًا أنه لا يملك فرصة أو ترف الانتظار.
..............................
..............................
والحاصل أنني عرفت أن جورج بوش الأب كان أكثر من ألحوا علي
<<جورج بوش>> أن يتصرف بسرعة، وسمعت أنه قال له بعد عشاء عطلة نهاية
الأسبوع في كامب دافيد ما مؤداه أنه: <<ليس أمامه غير أن يضرب بسرعة لأن
<<العجز>> هو الخطيئة التي لا تغتفر لأي سياسي، وتلك خلاصة تجربة عمره
في العمل السياسي. وأن الناس يغفرون للرئيس إذا بان خطأه، لكنهم لن يغفروا إذا
تبدي عجزه>>!.
..............................
..............................
الاشارة الثانية
1100 تسجيل تليفوني لبن لادن!
لندن:
وفي باريس وفي روما وفي لندن (وفي غيرها من العواصم
الأوروبية)، إحساس بأن الولايات المتحدة استعملت قواتها العسكرية بسرعة ضد أسامة
بن لادن الموجود وسط حركة طالبان الحاكمة (ساعتها) في معظم أفغانستان دون أن يكون
لديها اليقين الكامل بأنه يتحمل مسؤولية 11 سبتمبر أو علي الأقل يتحملها وحده.
والشاهد أن أبرز ساسة أوربا سألوا نظراءهم الأميركيين عما
لديهم من أدلة علي مسؤولية <<بن لادن>>، ولم يحصل أيهم علي رد يغنيه
أو يكفيه. علي أن ثقتهم بالولايات المتحدة أغنت وكفت.
وفي لندن وباريس وروما وربما في غيرها من عواصم أوربا وكما
يحدث في بلدان متقدمة، يدعي إلي <<اجتماعات تشاور>> تطلب الرأي من
خارج الإدارة القائمة في أية أزمة تطرأ، وفي العادة فإن هذه الاجتماعات يحضرها
خبراء فيهم أساتذة جامعات ووزراء وسفراء سابقون يعرفون أطراف الصراع أو مناطق
الحوادث التي تطرح نفسها مفاجأة علي الاهتمام العام. ولكي يكون التشاور نافعا وليس
صوريا، فإنه توضع أمام هذه الاجتماعات صراحةً كل ما لدي حكوماتها من معلومات، لكي
تنضم الخبرة السابقة إلي التجربة اللاحقة.
وحدث في عدد من هذه الاجتماعات وليس من الضروري أن أحدد تفصيلا
كي لا أحرج أحدا أن المشاركين في أكثر من عاصمة وجهوا إلي رؤسائهم الحاليين
سؤالين:
السؤال الأول: هل هناك دليل يمكن البناء عليه في الإقناع
السياسي بمسؤولية بن لادن ومن ثم طالبان ومن ثم أفغانستان (ومن ثم الإسلام)
بمسؤولية ما جري يوم 11 سبتمبر؟
والسؤال الثاني: ما هي اتجاهات العمل العسكري الأميريكي
الحالي، وما هو الهدف الإستراتيجي منه؟
وبالنسبة للسؤال الأول، كان الرد علي المستوي الوزاري أنه:
<<ليس لدينا دليل قاطع علي مسؤولية بن لادن طالبان
أفغانستان فيما حدث يوم 11 سبتمبر (ثم يتواصل الرد) علي أنه لا بد أن يكون لدي
الأميركيين شيء يستندون عليه، لكنهم لم يقولوه لنا. ومما قالوه أن لديهم معلومات
بأن بن لادن أو وكلاء مفوضين عنه أصدروا من بنك في الإمارات العربية المتحدة عدة
حوالات قيمتها نصف مليون دولار، فيها مئة ألف دولار ل: محمد عطا، وهو المتهم
بقيادة عملية 11 سبتمبر، وفيها مئة ألف دولار أخري باسم زميله: مروان الشيحي.
ثم إن المخابرات الأميركية حصلت علي صور من هذه الحوالات
بتصريح من محافظ البنك المركزي للإمارات العربية المتحدة بعد طلب تقدمت به
<<مارسيل وهبة>> سفيرة أميركا في الإمارات العربية المتحدة.
ورأيهم كما قالوه لنا صراحةً: <<إن هذه الحوالات تقطع
بالصلة بين بن لادن وبين المسؤولين عن عملية 11 سبتمبر>>.
ظنهم أيضا كما عبروا عنه ضمنا : <<أنهم لا يستبعدون أن
بن لادن ربما كان صادقا عندما قال إنه لم يخطط ولم يوجه عملية 11 سبتمبر، فهو يعطي
الأموال <<يمينا ويسارا وفي الوسط>> لكن الهدف العام لما يعطيه معروف
بصرف النظر عن تفاصيل كل عملية>>!
<<وفوق ذلك فقد أكدوا لنا (في واشنطن) أنهم أجروا
تسجيلات لاتصالات تليفونية قام بها بن لادن طول السنوات الخمس الماضية من جهاز
تلفون جوال متصل بالأقمار الصناعية. وأن لديهم أكثر من ألف ومئة تسجيل لمحادثات
تليفونية، وقد أرسلوا إلينا عينات منها، لعلها ترشد أو تدل علي شيء!>>.
كذلك قيل في <<اجتماعات التشاور>> في أكثر من
عاصمة أوربية في الإجابة عن السؤال الأول.
..............................
..............................
وسألني أحد وزراء الدولة الأوربيين (ومرة أخري لا أريد أن
أحدد لأني لا أريد أن أحرج): لماذا قلت (قبل ثلاثة أسابيع) <<إن بن لادن لا
يستطيع ولا يقدر علي عملية مثل عملية 11 سبتمبر>>؟ وكررت علي سائلي ما نشرته
عن ظني بأن بن لادن وحده لا يستطيع، وأن عمليات 11 سبتمبر، سواء بمقتضياتها
المعقدة في التخطيط والإدارة والتنفيذ تتعدي قدراته، ثم إن ظروفه بما فيها
المراقبة المستمرة عليه واختراق تنظيمه بالعمق إلي جانب بُعد أميركا عن مواقعه
تخطيطًا وإدارةً وتنفيذًا تجعل المسألة برمتها خارج طاقته.
وسألني وزير الدولة الأوروبي المعني: إذا لم يكن بن لادن فمن؟
وقلت: <<إن ذلك يتجاوز اختصاصي، لكني سمعت حوله ظنا عرضته كاملا>>.
<<وأضفت أن ما طرحته من شكوك حول ضلوع عناصر من البلقان
ليس رأيي، لكني نقلته عن أصدقاء في بروكسل، وفي مقر حلف الأطلنطي، ثم إنني لم
أطرحه كحقيقة نهائية، وإنما طرحته كاحتمال تسانده شواهد عرضتها، ثم إنني في ما
نشرت قبلت بضلوع عناصر عربية بدور أو أدوار في ما حدث، لكني أشرت إلي غياب دليل،
وإلي غياب تحقيق يعطي للناس ولو شبه دليل يطمئنهم إزاء الطريقة التي تتصرف بها
القوة الأميركية!
