لا يستطيع أي محلل سياسي يحترم عقله أن يتنبأ
بما يمكن أن تنتهي إليه حرب شارون المفتوحة مع الفلسطينيين، فمن الصعب لعاقل أن
يتكهن بما يمكن أن يقدم عليه شخص مجنون.
استخدام الطائرات المقاتلة والهليكوبتر لقصف المدن والأحياء السكنية وقصف مقر رئيس
السلطة الوطنية وتدمير مؤسساتها، وتخريب البنية التحتية لأراضي الحكم الذاتي، وقتل
المدنيين وإحراق المنشآت هي عمليات حرب حقيقية، وفي أبجديات علم الحروب فان اسهل
شيء يمكن أن يقدم عليه مجنون هو إعلان الحرب، ولكن المشكلة الكبرى أن الحروب التي
يبدأها المجانين يصبح وقفها صعباً حتى على العقلاء.
كل الاحتمالات مفتوحة، وعلينا أن نطرح السيناريو الأسوأ بل وحتى السيناريو الذي هو
اقرب إلى الخيال، قبل السيناريوهات الواقعية والقابلة للبحث والتقصي، ومن هذه
السيناريوهات قتل رئيس السلطة الوطنية، أو إرغامه على الرحيل، أو ترحيل السلطة
بكاملها بالقوة خارج وطنها، أو القيام بعملية «ترانسفير» لآلاف مؤلفة من
الفلسطينيين بحجة علاقتهم بالإرهاب أو دون الحاجة إلى حجة.
هذه العمليات ربما تعطي لشارون شعبية مؤقتة في ظل مجتمع إسرائيلي متأزم وصرخات
بالثأر والقتل داخل إسرائيل، لكن النتائج الفعلية على ارض الواقع ستكون كارثية
للمجتمع الإسرائيلي، فارييل شارون نجح في الانتخابات على قاعدة وقف الانتفاضة قبل
الدخول في مفاوضات السلام، ووجد هذا الشعار قبولاً واسعاً لدى الإسرائيليين، بل أن
إجراءاته الصارمة ضد الانتفاضة بعد توليه السلطة نجحت في توسيع قاعدته في المجتمع
الإسرائيلي، إلى أن آفاق الإسرائيليون على حقيقة مُرّة وهي أن رئيس الوزراء الذي
جاء ليحمي دماء الإسرائيليين تسبب في موت اكبر عدد ممكن منهم بشكل لا يقارن مع أي
رئيس وزراء آخر في تاريخ إسرائيل، وانه قد تسبب في إراقة دمائهم من خلال عنجهيته
ورفضه للسلام واعتماده على عقدة التفوق.
هل يعيد التاريخ نفسه فيصفق الإسرائيليون لملكهم المتوج وهو يقصف المدن بالطائرات
ويصفي السلطة الفلسطينية، حتى إذا ذهبت السكرة وجاءت الفكرة اكتشفوا انهم ضحايا
أوهام جديدة، وضحايا جدد، وضحايا لتسليم رقابهم إلى شخص لا يفكر أبعد من أرنبة
انفه.