العراق ..
العراق
بقلم : علي حتر
(1)
ما اكثر همومنا في هذا الوطن!! هموم شعوبنا العربية طبعاً..وهي تختلف غالباً عن هموم حكوماتنا.. وبالاصح.. معظم حكوماتنا..
والعروبة
والرجولة والانتماء والانسانية فينا، لن تتحقق الا اذا كنا قادرين على تذكر كل
همومنا في كل لحظة.. وعلى رؤيتها جميعها بوضوح، حتى حين نكون في حالة تعامل مع
واحد منها فقط، في لحظة زمنية معينة.. فلسطين.. العراق.. الجولان.. جنوب لبنان..
السودان.. الخ.. حتى افغانستان.. اصبحت ولاسباب كثيرة.. احد همومنا العربية في هذه
المرحلة.. وعلاقتنا معها جدلية غير قابلة للفصل.
لقد حدث
انقسام العالم الحتمي الى جبهتين محددتي الملامح بعد احداث نيويورك انقساماً
واضحاً ومباشراً غير قابل للشك والتشكيك، وهما الجبهة الامريكية ومعها الصهيونية
والحلفاء الاوروبيون والاتباع من العالم الثالث ومنهم اغلب الحكومات العربية والتي
اعلنت بالذات موقفها بنفسها..ووقوفها الى جانب بوش وبلير دون ان تستفتي شعوبها،
والجبهة الثانية التي تواجهها وهي جبهة المستضعفين في الارض بكل مللهم وعقائدهم،
شعوباً ام منظمات ام حكومات ام افراداً، ومنهم العراق.. وغالبية الشعوب العربية..
(2)
الاصطفاف.. مَنْ مَعَ مَنْ؟
هذا
الانقسام ترتب عليه اعلان الاصطفاف بشكل نهائي، امام اصرار بوش على معرفته بوضوح،
عندما صرخ صرخته المشؤومة، وقال بفقدان صبر واضح: «اما معنا.. اومع الارهاب» وهو
لا يرى خيارات اخرى في هذا العالم.. اما مع قنابل امريكا وطائراتها.. واما ضحايا
شظاياها.. هذا ما يعتقده بوش.. وكل امريكا.. والارهاب بالنسبة لبوش يمكن فهمه
اعتماداً على فهمنا لكل انواع الممارسات الامريكية، وهو كل عمل اخلاقي او انساني
او قيمي، خارج تعاليم التلمود ومنظمة التجارة العالمية وشركاتها، اذا كان هذا
العمل الاخلاقي كافياً لدفع صاحبه الانسان الى الوقوف في وجه اي نوع من انواع
الظلم الامبريالي والصهيوني، واشكال العدوان والهيمنة والنهب لخيرات العالم
ومقدرات شعوبه، وحتى الارض كما هو في فلسطين.. هذا تماماً ما تعنيه امريكا
بالارهاب.. فالهنود الحمر كانوا ارهابيين عندما قاوموا ابادتهم.. وهذا الفهم يفرض
علينا ان نتعامل مع موقف كل جهة من الجهات، حسب اصطفافها الذي اجبرها بوش على
اعلانه بنفسها خلال احداث نيويورك وافغانستان، ولا يجوز لنا ان نقبل ازدواجية
الموقف الذي يحاول بعض العرب ان يصبغوا او يلونوامواقفهم «واقنعتهم» به.. فلا يمكن
لاي كان، ان يكون مع امريكا ومع العراق في وقت واحد، او ان يكون مع امريكا وضد
شارون في لحظة واحدة، او مع «اسرائيل» ومع الانتفاضة في زمن واحد حتى لو لعدة
ثوان..