وسألني محدثي عن: الصلة وكيف يمكن أن تكون بين عناصر من العرب
وعناصر من الصرب أو البلقان عموما، والطرفان بعيدان لا رابط بينهما؟
وذكرته بأنه كان بين <<المجاهدين>> أو من أسموا
كذلك في <<البوسنة>> أكثر من ألفين من الشباب العرب: ربعهم من مصر
وربعهم من السعودية والباقون من بلدان عربية أخري، وبعضهم لم
<<يجاهد>> في البوسنة فقط، ولكنه وصل <<بالجهاد>> إلي ألبانيا
أيضا، وبعدهما حتي <<الشيشان>>.
وقلت: <<إنه كانت هناك كتائب من قوات مسلحة عربية تعمل
ضمن القوات الدولية التي شاركت في ما سمي بعملية <<حفظ السلام في يوغوسلافيا
السابقة>>. وأنني أعرف عن جنود من العرب تزوجوا من بلقانيات وصربيات
أيضا>>.
وأضفت: <<أنه في ما يتصل بحادث علي مستوي 11 سبتمبر، فإن
أحدا منا لا يستطيع أن يستبعد شيئا من حسابه دون ترو، أو يدخل شيئا في حسابه دون
أساس>>!
..............................
..............................
وفي ما يتعلق بالسؤال الثاني الذي طرحته <<اجتماعات
التشاور>> الأوربية، وهو السؤال عن اتجاهات العمل العسكري الأميركي، وعن
الهدف الاستراتيجي منه، فقد كان الجواب الذي أتاهم يعرض السياق التالي:
<<أن الإدارة الأميركية كانت واقعة تحت <<ضغط
رهيب>>، يدفعها إلي الحركة بسرعة، وإلي الحركة نحو نوع من
<<العقاب>> يصل إلي أقصي درجات القسوة، بحيث تكون مشاهد الدم والحريق
ظاهرة أمام الشعب الأميركي <<تطفئ ناره>> و<<تشفي
غليله>>، وإلا واجهت الإدارة الأميركية أزمة يصعب تقدير عواقبها لكن الإدارة
وهذه نقطة لصالحها (كذلك قيل ل<<مجموعات التشاور>> في أكثر من عاصمة
أوربية) انتظرت وفكرت ووازنت بين خيارات وبدائل:
فكروا في خطة لخطف بن لادن من منطقة جبلية في
<<قندهار>> رصدوا وجوده فيها، لكنهم تذكروا ما حدث (42 أبريل 0891)،
في محاولة إنقاذ الرهائن الأميركيين الذين احتجزهم الشباب الثوري الإيراني في مبني
السفارة الأميركية في طهران.
..............................
..............................
وأيامها سنة 0891 وضعت قيادة القوات الخاصة الأميركية خطة
لإنقاذ الرهائن من قلب طهران، وكان المطار العسكري في المنيا (صعيد مصر)، إلي جانب
القاعدة الأميركية في <<مصيرة>> (سلطنة عمان) قيادة تنفيذ تلك الخطة
التي عرفت باسم <<الصحراء رقم 1>>. وكان الرئيس <<أنور السادات>>
قد صرح <<لصديقه>> الرئيس <<جيمي كارتر>> باستعمال
الأراضي المصرية وتسهيلاتها العسكرية في تنفيذ هذه الخطة، وبالفعل كان المكلف
بالتنفيذ وقتها هو الجنرال <<بكويث>> قائد القوات الخاصة، وقد تولي من
مطار المنيا توجيه العملية. ومن نفس القاعدة بعث الجنرال <<ريتشارد
بكويث>> إلي الرئيس كارتر يخطره بأن العملية فشلت، بسبب تعطل وتصادم اثنتين
من طائرات الهليوكوبتر، ورد عليه الرئيس كارتر بأن <<يجهض>> الخطة
ويعود بقواته، وكذلك فعل الجنرال <<ريتشارد بكويث>> مع علمه بأن قواته
علي الموقع قرب مدينة <<يزد>> الإيرانية علي طريق طهران تركت وراءها
جثث ثمانية جنود قتلوا عندما اصطدمت طائرات الهليوكوبتر ببعضها
..............................
..............................
وقيل أمام <<مجموعات التشاور>> الأوربية ضمن ما
قيل: إن الذكري المريرة لتلك التجربة دعت الإدارة الأميركية في الظروف المستجدة
إلي استبعاد مغامرة خطف بن لادن، لأن احتمال الفشل فيها (بعد الفشل في توقع ضربة
11 سبتمبر) مما لا يقدر الرئيس <<بوش>> علي تحمله الآن، وهو لا يستطيع
أن يفعل مثلما فعل الرئيس <<كارتر>> مع الجنرال <<بكويث>>
سنة 0891، ويأمر بإجهاض الخطة لأن مقتضي ذلك يفرض عليه في نفس اللحظة، تخليه عن
منصبه، وإلا بدأت إجراءات عزله، لأن الفشل سوف يفتح الباب لتحقيقات مكبوتة بصعوبة
ولكنها مؤجلة، وكلها تريد أن تعرف كيف جري ما جري؟ وأين كانت المخابرات الأميركية
وماذا فعلت بميزانيتها وهي تزيد علي ثلاثين بليون دولار؟! ثم أين كان الدفاع الجوي
عن عاصمة القوة الأعظم الوحيدة في العالم؟!
وفي ذلك الصدد قيل أيضا <<لمجموعات التشاور>>: إن
الولايات المتحدة اعتذرت لرئيس وزراء إسرائيل عندما عرض استعداد القوات
الإسرائيلية الخاصة <<لخطف بن لادن>> نيابة عن الإدارة الأميركية
(والمعني المقصود من العرض أن تدخل إسرائيل عضوا معترفا به شرعيا وعلنيا في الحلف
الدولي الذي تقيمه أميركا للحرب ضد الإرهاب). وقد أبدي رئيس وزراء إسرائيل أن
<<الموساد>> لديه خبرة في هذا النوع من العمليات أشهرها خطف ومحاكمة
وإعدام <<الجنرال>> <<إيخمان>> (المسؤول الأول عن <<الهولوكوست>>
الجحيم الذي تعرض ل<<اليهود>> تحت الحكم النازي أيام هتلر)، وقد
اعتذرت الإدارة الأميركية عن هذا العرض رغم ثقة إسرائيل في فرص نجاحه، لأن لديها
بالفعل وعلي الأرض وفي عمق <<قندهار>> <<عناصر>> جاهزة. وكان
رأي الإدارة الأميركية أن ظهور إسرائيل علي المسرح في هذا الدور وفي هذا التوقيت،
وحتي إذا نجحت في المهمة سوف يسبب إحراجا سياسيا واستراتيجيا في العالمين العربي
والإسلامي.
..............................
..............................
