بقلم : فرج شلهوب
على الدوام، لم يُجدِ قهر الشعوب في استتباب أمن الظالمين شيئاً، فدائماً كان الشعور بالقهر والظلم يغذي عملية الرد، ومهما كانت المسافة بين قوة الظالمين والمظلومين، فانه دائماً كان ثمة وسيلة قريبة للانتقام، يمكن ان يبلغها المستضعفون.
وفي اسوأ
الاحوال، فالمسألة مسألة وقت، فالأمن يصنعه العدل والانصاف، اما القهر والعدوان
فلا يصنعان سوى الانتقام، ينطبق هذا على ما يجري في فلسطين تماماً مثلما ينطبق على
ما يجري في افغانستان والعراق وكشمير والشيشان،وحين تركب امريكا رأسها، وتتوعد
وتُعد قوائمها للملاحقات ومشاريعها لضرب اهداف جديدة، وتستعرض قوتها العسكرية
من طائرات قاذفة وصواريخ عابرة وقذائف تزن آلاف الارطال، فانها بهذا لاتجلب الأمن
لنيويورك ولا لواشنطن ولا لمواطنيها ولسفاراتها المنبثة في ارجاء الارض ولاحتى
لقواعدها العسكرية، تماماً مثلما ان شارون حين يركب رأسه ويجرب كل سلاح زوده به
الامريكان لضرب اهداف فلسطينية مكشوفة واخرى مدنية، او استخدام صواريخ الطائرات
لاغتيال نشطاء الانتفاضة، فانه لن يجلب الأمن لتل ابيب وبيت ليد والخضيرة ولا
لمستوطناته الممتدة على مساحات واسعة من الاراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع.
ان من اسوأ
ما يقترفه المتجبرون بحق انفسهم، تعميق الاحساس بالظلم في نفوس من يعتدون عليهم،
وهنا.. لا قيمة لميزان القوى بين الطرفين، ولا لنوعية السلاح الذي يملكه كل منهما،
فالانتقام يظل ممكناً بكل وسيلة، ما توفرت الارادة ولم يُنزع الظلم. والاحساس
بالالم والفجيعة، على الجانبين، يمكن ان يتساوى حتى وان لم تتساوَ الاصابات وحجم
ونوعية الاعمال التي ينفذها كل طرف في الصراع الطويل. وعلى اولئك الذين ينتشون بما
يملكونه من سلاح وقوة تدمير وتسكرهم قوة بطشهم بغيرهم دون رحمة، ان يتذكروا، ان النفس
البشرية لا تقبل الظلم، ويظل يسكنها الانتقام حتى تبلغ ثأرها ممن ظلمها، وان
الايام دول، وارادة الشعوب، لا يمكن قهرها، بقوة السلاح، ولكن بقوة العدل
والانصاف.
لقد تورط
شارون في الدم الفلسطيني، عن سابق قصد، ولعله وجد غطاء لجرائمه بما تصنعه امريكا
في افغانستان، وهو كما يبدو لا يريد ان يفهم أو ان يُفهمه احد ان ما يفعله لن يعود
عليه بالسلامة، ولهذا فهو مصمم على الاستمرار في ضرب الشعب الفلسطيني حتى النهاية،
التي هي في زعمه اعلان الاستسلام المطلق، والكف عن المطالبة بالحقوق او التفكير
بالمس بالاحتلال اليهودي.
وعندما
يكون قرار شارون، هو مايحدث على الارض كل صباح، ويكون الانحياز الامريكي لحمايته
واضحاً مكشوفاً، ويوفر له الغطاء والنموذج، في ملاحقة الاعداء فان ارتقاباً
للانفراج عبر مفاوضات قادمة اوتسويات في طي الغيب، يبدو عملاً عبثياً، ويعبر عن
ارادة مريضة، ولن ينتظر شارون طويل وقت، حتى يبلغه الرد، مثلما ان امريكا، لن تنعم
بالأمن، طالما انها تنهج نهج شارون، وتحاول تعميم هذه السياسة الظالمة في
قهرالشعوب، على مساحة اوسع، تبدأ بافغانستان لتمتد، كما تحاول امريكا الايحاء، الى
الفلبين وكشمير والعراق واليمن والصومال ولبنان، وربما سوريا وايران وليبيا،
واماكن اخرى يختزنها العقل الامريكي المسكون بقهرالشعوب وعشق الاستبداد واوهام
الهيمنة والسيطرة واخضاع الآخرين. لكن اي حصاد سيجنون؟! وأي ثمن سيدفعون في مقابل
ما يصنعون؟! كما يبدو ان هذا ليس ضمن حساباتهم، ولكنه على وجه اليقين هو ما سيحصلون
عليه في نهاية الامر، والمسألة مسألة وقت، ولا تحتاج لكبير ذكاء ولا لمراكز
استقراء وتحليل ولا لعمليات رصد وتحرٍ، فقط المسألة مسألة وقت، وتوفر للظروف.