وباختصار لا يمكن ان يكونوا مع الحق والظلم، وهناك انواع من التناقضات، لا تقبل حتى الوسطاء.. والتناقض مع امريكا والصهيونية منها. ونعجب كيف يجرؤ الكثيرون على اعلان مساندتهم للمقاومة ضد الاحتلال، ويكونون في نفس الوقت الى جانب الذي يعتبر حزب الله وحماس ارهاباً.. الا اذا كانت المقاومة التي يتكلمون عنها في خطابهم هي مقاومة المفاوضات؟؟ ومقاومة اوسلو وكامب دافيد ووادي عربة.. وكلها مقاومات صفرية..
(3)
ماذا يريد الصهاينة من الحصار على العراق..
العراق
العراق.. وما يتعرض له من حصار يكاد يصبح حصاراً مؤبداً.. مع الاشغال الشاقة، بأمر
من امريكا وصهيون، وبمساعدة وممارسات حكومات العالم واولها الحكومات العربية، حتى
التي تدعي صداقته والتحالف معه، هذا العراق.. ورغم عدم توقف معاناته خلال انشغال
العالم بمتابعة احداث امريكا والافغان.. يعود اليوم ليذكر في الاعلام بسبب احتمال
ان يتحول لاعب الكمبيوتر الامريكي صديق معظم حكوماتنا العربية وموجهها، الى اختيار
الساحة العراقية واطفالها ونخيلها ومدنييها غير المحسوبين في معادلات الشرعية
الدولية اهدافاً لهجمات طائراته وصواريخه وقنابله الجديدة القادمة بعد ان اعتقد
هذا الامريكي القبيح، انه يكاد ينتهي من الافغان وطالبان وبن لادن، وترتيب تلك
المنطقة حسب خططه وبرامجه.
اذن قد يضرب العراق يا عرب!!
وعلينا ان
ندرك بعض ما يريده عدو الانسانية الامريكي من العراق الآن.. وبالتحديد من استمرار
الحصار..وانا اعتقد ان القارئ يدرك اسباب الحصار اصلاً.. فلن اذكره بها..وقبل ان
نجيب على هذه النقطة معاً.. لا بد من ان نوضح ماذا يريد الصهاينة من استمرار هذا
الحصار الآن.. بالاضافة الى استمرار الحرب بين الطرفين اصلاً..
(4)
استمرار التمرد
العراق ما زال يمثل حالة من التمرد والرفض لما يسمى بواقعية الوجود الصهيوني وحتمية قبوله في المنطقة.. وهو يمثل امتداداً لحالة العداء العربي الصهيوني التقليدي بكل ابعاده المعروفة والتي يخرج سردها عن اطار هذا المقال.. والتي تدركها وتتبناها الغالبية الساحقة من ابناء شعبنا العربي ومن المسلمين في كل بقاع الارض.
كما يعتبر
العراق احدى الدول التي لم تتخل عن هذا العداء.. خلافاً لكثير من الحكومات
العربية، فهي ما زالت ترفض الصلح او الاعتراف بالكيان الصهيوني المجرم، وبالتالي
لم تتوقف عن الصراع مع هذا العدو او عن دعم الصراع معه بكل اشكاله بل حتى انها
رفضت الاعتراف به مقابل رفع الحصار نفسه عن العراق.
وانفلات المارد العراقي من قيده او خروج هذا العملاق المتمرد من قمقمه قبل ان يركع ويخضع ويقبل بالوجود الصهيوني.. يشكل بالنسبة لامريكا وللصهيونية مشكلتين:
المشكلة
الاولى انه يدعم المعسكر العربي الرافض للركوع والتسوية والتطبيع، ويحرج الحكومات
المستسلمة ويسقط اقنعة الحكومات التي هي اصلاً الى جانب الكيان الصهيوني لكنها
تتستر وتتخفى.. وبسبب امكانيات العراق وقوته فان هذا الدعم قد يشعل حرائق ليس من
السهل اطفاؤها في بيادر امريكا والكيان الصهيوني، وقد تتلف كل محاصيلهم وحصادهم في
المنطقة.