وكان اعتذار الولايات المتحدة عن هذا <<الخيار
الإسرائيلي>> أهم الأسباب التي دعت <<أرييل شارون>> رئيس وزراء
إسرائيل إلي إلغاء زيارته المقررة للولايات المتحدة واجتماعه المحدد مع الرئيس
جورج بوش في شهر أكتوبر ذلك أن <<شارون>> اعتبر الاعتذار الأميركي (عن
توكيل إسرائيل بمهمة خطف بن لادن)، دليلا علي عدم رغبة الولايات المتحدة في
الاعتراف بوجود إسرائيل كطرف أصيل في التحالف الدولي الذي يتجمع لمقاومة الإرهاب.
وكان رأي شارون أن الحقائق عفت علي زمن كانت واشنطن فيه تخفي شواهد علاقتها الخاصة
بتل أبيب عن عيون العواصم العربية، لكن حكومته الآن مصممة علي أداء دورها في
العلن، وإذا لم تكن واشنطن تريد إشهار وتوثيق هذه العلاقة فذلك حقها، لكن إسرائيل
لن تضع نفسها في موضع تراه أقل مما تستحق بصرف النظر عن قوة العلاقة بين البلدين.
ثم إن شارون يضايقه أن يكون سبب الاعتذار الأميركي هو
<<مجرد مساعدة عدد من القادة العرب يريدون <<ستر>> علاقتهم
بالولايات المتحدة، وتسايرهم واشنطن في ذلك بمقولة عدم إحراجهم أمام شعوبهم.
..............................
..............................
وطبقا لما عرض في <<اجتماعات التشاور>> الأوربية
فقد كان الخيار والبديل الآخر الذي فكرت فيه واشنطن، هو <<تكليف تحالف
الشمال الأفغاني بالمهمة>>، لأن ذلك التحالف المعارض لطالبان والذي كان يخوض
الحرب ضدها فعلا من مواقعه التي تراجع إليها في شمال البلاد تحت قيادة أحمد شاه
مسعود جاهزعلي الأرض ولديه حوافزه القوية للقتال إذا تلقي ما هو متأخر من طلبات
سبق وتقدم بها للإدارة الأميركية، لكن ذلك الخيار البديل استبعد (وقتها)، لأن هذا
التحالف <<مهزوم في أعماقه>> و<<ممزق>> ولو كان قادرا علي
النصر لانتصر لحساب نفسه مع كل المساعدات التي تلقاها من قبل. ثم إن شعور
<<المهزوم الممزق>> لدي هذا التحالف زاد وتكرس، عندما وقع اغتيال
قائده العسكري اللامع أحمد شاه مسعود، (وكان اغتياله يوم 8 سبتمبر الأخير أي قبل
11 سبتمبر بيومين أو ثلاثة مما دعا كثيرين الي الربط بين اغتيال أسد بنشير (مسعود)
وبين العمليات ضد نيويورك وواشنطن).
ثم إن زعماء التحالف الشمالي حينما أحسوا أن هناك اتجاها
للاعتماد عليهم، بدأوا يزايدون في طلباتهم، ويسابقون بعضهم في الانفراد بما يمكن
أن تعطيه الولايات المتحدة الأميركية لمن تعهد إليه بالعملية.
وكان هناك خيار وبديل رابع ورد ذكره في <<اجتماعات
التشاور>> الأوربية مؤداه: <<أنه يمكن الاتفاق مع بعض، أو أحد زعماء
القبائل الأفغانية، وضمنها قبائل علمتها الحروب أن تبيع ولاءاتها لكي تتولي هي خطف
بن لادن، وكانت وكالة المخابرات المركزية الأميركية تروج لهذا الحل بعدما قالت
إنها استكشفت السبل والوسائل لتحقيقه. ولكن الوكالة تقدمت تطلب اعتمادات خرافية،
واستأذنت في أَجَلْ للتنفيذ غير محدود بتاريخ معين، ولم يجد الرئيس الأميركي نفسه
قادراعلي الصبر، فهو يستطيع توفير الاعتمادات العاجلة، لكنه لا يملك الوقت
المفتوح، خصوصا أن الوكالة سبق لها أن خدعته في <<زعماء أفغان>>،
طلبوا الغالي وحصلوا عليه، لكنهم عند التنفيذ تملصوا، وادعوا صعوبة المهمة،
وتقدموا بمطالب مالية إضافية، لعل <<فرج الله يجيء>>.
والشاهد كذلك قيل إن وكالة المخابرات المركزية الأميركية تورطت
<<حتي الركب>> في أفغانستان وشطحت وشردت الي درجة أن <<فريق
عمل>> من رجالها قضي ستة شهور في وضع تقرير عن <<الشذوذ
الجنسي>> لدي الزعماء الأفغان، وأهمية استخدامه في تطويعهم! وكنموذج
<<ميداني>> أشارت الوكالة الي معركة عنيفة طالت شهورا بين زعيمين حول
<<غرام>> كليهما بصبي <<اكتشفه>> أولهما، ثم
<<خطفه>> الثاني، وانشغل مكتب وكالة المخابرات الأميركية في
<<بيشاور>> بهذه المعركة أسابيع حتي استطاع تهدئة الخواطر والسيطرة
علي العواطف.
وعلي أية حال، فإن الرئيس الأميركي الذي يعتزم الاستغناء عن
خدمات رئيس الوكالة الحالي <<جورج تينيت>> في أول فرصة تسنح له أراد
في ما يظهر إبطال أية حجة للوكالة، فصرح لها باعتماد قدره مليار دولار تصرفها (تحت
رقابة نائبه ديك تشيني)،علي أن تأتيه في النهاية بأسامة بن لادن حيا أو ميتا.
وكذلك فإن هذا الخيار الرابع وُضع تحت الطلب دون عجلة.
وكان هناك في ما قيل لعلم <<اجتماعات التشاور>>
الأوربية خيار خامس جري استبعاده بعد ساعات ومؤداه: <<أنه ليس عسيرا تكليف
وحدة خاصة من المخابرات الباكستانية لتنفيذ عملية خطف أو قتل بن لادن دون خوف أن
يؤدي ذلك الي حرج للجنرال <<برويز مشرف>> رئيس باكستان، ذلك أنه مع
معلومات متوافرة تقول أن شعب أفغانستان وحتي جماهير طالبان ضاق صدرهم بالمخاطر
والمهالك التي سبَّبَها وجود بن لادن علي أرضهم لن يمانعوا إذا خلصهم أحد من <<هذه
المصيبة>>. ثم إنه إذا اقتصرت العمليةعلي <<بن لادن وحده>>،
وإذا لم تقترب من زعماء طالبان، فإن العملية قد تبدو خدمة باكستانية للأمة
الأفغانية، وعندئذ يمكن قبولها في باكستان، خصوصا إذا توافقت مع حزمة مساعدات
اقتصادية لإسلام آباد، يرافقها ضمان بسلامة المنشآت النووية الباكستانية من ضربة
مفاجئة ضدها (من الهند أو من إسرائيل مع اختلاف النوايا والمقاصد بين البلدين)،
لكن عرض الفكرة توافق مع قلاقل داخل القيادة العليا الباكستانية اضطر فيها
<<برويز مشرف>> الي إعفاء صديقه ونائبه الجنرال <<محمد عزيز
خان>>، وهو الرجل الذي دبر وقاد الانقلاب العسكري الذي جاء به الي الحكم،
بينما هو ما زال في طائرة معلقة به في الأجواء لا تعرف لنفسها مطارا تهبط فيه.
