المشهد الجديد
حروب
وصراعات القرن الحادي والعشرين
بقلم : عبد الفضيل محمود
يكاد يتفق معظم المحللين علي أن القرن
الجديد (الحادي والعشرين) قد بدأ حكماً يوم 11 سبتمبر 2001، بمعني أننا بدأنا نشهد
منذ ذلك التاريخ بداية لمقومات عالم جديد يزخر بنسيج جديد من التناقضات والصراعات.
ولعل أحداث نيويورك وواشنطن، التي جرت في عقر دار أكبر قوة عظمي تشير الي بداية
خلل كبير في التوازنات والمعادلات الأساسية التي حكمت العالم منذ انفراد الولايات
المتحدة بقيادة النظام العالمي الجديد، غداة انهيار الاتحاد السوفياتي وحائط
برلين.
وبهذا الصدد، يشير توماس فريدمان المحلل
السياسي الذي يعكس رؤية دوائر المال وصنع القرار في الولايات المتحدة الي أن ما
نشهده منذ <<الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول>> هو بداية <<حرب
عالمية ثالثة>>، تجري إدارتها، من الطرفين، بأشكال وأدوات جديدة غير معهودة
من قبل. ويضيف أن الضربة التي حدثت في <<الحادي عشر من سبتمبر>> كانت
موجهة في الأساس الي هيبة أميركا <<القوة العظمي>>. إذ يشكل مركز
<<التجارة العالمي>> الرمز الرئيسي لاقتصاد السوق والليبرالية وعصب
نشاط الرأسمالية الأميركية، من ناحية، كما يمثل البنتاغون رمز تفوق العسكرية الأميركية،
من ناحية أخري.
ويستطرد <<فريدمان>>
قائلاً: <<إذا كانت هذه هي الطلقة الأولي في الحرب العالمية الثالثة، فربما
تكون الأخيرة من حيث استخدامها للأسلحة التقليدية (وليس الأسلحة النووية)>>.
إذن هي حرب من نوع جديد تقع في مساحة وسيطة ما بين الحرب <<الباردة>>
و الحرب <<الساخنة>>، ويستخدم فيها <<الذكاء>>
و<<الذكاء المضاد>>، والتكنولوجيا الأميركية المتطورة والتكنولوجيا
المضادة المبتكرة. ذلك أن ثورة التكنولوجيا الحديثة في مجال المعلومات والاتصالات
قامت بفتوح هامة دخلت الي كافة الساحات، بما في ذلك عالم <<التمرد>>،
الذي استفاد هو الآخر من خلال <<المنظومات الشبكية>> التي تصل بين
<<الكتل المتمردة>> عبر الأوطان والقارات وتجمع المطحونين والناقمين
والساخطين والتائهين (راجع: مقال محمد حسنين هيكل، مجلة وجهات نظر، العدد 33،
أكتوبر/ تشرين الأول 1002، ص7).
ويشير الأستاذ <<محمد حسنين
هيكل>> في مقال نشر له الي أن تقارير أميركية تحدثت عن ضرورة التحوط ضد
بدايات نوع جديد من الحرب، أطلق عليها <<الحرب غير المتماثلة>>(Asymmetrical War). تلك
الحروب التي سوف يستخدم فيها وسائل مستحدثة وتكتيكات غير تقليدية مبتكرة، تخرج
تماماً عن <<دائرة المعهود>>، بدءاً من الاستراتيجية الي التخطيط الي
العمليات. وبأساليب تفوق ما تزخر به أعمال <<الخيال العلمي>> (Science fiction) بمعني أنه
أصبح ممكناً ما كان يعتبر الي عهد قريب من المستحيلات أو ضرباً من الجنون!
ولعل أهم ما يميز هذا النوع من الحروب،
هو أن الذين يشنون هذا النوع من الحرب مستعدون لأعلي درجة من المخاطرة <<لأن
الخسارة بالنسبة إليهم في الحالتين واحدة. وبالتالي فإن أعلي المخاطر تتساوي عندهم
مع أقلها>>. (هيكل: ص 8).
ويشير ألفريد توفلر في مؤلفه الهام The Power Shift 0991، الي أن
هناك مصادر ثلاثة للتغير في السلطة، هي:
1 العنف المسلح: وفقاً للمقولة الشهيرة
أن <<السلطة تنبع من فوهة البندقية>>، بدءاً من الكاوبوي (رعاة البقر
في أميركا) وانتهاء بأعلي أنواع <<العنف>> التي عرفتها
<<الحروب>> و<<الثروات>>.
2 المال: حيث إن سطوة المال تنتج في
شراء النفوذ والمواقع.