والمشكلة
الثانية سببها ان الانتفاضة وضعت الكيان الصهيوني في حالة من التخبط واخرجته عن
طوره، وهددت اركان وجوده، واهم هذه الاركان، الامن الذي يجب توفيره للمستوطنين
الصهاينة وللمهاجرين، وكذلك طعنته في مقتل حين هددت الهجرة الى الكيان الصهيوني،
وسببت ازدياد الهجرة منه الى الخارج.. ويقال ان ارقام المهاجرين من الكيان
الصهيوني الى الخارج منذ بدء الانتفاضة بلغت عدة مئات من الآلاف!!
(5)
من آثار الانتفاضة
كما ان
الانتفاضة وضعت ولاول مرة، الكيان الصهيوني، في ميزان التقويم والنقد ولو بشكل
محدود ونسبي، لدى امريكا والامبريالية الامريكية والاوروبية وعالم رأس المال
الغربي، عندما بدأ الكيان الصهيوني يعجز عن الوفاء بالتزاماته في المنطقة بسبب
انشغاله بالتعامل مع الانتفاضة المستمرة، ولم يتمكن من المشاركة بالعمليات
العسكرية الامريكية لضرب اي تحرك في مدى رمايته، بل على العكس من ذلك اضطرت امريكا
لمحاولة التنصل من وجود اية علاقة مع الكيان الصهيوني في حربها الاخيرة في محاولة
منها لتحييد اكبر عدد ممكن من العرب والمسلمين وحكوماتهم..
لقد بدأت
فعلاً، ولاول مرة، الادارات الغربية تدرك ان هناك عبئاً حقيقياً ينتج عن علاقتها
بالصهيونية وخصوصاً في مجال علاقاتها بالعالمين العربي والاسلامي واللذين بدأ
وزنهما يفرض نفسه على الاحداث ولو بشكل محدود.. حين بدأ الافراد والاحزاب العرب
والمسلمون يتدخلون في الاحداث في الخارج وعلى العكس وعلى الرغم من ارادات حكوماتهم
الضعيفة وقد رأينا كيف راح الغرب الامريكي والبريطاني يمنح الوعود للعرب والمسلمين
بالدولة الفلسطينية «حتى وان كانت هذه الدولة مسخاً ومؤامرة في نظرنا».. كما راح
يطلب من شارون بعض التنازلات رغم ضآلتها..
اذن لقد
دفعت الانتفاضة الكيان الصهيوني الى حالة من فقدان الوزن، والتي يحتاج للخروج
منها، مزيداً من الوقت، وصمتاً حوله يمكنه من الاستفراد بشعبنا في المناطق
المحتلة.. كما انه من اجل ذلك ايضاً بحاجة الى حكومات عربية صامتة وقابلة ومتحالفة
لا الى حكومة قد تتدخل وتؤثر في الساحة بشكل غير معروف ولا يمكن تقديره سلفاً..
ومن هنا
فلا بد من ابقاء هذا العراق مقيداً محاصراً الى ان ترتب الصهيونية امورها وتحسم
بعض الدول العربية المتفاهمة مع الصهيونية امورها ايضاً.. ولا ندري كم سيطول هذا
الوضع.. ولكنه حتماً من الاسباب التي تتحكم بطول واستمرار الحصار.. فالصهيونية لا
تريد عدواً يعلن عن تطوع ستة ملايين لمحاربتها، والحكومات العربية المتحالفة معها
تدرك ان فتح الصدام مع الصهاينة على الطريقة التي يدعو اليها العراق سيؤدي الى
نتائج لا تحمد عقباها، لها وللحليف الصهيوني..
ولهذا تقف الصهيونية ومعها هذه الحكومات سراً او علنا وبخطوات عملية ملموسة.. ضد كسر الحصار على العراق..ومع استمراره مهما طال.. وانظروا الى سكين الصياد.. ولا تنظروا الى عينيه ودموعه.. واذاعاته.. تتضح لكم هذه الحقيقة.