وكذلك لم يبق بديل غير العمل العسكري الأميركي... ومباشرة!
..............................
..............................
وكان ختام مناقشات <<اجتماعات التشاور>> الأوربية،
إعلان رئيس الوزراء توني بلير أمام مجلس العموم البريطاني ب: <<إن الولايات
المتحدة الأميركية لها حق العمل العسكري ضد بن لادن، وحتي إذا لم تقدم أدلة كافية
لإدانته <<أمام محكمة>>، فإن عقابه إجراء عادل في أي وقت قصاصا من
أعمال سابقة، دبر لها من قبل مثل تفجير <<قاعدة الخُبر>> في السعودية،
وتفجير المدمرة الأميركية كول في ميناء عدن اليمني! وغيرها.
..............................
..............................
وكان سماعي بذلك في جلسة مجلس العموم، داعيا الي ما قلته بعد
ذلك في حديث مع الغارديان (نقلته عنها الايفننغ ستاندارد)، استشهدت فيه بالمثل
الصيني الذي يقول <<اضرب زوجتك كل يوم علقة، وإذا كنت لا تعرف لذلك سببا،
فهي تعرف>> مضيفا أن تلك في ما يظهر استراتيجية الحروب الجديدة في القرن
الحادي والعشرين!.
..............................
..............................
وفي باريس كان ملخص ما توصلت إليه مجموعة من مستشاري الرئيس
شيراك في <<قصر الاليزيه>>، أن علي فرنسا مهما كان اختلاف تصوراتها
السياسية والعسكرية أن تقف مع الولايات المتحدة، وأن تشعرها بالمودة والتكافل، لأن
ما حدث <<ولو أنه لا يمثل تهديدا حيويا للولايات المتحدة، إلا أنه يواجهها
لأول مرة بشعور لا تحب المجتمعات أن تعيش معه وهو الشعور ب <<عدم
الاطمئنان>>. والرأي أن المجتمعات يمكنها أن تواجه تفاقم الأزمات قادرة، وأن
تخوض غمار الحروب واثقة، تساندها عوامل قوتها الحقيقية، لكن الخطر وإن لم يرق الي
مستوي التهديد أن تشعر المجتمعات ب <<عدم الطمأنينة>>، وذلك الشعور هو
<<نصف عصبية الولايات المتحدة الآن>>.
وكان تقدير الخبراء الفرنسيين أن موقف التفهم المتعاطف يتيح
لفرنسا في اللحظة المناسبة أن تضع بعض <<الفرامل>>علي الاندفاع
الأميركي الي المجهول.
..............................
..............................
وكان ذلك هو الدور الذي يقال في مقر رئاسة الوزارة البريطانية
01 داوننغ ستريت أن توني بلير يحتفظ به لنفسه. وتقدير معاونيه أن هذا الموقف يبني
لرئيس الوزراء شعبية واسعة تتكفل بها <<الأضواء الساطعة للإعلام
الأميركي>>. وهذه الشعبية تستطيع أن تساعده علي الدخول بالاسترليني الي محيط
العملة الأوربية الموحدة، وهي خطوة ملحة أوائل 2002، عندما يصبح اليورو وحده عملة
أوربا الرسمية كلها. كما أن هذه الشعبية أيضا في تقدير معاوني توني بلير يمكن أن
تكون رصيدا مدخرا لحزب العمال في أية انتخابات قادمة. وكل ذلك مطلوب حتي وإن كان
طلب <<بلير>> المباشر الآن هو دور <<الفرملة>>علي
الاندفاع الأميركي.
لكن الخبراء الفرنسيين ظل رأيهم أن <<توني بلير>>
لن يستطيع أداء دور الفرملة علي الاندفاع الأميركي، لأنه التصق أكثر من اللازم
بالسياسة الأميركية، بحيث أصبح امتدادا لها يدور في فلكها ولا ينفصل عنها، فقد
تصور أن اقترابه أكثر من اللازم ينفع دوره، ونسي أن الحركة في مدار القوة
الأميركية سوف تستوعبه مهما حاول، وبالتالي يصعب عليه أن ينفصل ليكون له موقف
مستقل، وإذا فعل فإن محاولة الانفصال بعد زيادة الاتصال الي حد الالتصاق، لا تتم
إلا بدرجة من الخلاف يستحيل عليه قبولها.
وإذن فذلك الدور (الفرامل) محجوز لفرنسا في اللحظة المناسبة.
..............................
..............................
الإشارة الثالثة
مناقشات عن الحرب في أفغانستان وحولها
لندن:
كان هناك سؤال طرحته علي كثيرين، وفي لندن أكثر من غيرها
بسبب قربها الزائد من القرار الأميركي وموجباته. مؤدي السؤال أنه: إذا كان
<<التشويح السياسي>> قد تحول في الحالة الأميركية الي عمل عسكري
بالسلاح، فما هو شكل هذا العمل العسكري؟ وما توصيفه؟ وما هدفه؟
وقد ضغطت علي هذا السؤال أثناء غداء في بيت الصحفي البريطاني
الأشهر <<أنتوني سامبسون>> (وهو مؤلف عدد كبير من المراجع السياسية
المهمة منها <<الأخوات السبع>>: عن شركات البترول العالمية الكبري
و<<سوق السلاح>>: عن تجارة السلاح في العالم و<<لمسة آلهة الذهب>>:
عن كيف تكونت أكبر الثروات في العالم وأخيرا سيرة حياة <<مانديلا>>
لأن أنتوني سامبسون هو مؤرخه المختار لكتابة قصة حياته).
وكان ضيوف الغداء جميعا صفوة من العارفين بمكامن السياسة
وميادين الحرب. ولم تتوقف المناقشات من الساعة الثانية عشرة ظهرا حتي الثالثة بعد
الظهر، وخلاصة المناقشات كما تداعت:
1 إن هدف التحركات العسكرية الأميركية الأولي قبل بدء العمليات
هو التواجد في قواعد الخليج والسعودية وغيرها بشكل <<فاعل علي الأرض>>
يرفع درجة الاستعداد فيها <<دون إذن من أحد>>، لأن ما حدث في نيويورك
وواشنطن يعطي في حد ذاته شرعية تغني واشنطن عن <<طلب إذن>> من أي طرف.
وذلك حال يختلف عما كان في حرب الخليج الثانية سنة 0991 1991،
ففي حال حرب الخليج كان نزول القوات الأميركية والبريطانية (وغيرها) في السعودية
والخليج، يحتاج إذنا من الدول المعنية، ويحتاج غطاءً شرعيا عربيا عاما يسند
الأطراف المعنية، لكن الظروف تختلف هذه المرة، فليس هناك من يستطيع أن يعترض، وليس
هناك من له حق <<أن يأذن أو لا يأذن>>. وفي الواقع العملي، فإن الإذن
السابق ما زال ساريا وبمقتضاه فإن التواجد العسكري الأميركي في قواعد شبه الجزيرة
العربية ما زال فاعلا، وكل ما استجد هو أن الحاجة تدعو الآن الي رفع درجة
الاستعداد في هذه القواعد بما يناسب <<حالة حرب فعلية>>.
