أمريكا نمر من ورق

 

بقلم: محمد عبداللطيف حجازي

mehegazi@yahoo.com       

 

أمريكا ليست على هذا القدر من القوة، وليست بالقوة التي لا تقهر. فلو اتحد الأعراب وبذلوا عليها ضغوطا سياسية واقتصادية جادة ومستمرة لساعدوا على تحولها تدريجيا إلى دولة من الدرجة الثانية. هناك بهذا العالم قوى مثل الصين تتنامى بسرعة هائلة وستكون قادرة على ردع أمريكا خلال سنوات قليلة. أمريكا ليست ذلك المارد الجبار الذي تصوره وسائل إعلامها اليهودية، وسوف يتم إذلالها لسنوات طوال بأفغانستان.  لكننا نحن العرب قد ابتلانا الله بعدد من المصائب، أولها هو أننا يحكمنا أرذلنا وأكثرنا تخاذلا. فلو تأملت كافة الدول العربية لما وجدت حاكما يصلح للحكم. معظهم جهلة بأمور السياسة وموازين القوى بين الدول الكبرى، يركعون لصنمهم الأكبر أمريكا التي قالوا لنا أنها لا تقهر. الداء الثاني هو التواكل وليس التوكل فالمتواكل يريد أن يغير الأشياء دون أن يفعل شيئا، والمتوكل هو الذي يتوكل على الله ويقوم بدوره مهما كان صغيرا. ولو كان لكل منا دور ما في مقاومة الظلم والفساد لما هبطت أمورنا إلى هذا الدرك السحيق.

 

حينما يقوم زبانية أمن رئيس الدولة مثلا بالقبض على مواطن أراد التعبير عن رأيه وانتقاد الحكم الفردي المؤبد لا نجد من يعترض ولو بالكلمة، وكأن الفساد والظلم وانتهاك الأعراض قد أصبحت من أمور الحياة الضرورية كالمأكل والملبس لا يمكن العيش بدونها. صحيح أن التنكيل يدفع بالرعب إلى النفوس ويجعل الناس أحرص على سلامتهم الشخصية فيغضون الطرف عما يدور من حولهم ويفضلون السلبية والابتعاد عن مواقع الشبهات، لكنني أتساءل: ما هو طعم الحياة في مثل هذا السجن الكبير؟ كيف أمكن لهؤلاء الزبانية تدجين شعوب بأكملها؟ وكيف إذن يكون التغيير؟

 

قال الفلاسفة لنا أن الديمقراطية الغربية سوف تعطى لنا تدريجيا بجرعات صغيرة، لأننا كما أفتى الفرنجة غير مستعدين للديمقراطية. أين إذن تلك الأقساط الصغيرة؟ قيل أن أمريكا لن تسمح لنا بها لأنها تفضل نظما شمولية يرأسها تابع أمين يتقاضى أجره ويتلقى تعليماته من وكالة المخابرات المركزية، وقد أثبتت الأيام صحة ذلك بعد نشر المستندات القديمة للوكالة. من منا كان يتصور في السبعينيات أن أنور السادات بطل العبور المغوار وقاهر الحريات كان دوما على كشف أجور الوكالة قبل أن يضع يده على خزائن مصر بأكملها؟ ألا يصبح بديهيا في ضوء ذلك أن وكالة المخابرات المركزية قد بات لها من السطوة والتغلغل بالدول العربية ما يسمح لها بالهيمنة وتغيير أذنابها كلما شاءت؟

 