3 المعرفة: لأن <<المعرفة هي
ذاتها سلطة>>، وفقاً لمقولة شهيرة للعالم الكبير فرانسيس بيكون.
ولكي تنتصر <<المعرفة>>
لابد لها أن تتحالف مع <<العنف>> أو <<المال>>، أو
كليهما. إذ إن هناك علاقات <<تغذية عكسية>> بين العناصر الثلاثة. بيد
أن ارتفاع مكون <<المعرفة والمعلومات>> في خطط قوي التمرد الجديدة،
يعتبر عنصراً جديداً هاماً وفاعلاً، يضاف الي ذلك عنصر <<الاستشهاد>>
أو <<الانتحار>>. وعندئذ تصبح المعادلة الجديدة:
(المعرفة والتكنولوجيا العالية العنف
المسلح الاستعداد للاستشهاد (أو الانتحار) معادلة جديدة صعبة الكسر.
وهكذا سوف نجد تدريجياً أن
<<طلقات الذكاء التكنولوجي>> تحل تدريجياً محل <<طلقات الرصاص
والمدافع والصواريخ>>. فالأسلحة الجديدة، وفقاً للمعادلة السابقة، هي أخف
حملاً وأسهل في المناورة والتمويه والتكتيك، وأكثر قدرة علي المباغتة. ولذا فقد
تكون أكثر فاعلية من <<قوة النيران التقليدية>> المنطلقة من فوهات
المدافع وقاذفات القنابل.
ولا غرو أن إحدي جلسات <<مؤتمر
دافوس>>، منذ عامين، كان عنوانها: <<طلقات الرصاص>> (Bullets) مقابل
<<طلقات المعلوماتية>> و<<البرمجيات>> .(Bites)
يشير ويليام بيري في مؤلفه الهام: <<الدفاع
الوقائي: استراتيجية أميركية جديدة للأمن>> (9991) الي أن
<<الإرهاب>> تحول بصورة مطردة الي شاغل رئيسي من شواغل الأمن في
الولايات المتحدة. وهذا الكتاب له أهمية بالغة لأنه يعرض للمعالم العامة
لاستراتيجية دفاعية وقائية جديدة ترمي الي تحديد مخاطر <<ما بعد الحرب
الباردة>>، التي قد تتحول الي تهديدات واسعة للأمن الأميركي، وكذا وسائل
تجنبها في القرن الحادي والعشرين. ولعل أهم ما يتعرض له الكتاب:
أ كيفية السيطرة علي التركة النووية
للكتلة الاشتراكية السابقة.
ب وسائل الحيلولة دون نمو الصين في
اتجاه العداء بدلاً من التعاون.
ج الطريقة المثلي لمنع انتشار وسائل
الدمار الشامل.
د التصدي لأعمال <<الإرهاب
المدمر>>.
ومؤلفا الكتاب هما ويليام بيري، وزير
الدفاع الأميركي الأسبق، وأستاذ بكلية الهندسة بجامعة ستانفورد وزميل بمعهد
الدراسات الدولية بها، و<<أشترون كارتر>> مساعد وزير الدفاع الأسبق
لسياسات الأمن الدولي، وأستاذ ومدير سابق لمركز العلوم والشؤون الدولية بمدرسة جون
كيندي بجامعة هارفرد. وقد ألفا عدداً كبيراً من الكتب، وهما يشتركان في إدارة
<<مشروع ستانفورد هارفرد للدفاع الوقائي>>.
ويرجع المؤلفان بداية الاهتمام الجاد بما
يسمي <<الإرهاب المدمر>> الي يوم 26 يونيو/ حزيران 1969، حين قامت
مجموعة إرهابية بتفجير سيارة كبيرة الحجم علي بعد بضع مئات الأقدام من ثكنات أبراج
الخُبر في المقاطعة الشرقية بالمملكة العربية السعودية، التي كان يقيم بها رجال
الطيران الأميركي الذين يقومون بتنفيذ منطقة حظر الطيران في جنوبي العراق. وقد قتل
في هذا الهجوم 19 عسكرياً أميركياً (ص 137 من الترجمة العربية).
ويشير ويليام بيري في مؤلفه الصادر في
نهاية التسعينيات: (إذا كانت استراتيجية الإرهابيين هي القيام بهجمات تزداد خطورة
باستمرار، فإن الهجمات المقبلة يمكن أن تكون أشد خطورة لو تمكن الإرهابيون من
الحصول علي <<غاز الأعصاب>> أو <<ميكروب الجمرة الخبيثة>>
أو علي <<سلاح نووي>> ). (ص 137 ص138 من الترجمة العربية).