إلي جانب مطلب رفع درجة الاستعداد في القواعد الأميركية في
السعودية والخليج فقد كانت هناك حاجة الي انتشار أوسع من شبه الجزيرة العربية،
وبحيث يكون في مقدور هذا الانتشار أن يطال أي هدف يراد الوصول إليه، ومرة أخري فإن
هذا الانتشار لم يكن يحتاج الي استئذان، فالسوابق قائمة، والغضب الأميركي لما جري
في نيويورك وواشنطن يصيب الكل بالفزع، بحيث لا يجرؤ طرف علي مجرد السؤال، حتي إذا
خطر السؤال علي باله.
وكان التقدير في تلك الساعات، أن الانتشار ورفع درجة الاستعداد
الي مستوي حالة الحرب، يعطي السلاح الأميركي إمكانية التدخل وفق ما يري صانع
القرار الأميركي، سواء لدواعي العمليات علي المسرح الأفغاني أو أي مسرح غيره!
وأثناء ذلك الوقت فإن تلك الأوضاع في حد ذاتها تحدث أثرا نفسيا
يمكن أن تجيء نتائجه أكبر من أي تقدير.
2 إذا لم تحقق مشاهد الانتشار العسكري هدفها النفسي، وضمنه
احتمال أن تقوم طالبان بتسليم بن لادن توقيا لضربة عسكرية أميركية، أو احتمال قيام
بعض الحكومات العربية التي تحتفظ بعلاقة خاصة مع طالبان بمسعي مباشر قبل أن يفوت
الأوان فما تزال هناك احتمالات لا داعي لاستبعادها.
وبالفعل فقد جري تداول اقتراح مؤداه أن يقوم وفد من
<<علماء المسلمين>> بالتوجه الي <<قندهار>>، وإقناع قيادة
طالبان الملا عمر نفسه وإقناع أسامة بن لادن شخصيا بأن الوقت قد حان لفداء الأمة
الأفغانية والإسلامية من شر مستطير بتضحية رجل واحد (كما همَّ سيدنا إبراهيم أن
يفعل بابنه إسماعيل لولا أن فداه الله بذبح عظيم)، وكان لدي بعض هؤلاء العلماء
بالفعل شعور بأن المعجزة قد تتكرر، لأن بن لادن من أول لحظة يدفع ببراءته مما حدث
في نيويورك وواشنطن، وإذا كان صادقا فإن الصدق قادر علي أن يثبت نفسه أمام محكمة
إسلامية ودولية في الوقت نفسه، وكذلك تتحقق معجزة الفداء!.
3 وإذا لم يتحقق شيء من ذلك كله، فإن الفعل العسكري يستطيع أن
يبدأ بضربات من الطيران كاسحة بصواريخ كروز وغيرها من ناقلات الدمار.
وذلك أيضا يمكن أن يحقق الهدف نفسيا، إذا اقتنع الملا عمر
وقيادة طالبان، أن الخطر جد لا هزل فيه، وأن أبواب جهنم التي انفتحت في أجواء
أفغانستان ضرر عظيم، يفرض الشرع توقيه ودرأه بكل سبيل، خصوصا إذا كان من يتعرض له
لا يملك وسيلة لدفعه عن نفسه أو الرد عليه بمثله، وحينئذ يمكن تسليم بن لادن بمنطق
<<سد الذرائع>> سواء للولايات المتحدة الأميركية أو لدولة إسلامية
صديقة (تري في الأمر رأيها).
إضافة الي ذلك، فإن نار الجحيم الموجهة الي الشعب الأفغاني،
يمكن أن تدفعه للتمرد علي حكومة <<طالبان>>، خصوصا إذا وصل الضرب الي
الطرق والجسور القليلة، ومحطات الماء والكهرباء المتهالكة، ومستودعات الغذاء
والمؤن الشحيحة، وأيضا الي المزارع المملوكة لزعماء القبائل في المناطق التي لا
تزال بها شواهد خضرة من شجر وثمر في الشمال والجنوب وحول العاصمة كابول.
4 إن بدء الضرب الجوي واشتداده نافع للرأي العام الأميركي علي
عدة مستويات لأنه:
يريحه نفسيا ويشفي غليله.
ويقنعه بأنه أخذ حقه بيده وتصرف.
ويشغله عن حساب المسؤولية في ما جري فوق نيويورك وواشنطن علي
الأقل بالتأجيل الي ما بعد الحرب (لأن الوطن في الميدان الآن وعلم النجوم يرفرف).
وذلك بالفعل تحقق ولو للأجل القصير لأن صيحة
<<الوطنية>> دوت زئيرا بدائيا تردد في الولايات المتحدة من الشرق الي
الغرب ومن الشمال الي الجنوب حتي لم يعد في مقدور أحد أن يرفع صوته مطالبا
<<بالمراجعة>> كضرورة للتثبت قبل الضرب وكذلك لضمان استمرار
التعبئةعلي المدي الطويل.
وكان أن الإعلام الأميركي سمح وقبل أثقل قيود رقابية وضعت عليه
الي درجة أن السيدة <<كونداليزا رايس>> مستشارة الرئيس للأمن القومي
تمكنت من إقناع كل رؤساء تحرير الصحف وقنوات التلفزيون الأميركية في الإرسال
الداخلي والخارجي علي السواء بالامتناع عن نشر بيانات بن لادن وطالبان، لأنها تحوي
إشارات سرية موجهة الي عملاء كامنين في الولايات المتحدة، تأمرهم بالرموز أن
ينفذوا عمليات معينة في أوقات معينة عند سماعهم لألفاظ معينة!
بل إن الرقابة عبرت المحيط الي بريطانيا، فإذا بمكتب
<<السير كامبل>> مستشار رئيس الوزراء <<توني بلير>>،
يستدعي كبار محرري الصحف والإذاعة والتلفزيون، ويطلب إليهم أن <<لا يكونوا
أدوات في يد بن لادن، يستعملهم لخططه وهم لا يعرفون>>، لأن ما ينقلونه
ويذيعونه بحماسة هو في الواقع أوامر منه لأنصاره بالرموز، ومن المزعج أنه حين
ارتفعت بعض الأصوات، في <<الغارديان>> و<<الإندبندنت>>
مثلا، تطرح الأسئلة الضرورية، فإن جريدة مثل <<التيمس>> شنت عليهم
هجوما ضاريا تحت عنوان <<أنبياء الشؤم>>!
5 بعد هذه الأهداف العسكرية والنفسية، فقد كان أول تقدير لما
يستطيع الضرب الكثيف أن يصنعه علي أرض العمليات يقدِّر أن استهداف المواقع
الموجودة وفيها مخابئ وملاجئ بن لادن وزعماء طالبان سوف يرغمهم جميعاعلي الخروج من
المخابئ والملاجئ في طلب الأمان، فإذا خرجوا الي الفضاء المكشوف، أمكن لطائرات
الاستطلاع من <<شكل القوافل>> أن تعثر عليهم وتنقَّضْ!
