سُنن الله
كيف تعمل
بقلم : د. احمد نوفل
هذه مقاربة للفهم حتى لا يتزلزل اليقين،
ففهم سنن الله في المجتمعات، واستقراؤها في التاريخ الانساني، احد اهم مثبتات
الايمان، في غمرة الصراع بين الحق والباطل، ولهذا ارشدنا القرآن عقيب غزوة أحد
التي لم تكن نتائجها كما يحب المسلمون، ارشدنا الى استقراء السنن، وقد دهش
المسلمون لما اصابهم، مع ان فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شك انهم خير
من معسكر اعدائهم فقال: «قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الارض، فانظروا كيف كان
عاقبة المكذبين».
فأولا: لا بد من امتحان واختبار، وقد
يطول امده وقد يقصر، هذا راجع لاحوال الأمة، وقبل ذلك لتقدير الله وحكمته، وفي
الامتحان تمحيص للمؤمنين، واستدراج وفتنة للكافرين، اذ يزين لهم باطلهم فيظلون
عليه حتى يمحقهم الله. وبالامتحان يميز الصفّ المسلم وهذا من المقاصد العظيمة، وبه
يستخرج الشهداء وهم الذهب المستخلص من منجم الأمة:
«وتلك الايام نداولها بين الناس، وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين، وليمحص الله الذين امنوا ويمحق الكافرين. ام حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين».
فلا بد اذاً من الابتلاء، كان ذلك حتماً مقضياً، وامراً قطعياً، «ولنبلونكم..»
ثانياً: ان سنة الله لا تستعجل، فلا بد ان تسير الامور وفق الناموس، وتأخذ وقتها الكافي، وطبيعة الانسان العجلة، واستحثاث السنن، الى حد فقد اليقين لدى البعض، فلا بد من فهم هذه الحقائق المتعلقة بطبيعة النفس الانسانية والسنن الربانية، واقرأ:
«خلق الانسان من عجل، سأريكم آياتي فلا تستعجلون»
وفي سورة الاسراء، سورة الصراع بين الحق والباطل في صورته الاشد، كلمتنا في مواطن عدة، وبتفنن شديد، عن طبيعة النفس الانسانية، والسنن المتعلقة بهذه النفس، ومن ذلك عجلتها: «ويدعو الانسان بالشر دعاءه بالخير وكان الانسان عجولاً».
فالعجلة طبيعة الانسان،و من هنا فانه
يستعجل السنن، اما الكافر فيستعجلها استهزاء: «وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم
الحساب» «يستعجل بها الذين لا يؤمنون» واما المؤمنون فيستعجلونها من باب حب رؤيتهم
لنصر الله والتمكين لدين الله وعدم استقرار الكفر في الارض، وارسخ الناس ايماناً
يحصل له ذلك «حتى يقول الرسول والذي آمنوا معه متى نصر الله، ألا ان نصر الله
قريب..» «حتى اذا استيأس الرسل وظنوا انهم قد كذبوا جاءهم نصرنا..» «فلا تستعجل
لهم، انما نعد لهم عدا..» ولذا فقد ارجع النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي الذي
جاء يعرض له الاحوال ويستنصره، فقال: «قد كان من قبلكم.. والله ليتمن الله هذا
الامر.. ولكنكم تستعجلون».
وثالثاً: لقد شاء الله ان يسير نهر
الحياة بهدوء وفق الناموس المعتاد، والسَّنن الجاري، باتئاد، لا يلتفت اليه اغلب
الناس، ولو سار ناموس الحياة، وفق السنن الخارقة لا السنن الجارية، لما كان ثم
ايمان بالغيب، لان الكافر يعاجل بالعقوبة فيرتدع كل الناس، وتصبح قضية الايمان
هينة، وليس الامر كذلك لانها سلعة غالية، وجنان عالية، فلا بد من مهور غالية ومن
هنا تسير الامور بلطف لا يسترعي الانتباه، وفق قانون الله الذي يراه الناس بطيئاً
او لا يرونه باطلاق. ومن هنا، فان قصة موسى اعادت على اسماعنا في سرد قصة المولود
الذي القي في الصندوق والذي ستكون نهاية اعتى دول الظلم في حينه، بل في التاريخ
الانساني حتى حينه، ستكون على يديه، ومن كان يتصور؟! أقول: تعيد السورة :«وهم لا
يشعرون» و«لكن اكثرهم لا يعلمون». وفي سورة يوسف تأمل عندما القي في البئر كيف
تدرجت به الاحداث وفق السنن الجارية الى ان وصل الى المنصب الكبير وما كان ذلك
ليخطر على قلب بشر، حتى ان اخوته لم يخطر لهم ببال وقد رأوه على تلك الحال، ولذلك
قال يوسف في نهاية القصة: «ان ربي لطيف لما يشاء..» اي يجري الامور بشكل خفي على
العين والرصد والتتبع.
فمن كان يظن ان امريكا و«اسرائيل» بمجرد تجاوزهما العاتي على المسلمين سيصيبهما القوارع والكوارث، فانه لم يفهم سنة الله في الصراع بين الحق والباطل، وان العقل المسلم عند كثيرين ما زال عقلاً خوارقياً لا عقلاً واقعياً ناموسياً سننياً.
ان الذي يتمناه المؤمنون حاصل وكائن لامحالة، ولكن كيف، ومتى، وما الخطوات؟ هذا كله ينبغي فهمه وفق الناموس.
ان للبشر عملاً لا بد ان يقوموا به، وجهداً لا بد ان يقدموه، ويدعوا لله عمله بعد ذلك في الكون وحوادثه. ولكنا تركنا شغلنا وعملنا، واشتغلنا بما يخص الله، فصرنا نسأل الله: متى يارب؟ وكيف ولماذا؟
واقول: دع عمله له، وقم انت بعملك، وثق بوعد ربك
ان العاقبة للمتقين، ولن يخلف الله وعده، وسيقول المؤمنون عندما يرون وعد الله يتحقق: «سبحان ربنا، ان كان وعد ربنا لمفعولاً..».