ويضيف في موقع آخر الي أن هناك مكامن
للخطر من داخل الولايات المتحدة، إذ يقول: <<كما أن <<الميليشيات>>
الأميركية وغيرها من الجماعات <<المجاهدة>> قد تطمح الي استخدام العنف
علي نطاق واسع. وفي نفس الوقت أخذت أدوات الدمار الشامل تسقط تدريجياً في يد
جماعات أصغر فأصغر، مما جعل رصدها أصعب فأصعب>> (ص 138، من الترجمة
العربية).
وفي محاولة هامة للاقتراب من جوهر القضية،
يقول <<ويليام بيري>> إن: <<الإرهاب المدمر يختلف عن تفجير
القنابل، وأخذ الرهائن، واختطاف الطائرات. فهذا <<الإرهاب الجديد>>
ينقل الي مستوي مرتفع، درجة التدمير الناشئة عن تفجيرات أوكلاهوما سيتي، أو
تفجيرات مركز التجارة العالمي (عام 3991)، أو ما فعلته فئة <<أوم
شينريكيو>> التي نشرت <<غاز الأعصاب>> في مترو طوكيو، أو الهجوم
علي <<أبراج الخُبر>> التي كان يقيم بها الطيارون الأميركيون في
المملكة العربية السعودية. فالإرهاب المدمر ينطوي علي إتلاف للأرواح والممتلكات
لأحجام أشد قسوة لم تعرف من قبل خارج نطاق العمليات الحربية>> (ص 142 من
الترجمة العربية).
ويكاد يتنبأ <<ويليام
بيري>> بما حدث يوم <<الحادي عشر>> من سبتمبر/ أيلول عام 2001،
إذ يقول: <<نحن لا نعرف أين سيقع الهجوم الأول من هذا النوع فوق الأراضي
الأميركية، ولا نعرف متي يقع؟ ولكن ما نعرفه هو أننا نريد أن نصيب هذه المحاولة
بالفشل، إذا أمكن، وإذا لم نتمكن من ذلك نريد أن تكون الخسائر في الأرواح الناتجة
عن الهجوم أقل ما يمكن>>. (ص 141 من الترجمة العربية).
ويعترف <<بيري>>، في موقع
آخر، أن <<مرتكبي الأحداث يمكن أن يكونوا أميركيين أو أجانب، يعملون في نطاق
الولاية أو النطاق المحلي، أو أن يكونوا مزيجاً معقداً من هؤلاء وهؤلاء. وقد تكون
الدوافع داخلية أو دولية، أو كليهما في وقت واحد. ولذا فإن هذا الخطر له طابع عابر
للقوميات حقاً، وذلك عنصر آخر يجعل الإرهاب المدمر شكلاً جديداً ومختلفاً من أشكال
مخاطر الأمن القومية والدولية>> (ص 143 من الترجمة العربية).
وتصل النبوءة الي كامل مداها، عندما
يقول <<وليم بيري>> بالحرف الواحد: <<وكما حدث في حالة الهجوم
علي <<بيرل هاربر>>، فإن حادثة من أحداث الإرهاب المدمر سوف تفصل بين
ماضينا ومستقبلنا حيث نقول <<قبل>> و<<بعد>>. والجهد
والموارد التي خصصناها حتي الآن لتجنب هذا الخطر أو احتوائه في الوقت الحالي، في
فترة <<ما قبل>> لن تكون كافية علي الإطلاق عندما ننظر إليها بعد وقوع
حادثة من حوادث الإرهاب المدمر>>! (ص 144 من الترجمة العربية).
ويوصي <<بيري>> ببذل جهد
متزايد لمقاومة أساليب <<الإرهاب المدمر>>، علي غرار ما جري في سنوات
الخمسينيات، عندما أنشئت مؤسسات مثل راند (Rand corporation) للتعامل مع القضايا الفكرية التي
أثارها الخطر الجديد المتمثل في تصاعد القوة العسكرية السوفياتية وما رافقها من
انفجار في التكنولوجيا العسكرية الجديدة (ص 146 من الترجمة العربية).
ولكن مما يزيد من صعوبة الأمر وتعقيد
الموقف في حالة ما يسميه <<الإرهاب المدمر>>، هو أن <<مهمة
المخابرات المناظرة بشأن الإرهاب المدمر تزداد صعوبة بسبب احتمال مشاركة عناصر
ليست دولاً (بما في ذلك عناصر داخلية) وصنع أسلحة بصورة مستترة، ونشر الأسلحة
بصورة غير تقليدية. إذ إنه في الهجمات الحديثة يجري نقل الأسلحة وإطلاقها بوسائل
إلكترونية بالكامل، مما يزيد من صعوبة مهمتي جمع المعلومات والإنذار>> (ص
150 من الترجمة العربية).