وكان أول أمر من الجنرال <<تومي فرانك>> قائد
القيادة المركزية الأميركية المسؤولة عن العمليات من مقر قيادته في
<<تامبا>> فلوريدا، هو:
<<أن علينا أن نجعل مخابئهم تضيق عليهم، فإما أن
<<نفعصهم>> داخلها وإما أن يضطروا للخروج الي حيث نستطيع اصطيادهم.
علينا كذلك أن نعزل قياداتهم أن يتصلوا للتشاور بينهم والتنسيق، وأن نقطع الاتصال
بين القيادة والوحدات، وبين الوحدات وبعضها، وأن ندمر الطرق وشبكات الاتصال حتي
يتحول ميدان القتال الي جيوب محاصرة تتم تصفيتها واحدا بعد واحد>>!
وكان الهدف التالي المباشر للضرب الكثيف هو <<ردع
آخرين>> (لا أحد يعرف أين هم؟) عن القيام ب: هجمات انتحارية جديدة أو
التفكير في محاولات أخري من نفس النوع، إذا توهموا أن الأضرار التي لحقت بالولايات
المتحدة نفسيا وسياسيا واقتصاديا كبيرة الي درجة تبرر لهم تكرار الهجمات بقصد
الابتزاز، وهو أسلوب مستعمل علي الساحة الدولية.
والمنطق هنا أن ضراوة عقاب <<الجريمة الأصلية>>
كفيل بأن يرد آخرين عن ارتكاب مثلها مهما بلغت أوهام هؤلاء الآخرين!
وبالطبع فقد كان للضرب الكثيف قصد نهائي هو تحقيق النصر، وهنا
فإن هناك أسئلة كثيرة طرحت نفسها: عن معني النصر؟ وهل يكفي لتحقيقه إسقاط نظام
طالبان وهو ممكن بل وسهل بسبب تفاوت القوة أو أسر بن لادن وقتله، وذلك وارد بل
ومحتمل في أجواء أفغانستان، وماذا عن البلد نفسه وهو من عشرات السنين مسرح حروب
خاضتها الامبراطوريات من قبل، رغبة في السيطرة علي الموقع الحاكم في وسط جنوب
آسيا؟ ثم ماذا عن الشعب الأفغاني وهو منذ أكثر من ربع قرن يعيش في مستنقع دم؟ ثم
ماذا؟ وماذا.. أسئلة لا حصر لها!
وفي ما بدا مع مجري الحوار (علي مائدة <<أنتوني
سامبسون>>)، فإن العمل العسكري الأميركي بعد ابتدائه بالضرب الكثيف حدد
لنفسه خططا للأجل القصير وبعده للأجل المتوسط، وعلي ضوء ما يجري علي الأجلين يمتد
البصر الي أبعد!
وفي الأجل القصير، فإن مقتضي الخطة يكرر ما جري من قبل في
معارك البلقان الأخيرة في البوسنة وكوسوفو، وملخصها الاعتماد علي القوات الجوية
تغلق الطرق من حول قوات <<العدو>>، وتحاصر منافذه بدائرة من النار،
ليست فيها غير فتحة واحدة تدخلها قوات صديقة علي الأرض تطارد وتطهر وتحتل وتحقق
النصر.
وجري وضع المنطقة الشمالية بالفعل ومركزها <<مزار
شريف>> هدفا للعمليات الافتتاحية، فهذه المنطقة جغرافيا وعرقيا ومصلحة
واتصالا في النطاق <<الأوزبكي>>، وهو <<عرق إنساني>> يعيش
ما بين <<جمهورية أوزبكستان>> وبين شمال أفغانستان.
والظن أنه إذا ما زحف جيش يقوده جنرال <<أوزبكي>>
مثل الجنرال <<عبد الرشيد دوستم>> من الشمال الي الجنوب، فإن منطقة
<<مزار شريف>> سوف تستسلم راضية، ومهما فعلت طالبان (وكذلك كان).
وفي الأجل المتوسط فإنه سواء بالقصد أو بمصادفات الظروف،
بدأت في الولايات المتحدة حكاية جرثومة <<الإنثراكس>> والحرب
البيولوجية التي تشن علي الشعب الأميركي داخل وطنه، وكانت المبالغات الإعلامية في
هذه <<الحكاية>> متجاوزة للواقع وحتي للخيال.
وشاع أن ذلك هو التمهيد لنزول قوات أميركية برية علي الأرض في
أفغانستان، يسقط فيها ضحايا وتعود جثثهم الي وطنهم في حقائب البلاستيك، وذلك هو
الموقف الذي يكرهه الشعب الأميركي، ويخشاه كل رئيس أميركي لكنه إذا تبدي أن أميركا
نفسها أصبحت معرضة لحرب بيولوجية داخل أرضها، إذن فإن المواجهة علي الأرض بمثابة
قدر مفروض لا مهرب منه أو مفر.
لكن الشائع راح يتحول الي اتهام بأن حكايات الحرب البيولوجية
جاءت تمهيدا للمرحلة المتوسطة من الحرب إذا حان وقتها، وهي تعطي للقيادة السياسية
الأميركية خيار توسيع أهداف الحرب، وفي مقدمتها: ضرب العراق.
والذي يتابع المناقشات الدائرة في دهاليز البيت الأبيض ووزارة
الدفاع والكونغرس، والذي يتابع ما ينشره نجوم الإعلام الأميركي، يلفت نظره ذلك
التحريض المستميت علي ضرب العراق حتي ليبدو في بعض اللحظات، كأن العراق هدف الحرب
الرئيسي، في حين أن أفغانستان مجرد مسرح ثانوي يقتصر دوره علي التمهيد والتهيئة.
6 وكان رأي عدد من الجالسين حول مائدة الغداء في بيت
<<أنتوني سامبسون>>، أن العمل العسكري الأميركي له فوق أهدافه
الإقليمية هدف استراتيجي عالمي هو التأكيد لكل الأطراف في العالم أن الولايات
المتحدة تأخذ دورها المهيمن الذي تفردت به بعد انتهاء الحرب الباردة جدَّا، وأنها
إذا كانت <<القوة الأكبر>> في القرن العشرين، فإنها مصممةعلي أن تكون
<<القوة الأوحد>> في القرن الواحد والعشرين.
وهذه رسالة موجهة الي الجميع: الأصدقاء من قبل الأعداء (إذا
كان هناك أعداء علي مستوي الدول).
7 لحق بذلك رأي يعتقد أن الولايات المتحدة تقوم في ذات الوقت
<<بتأكيد وتطوير وامتحان>> نظرية الحرب الجديدة (الحرب غير المتوازية)
ضد أنواع من التهديدات تواجهها، أخطرها <<الإرهاب>>، ومع أن هذه الحرب
الجديدة لا تحتاج الي السلاح وحده، وإنما تحتاج الي أسلحة أخري بجواره أهمها
<<نظام مخابرات هائل للداخل والخارج>>، تشارك فيه الأطراف والقوي في
العالم إلا أن هذا النظام العالمي للمخابرات يصعب بناؤه إلا بضغوط علي الجميع ولا
بد أن تكون الضغوط <<مبررة>>، حتي إذا تم إنشاء النظام ونجح في
امتحانه، أصبحت <<آليته المستقلة>> خارج إرادة أية دولة بعينها.