أمريكا لها فلسفة واضحة في ذلك فهي التي تعين كلب الحراسة الذي تتولى إطعامه وتسمينه وإذا ما أحست منه تخاذلا أو عجزا عن الأداء إذا ما اشتد التعارض بين مطالبها ومطالب شعبه قتلته ووضعت مكانه كلبا آخر يكون قد تم تدريبه على هز ذنبه وخدمة أسياده. تلك أمور قد أصبحت اليوم واضحة ولا تخفى على أحد بأي دولة عربية ولا يكفي لطمسها تهريج وسائل الإعلام المحلية في عصر لا تعرف المعلومات به حدودا. خذ ياسر عرفات مثلا كنموذج للرئيس العربي: لقد تم لإسرائيل قتل كل مساعديه لكنه كان دائما ينجو بأعجوبة من كل محاولات اغتياله، وقد زاد معدل تلك الأعاجيب كثيرا عما يسمح به قانون الصدفة. وعندما تصول إسرائيل اليوم وتجول معربدة بأرجاء فلسطين المصغرة فإن عرفات يظل حيا، والسبب هو أن عرفات من وجهة نظر وكالة المخابرات المركزية ما زال يخدم أغراضها ومصالحها ولم يصل الأمر به إلى الدرجة التي يمكن معها أن يجلس صائب عريقات إلى جواره فوق المنصة. ولن يحتاج الأمر عرضا عسكريا إذا تراءى لأمريكا التغيير، إذ تكفي إيماءة صغيرة إلى الموساد الإسرائيلي لكي يغادرنا "أبو عمار" تاركا وراءه بقايا المروحية الخاصة والمرسيدس "سبيشيال إديشن" التي دمرتها الصواريخ الإسرائيلية مؤخرا. لكن أبا عمار أطال الله عمره ما زال ينادي بضرورة العودة للجلوس إلى طاولة المفاوضات إلى ما شاء الله،  ولابد وأنه قد اتصل هاتفيا بمساعد لجورج بوش قائلا له "يا بيه أنا برضه بتاعكم خلي شارون يخف شوية علشان نعرف نشتغل". لكن شارون غير راض فهو قد حدد دور السلطة الفلسطينية في أن تكون ممثلا للشرطة الإسرائيلية بالأراضي المحتلة تقوم بجمع المجاهدين والتنكيل بهم. 

 

قال لي صديق أن "أمن الدولة" لا يقبل الالتحاق به إلا ذوي النفوس الضعيفة وأن أي ضابط شرطة حر لا يمكن أن يسمح لنفسه بأن يكون واحدا من كلاب الحراسة التي تنهش لحم من يفكر في تعكير مزاج السلطان، فقلت له أنها بداية طيبة ، لكن ضعاف النفوس يكثرون في ظل الفقر والضغوط الاقتصادية السائدة. الغريب أن أمن السلطان ليس بالضرورة من أمن الدولة. على العكس تماما، فربما كان أصلح لأمن الدولة أن "يغور" السلطان "في ستين داهية" لكي يتحقق الأمن والأمان. فأمن الدولة هو أمن أفرادها في مجموعهم قبل أن يكون أمن رجل واحد. وإذا ما كان لدينا هذا الكم الهائل من المسجونين السياسيين الذين يودعون المعتقلات دون محاكمة فأي أمن ذلك؟ وأي دولة تلك؟

 

ربما كان الكلام سهلا وأنا جالس هنا خلف حاسوبي على البعد لا ينالني من زبانية السلطان سوى محاولات فجة للاحتكاك تليفونيا أو محاولة بعض عملائهم استدراجي دون ما جدوى فالأرض هنا مكشوفة ولا يتطلب الأمر مني سوى بعض الحذر في التعامل مع الغرباء. كما أنني قد عزمت أمري على ألا تطأ قدماي أرض الكنانة ما تبقى لي من عمر طالما بقي على رأسها عميل أمريكي، لذلك أجدني مشفقا على كل حر يعيش على أرض الوطن العربي ويود له الخير بزوال عصابات السلطة ورؤوس الأفاعي. تلك الأفاعي التي يعلو فحيحها من آن لآخر بضرورة الهوان والرضوخ للصهاينة والأمريكان. كلي أمل بأن رحمة الله وفرجه قريب وأتوسل وأبتهل إليه ليل نهار بأن يرفع البلاء، حتى لو كان ذلك بحثه سبحانه وتعالى لسيدنا المبجل عزرائيل بأن يشحذ همته فيعجل بفرج من السماء، فالتغيير بأي صورة من الصور يحرك الماء الآسن ويدفع بنا إلى الأفضل، فليس هناك أسوأ مما نحن الآن عليه.