8 أضاف أحد الخبراء المشاركين في الحوار الي ذلك قوله:
<<إن كل رئيس أميركي يحتاج الي حرب يثبت فيها للكل
وللتاريخ أنه زعيم حقيقي علي مستوي الخلود (Posterity).
وهكذا فإنه في حين أن <<بوش>> يحلم بأن يكون
<<جورج واشنطن>> <<عائدا الي الحياة>> فإن <<توني
بلير>> يأمل أن يبدو وكأنه <<تشرشل القرن الحادي والعشرين>>.
زيادة علي ذلك فإن كل دولة عظمي تحتاج الي إثبات قدرتها، كما
أن كل قوة تحتاج الي تجربة أسلحتها في ميدان حقيقي، ثم إن كل نظرية جديدة في
استعمال القوة تحتاج الي إثبات>>.
ومع التسليم مرة أخري بأن الولايات المتحدة الأميركية لا تواجه
تهديدا حقيقيا تكون بعده أو لا تكون كما كان الحال مع بريطانيا في الحرب العالمية
الثانية إلا أن الولايات المتحدة في حالة عصبية تجعلها تشعر بعض اللحظات بأنها
أمام تهديد حقيقي.
ويمكن ملاحظة أن هناك مدرسة في التفكير تري أن التهديد هو كل
حدث يختلف عن الأمر الواقع، وكل مفاجأة تجيءعلي غير انتظار، أي أن الأمر الواقع
المألوف والمتوقع هو داعي الطمأنينة، فإذا اختلفت الأمور وإذا وقعت مفاجآت،
فالشعور بالتهديد تلقائي (وكان ما حدث في أميركا يوم 11 سبتمبر الأخير أكثر من
<<أمر مختلف>> وأخطر من <<مفاجأة وقعت>>)!
وذكرنا واحد من الجالسين حول مائدة الغداء والمشاركين في
حوارها، بأنه سمع نقلاً عن الجنرال <<ريتشارد ماير>> رئيس هيئة أركان
الحرب المشتركة للجيش الأميركي قوله: <<إن أميركا التي انتصرت في الحرب
الباردة عليها أن تجعل الوضع الذي جاء بعدها <<سلاما ساخنا>> حتي لا
تُنسي حقائق القوة في أوقات الصفاء والاسترخاء!>>
وسألني أحد الحاضرين حول مائدة <<أنتوني
سامبسون>>، وهو <<ويليام شوكروس>> الذي يعتبر من أبرز الخبراء
المتخصصين في صراعات آسيا، عن رؤية العالم العربي لما جري (11 سبتمبر)، وقلت: إنها
لا تختلف كثيرا عن رؤية العالم كله: انبهار بجسارة المغامرة، واستنكار لعواقبها
الإنسانية، وتعاطف ربما لأول مرة مع الولايات المتحدة، علي أن السياسة الأميركية
لسوء الحظ لم تترك لهذا الشعور بالتعاطف، فرصة أن يتنامي، وإنما طردته مسرعة بصور
الخراب في أفغانستان، والعذاب الذي يعانيه رجالها ونساؤها وأطفالها وبذلك غطت
الصور علي الصور، بمعني أن صورة أبراج التجارة في نيويورك وهي تتهاوي تباعدت عن
موقع النظر وموضع العاطفة، مع ملاحظة أن الإعلام الأميركي في حالة نيويورك وواشنطن
ركز علي مشهد اقتحام الطائرات لبرجي التجارة التوأمين، ولم يركزعلي صور البشر،
وأما في أفغانستان فلم تكن هناك ناطحات سحاب تتهاوي كأنها مشاهد أفلام سينمائية
مثيرة، وإنما كانت الصور الأظهر والأكبر والأكثر تعبيرا عن المأساة الإنسانية هي
صور الجراح والدماء والدموع والموت قتلا لمدنيين عزل لم يحملوا السلاح في حياتهم،
ولم يقرأوا طول عمرهم كلمة عن صراعات العقائد والدول في الأزمنة الحديثة.
ثم عاد <<شوكروس>> يسألني عن بن لادن، وكان رأيي دون
مواربة أن بن لادن <<ليس رجلنا>>، فلا هو وجه قضايا العرب والإسلام
المعاصرة، ولا هو اللسان المعبر عن ضمير الاثنين.
وفي الواقع فإن كثيرين بين العرب والمسلمين ساورتهم الشكوك من
سنين عديدة حول هذا الذي يجري في باكستان باسم <<الجهاد>> وضد
<<الإلحاد>>.
وهم في كل الأحوال لم يصنعوا <<بن لادن>>، أو
يكتشفوه وإنما سمعوا باسمه لأول مرة علي لسان الرئيس <<بيل كلينتون>>،
حين وجه الي مواقعه في جبال أفغانستان دفعة من صواريخ كروز صيف 8991، (عقابا علي
تفجير سفارتين للولايات المتحدة في عاصمتين أفريقيتين).
ثم عاد اسم <<بن لادن>> يترددعلي لسان الرئيس
<<جورج بوش>> منذ ارتفع صوت الرئيس الأميركي لأول مرة مساء 11 سبتمبر،
وهو يعلن الحرب عليه!!
ومن أيامها والإعلام الأميركي والسياسة الأميركية لا تنطق إلا
باسم <<بن لادن>>، وكأن ذلك الرجل الذي قضي صباه وشبابه مقاولا لبناء
الطرق، ثم عاش ذلك النوع من الحياة التي يعيشها أقرانه من أبناء الغني السريع في
المملكة العربية السعودية، ثم حملته المصادفات الي أفغانستان في ظروف شديدة
الالتباس قد حلت فيه فجأة روح <<هولاكو>> و<<هتلر>>
و<<جنكيز خان>> و<<ستالين>> وفي الوقت نفسه!
ومن أكبر الأخطاء ولعله خطأ متعمد أن يقع الخلط بين الاستنكار
العربي للسياسة الأميركية، وبين ترجمة هذا الاستنكار علي أنه الإعجاب ببن لادن.
وربما ساعد علي الترويج لهذا الخطأ المتعمد، أن الأمة العربية لا تجد في هذه
اللحظة قيادة معترفا بها تتوافر لها المصداقية ولا فكرة جامعة لها طاقة وحيوية أن
تلهم وتحرك!
وهكذا فإنه إذا كان ظهور بن لادن إعلاميا قد بلغ هذه الدرجة
فدلالته الحقيقية أن الأزمة العربية وصلت الي القاع، لأن الرجل في جميع أحواله لا
يقدر علي دور <<البطل>> ولا يصلح لدور <<الشهيد>>!
..............................
..............................
زدت علي ذلك أنني في كل ما جري فوق <<نيويورك>>
و<<واشنطن>>، أستشعر ما تعرض له الشعب الأميركي، خصوصا أنه جاء قاسيا
ومدمرا، لكنني أعرف أنه مثل كل الأحزان الإنسانية سوف يبهت من الذاكرة الحية مع
الأسابيع والشهور والسنين، لكن قلقي الكبير <<الآن>> وخوفي الحقيقي
علي شيء آخر، أخشي أنه سوف يظل معنا طويلا في الواقع الحي وليس في الذكريات
الحزينة وأعني بذلك <<فكرة الطيران>> ذاتها. فقد كان القرن العشرون
<<قرن الطيران>> بحق، وكانت <<الطائرة>> التي ربطت الدنيا
هي نجم العصر ومحركه ودافعه ووسيلته للتقريب ما بين القارات والأمم والثقافات،
وخشيتي الآن هي علي <<فكرة الطيران>>، لأن الفكرة تعرضت لعدوان صارخ
يتعدي ما تعرضت له نيويورك وواشنطن ويتعداه بكثير.
أضفت أنني أعرف (ولا أوافق) أنه حدث من قبل أن
<<عربا>> (وغير عرب) خطفوا طائرات، واحتجزوا من ركابها رهائن في مقابل
طلبات أعلنوها، وكان ذلك خطراعلي الطيران، لكن الخطر كان محصورا.
وأما هذه المرة، فإن أربع طائرات فيها مئات من الركاب وقع
خطفها، ثم قرر الخاطفون تحويلها بما فيها الركاب من البشر رجالا ونساء وأطفالا الي
قذائف من النار، وهنا فإن الخطر غير محصور. بمعني أن الخطف واحتجاز الرهائن وتقديم
الطلبات كان خطرا علي الطائرات، وأما الذي جري فوق نيويورك وواشنطن، فقد أصاب فكرة
الطيران في القلب.
وعندها فإن <<الإرهاب>> جاوز فلسفته التي يتعلل
بها، فلم يعد <<الإرهاب>> شخصا مستعدا للتضحية بحياته فداءً
لمعتقداته، وإنما أصبح <<جريمة>> تضحي بحياة آخرين لا شأن لهم
بمعتقداته ولا بحياته!.
الاشارة الرابعة
مسألة الإرهاب: الأصول والفروع
أوكسفورد:
لكننا في هذا الموضع عند ضرورة تستحق إشارة مستقلة بذاتها،
وأعني بذلك مسألة <<الإرهاب>>، والحقيقة أن الكلام كثير عن
<<الإرهاب>> الي درجة زاد فيها الخلط حتي تحمل
<<المصطلح>> بأكثر مما يحتمل معناه. وقد وقع في زمن الحرب الباردة
وبعدها، أن أساليب تلك الحرب أمسكت بالكثير من المعاني وعبأتها بمقاصد لم تخطرعلي
بال <<النحاة>> ثم حولتها الي قذائف يعاد صهرها بعد كل استعمال،
لتتشكل بالسبك من جديد ويُعاد استعمالها، حتي فقد اللفظ في النهاية صلته بالمعني
الأول الذي جري صكه للتعبير عن دلالته.
وفي السنوات الأخيرة، فإن ذلك حدث لتعبير:
<<الإرهاب>> الذي يعتبرونه أهم <<الأشكال>> الجديدة
للصراع علي المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
وربما قلت هنا ودون مقدمات أنني من المعجبين باجتهادات السير
<<مايكل هوارد>> أستاذ علم <<الصراع>> وما يتصل به من
استعمالات القوة في جامعة أوكسفورد، وقد وجدتني زائرا لمكتبه عدة مرات، أسأله
وأصغي إليه، وأنقل بصري من حيث يجلس واثقا علي مقعده، إلي المنظر الذي تطل عليه
غرفة مكتبه، وهو الساحة الداخلية المفروشة بالعشب الأخضر، تحيط بها مساكن الطلبة
القدامي في الجامعة العريقة، وهذه الساحة تبدو من نافذة مكتبه مهيبة بأعمدتها
وعقودها من الطراز القوطي بينما المساكن المحيطة تتمدد حول مربع واسع، وفي وسط كل
عقد من عقودها، يظهر بين الأعمدة باب قديم لمسكن عتيق عاش فيه طلاب العلم قرنا بعد
قرن، وأضافوا به إلي المعرفة الإنسانية طبقة فوق طبقة وصنعوا به ما صنعوه من قيمة
لجامعة أوكسفورد، ودورها في بناء الامبراطورية البريطانية، وما بعدها.
وضمن منهجه في شرح علم الصراع فإن السير <<مايكل
هوارد>> لديه اجتهاد في توصيف الإرهاب يختلف عن النداء الذي يتردد بين وقت
وآخر في بعض العواصم العربية باقتراح مؤتمر عالمي علي مستوي القمة لبحث قضية
الإرهاب كما يختلف عما يتردد في عواصم عربية أخري بما يعني: أنه لا يصح أن يوصف
بالإرهاب، نضال الفلسطينيين من أجل استعادة حقوقهم في وطنهم>>.
..............................
..............................
والواقع أنه بالنسبة لفكرة مؤتمر عالمي لبحث قضية الإرهاب،
فإن الموضوع فات أوانه، لأنه قبل عشرين سنة وأكثر دخل الرئيس <<رونالد
ريغان>> إلي البيت الأبيض علي أساس برنامج، تحتل قضية الإرهاب رأس أولوياته،
وبالفعل فإن <<رونالد ريغان>> بعد أن أصبح رئيسا للولايات المتحدة
أنشأ لجنة عليا يشرف عليها نائبه <<جورج بوش>> (الأب) وكان تكليف
اللجنة هو قضية الإرهاب، ثم إن هذه اللجنة (سنة 1891) انتهت إلي توصيات وقرارات تم
اعتمادها، وبالتوازي مع ذلك قامت الأمم المتحدة علي عهد أمينها العام الأسبق
<<بيريز دي كويلار>> بإحالة موضوع الإرهاب إلي اللجنة السياسية التي
خصصت لها مجموعة دولية رفيعة المستوي توصلت إلي صياغة نصوص لحزمة اتفاقيات دولية
معروضة الآن أمام مجلس الأمن لإقرارها واعتمادها بواسطة مجتمع الدول.
يُضاف إلي ذلك إن فكرة مؤتمر دولي للإرهاب طرحت نفسها مرات،
وانعقدت بالفعل لهذا الغرض قمة دولية التأمت في <<شرم الشيخ>> في مصر
(مارس سنة 6991)، ومن سوء الحظ أنه تبين في ما بعد أن تلك القمة قُصد منها إنقاذ
الفرص الانتخابية ل <<شيمون بيريز>>، حتي تتأكد له رئاسة الوزارة في
إسرائيل، لأنه <<حمامة السلام>> المرجوة والمهددة بمخالب الصقور
المتشددين من كتلة الليكود وغيرها، لكن القمة فشلت في تحقيق غرضها، وسقط
<<بيريز>> ونجح <<بنيامين نتانياهو>>.
وأما بالنسبة لما يتردد من أنه لا يصح اعتبار نضال الفلسطيني