ففي عقود الخمسينيات والستينيات
والسبعينيات كانت وزارة الدفاع الأميركية هي الداعم الرئيسي للبحوث والتنمية
لصناعات الكمبيوتر، والاتصالات وأشباه الموصِّلات. بل إن بعض أهم أشكال التفوق
التقني الرئيسية في هذه المجالات تم تطويرها أولاً من أجل المنظومات العسكرية:
أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة، والأقمار الصناعية ذات الوضع الثابت بالنسبة للأرض،
وشبكات الكمبيوتر، والدوائر المتكاملة، تم تطويرها كلها أولاً من أجل البرامج
العسكرية. ولذا فإن جانباً كبيراً من تطور وتوسع الصناعة التجارية في الولايات
المتحدة كان يركب علي أكتاف وزارة الدفاع (ص 181 من الترجمة العربية).
كما يفصح <<ويليام بيري>>
عن تشكيل ما يسمي <<القوة 21>>، التي تعمل في مجال المعارك الرقمية (Digital Battles) في القرن
الحادي والعشرين.
يري ويليام بيري>> أن الرد علي
هذا الخطر الجديد والمفزع الذي يتهدد الولايات المتحدة الأميركية، يضع صانع القرار
الأميركي في مأزق؛ إذ كيف يمكن مقاومة هذا الخطر، دون المساس <<بالحقوق
المدنية>> التي أقرها في البداية <<قانون الحقوق>> Bill of Rights، التي
تأكدت واتسع نطاقها علي امتداد أكثر من قرنين من الزمان. إذ <<لا يجوز لنا
أن نسمح لتكنولوجيا التدمير أن تقضي عليها >> (ص 141 من الترجمة العربية).
وتلك نقطة هامة تشير الي طبيعة الأزمة
الراهنة التي يعيشها <<صانع القرار>> في الولايات المتحدة، حول
التناقض القائم بين التوسع في إجراءات مقاومة الإرهاب، من ناحية، ومحاولة الحفاظ
في نفس الوقت علي التوازن الأميركي التقليدي بين حماية الحرية والخصوصية، من ناحية
أخري. فلقد بدأنا نشهد أن الإجراءات الوقائية والأمنية الأخيرة في الولايات
المتحدة وأوروبا تتضمن الاعتداء علي كثير من الحريات والحقوق المدنية.
فعلي صعيد الحريات العامة والمدنية،
يلوح في الأفق طيف من أطياف <<المكارثية الجديدة>>، حيث تتحكم أجهزة
الأمن في كل صغيرة وكبيرة، ولن تكتفي أجهزة الأمن بمجرد تفتيش الملابس والحقائب،
بل سوف تعمل علي تفتيش العقول والضمائر، وما هو داخل <<السرائر>>.
ومن ناحية أخري، فإن أدوات الهيمنة
الأميركية الحالية، علي الصعيدين الاقتصادي والتكنولوجي، سوف تتآكل تدريجياً، خلال
الأعوام المقبلة. وسيكون ذلك نتيجة تعرض الولايات المتحدة لتراجع في الأداء
التكنولوجي، وانكسار موجة الإنفاق المفرط علي <<تكنولوجيا المعلومات>>
(IT)، التي
سادت خلال حقبة التسعينيات، وكانت وراء الرواج والازدهار في الاقتصاد والمجتمع
الأميركي خلال الفترة: 1990 1991، وهناك تقارير تشير الي أنه بحلول عام 2005، لن
يتعدي تأثير الإنترنت علي الأداء الاقتصادي العالمي ما أحدثه تأثير استخدام
<<آلة الفاكس>> في الماضي.
وفي مقال هام كتبه <<فرانسيس
فوكوياما>> صاحب نظرية <<نهاية التاريخ>>، المأسوف علي شبابها
في أعقاب أحداث <<الحادي عشر من سبتمبر>> أشار الي أن هناك تناقضاً
هاماً يحكم المجتمع الأميركي ازدادت حدته خلال حقبة التسعينيات. إذ يقول:
<<شهد عقد التسعينيات اتساع الهوة الاقتصادية والاجتماعية بين كبار
المستثمرين المتعلمين في جامعتي هارفرد وستانفورد والمحامين ومهندسي برامج
الكمبيوتر الذين كانوا يعملون في البرجين وبين أصحاب الياقات الزرقاء الذين توجهوا
لإنقاذهم>> (راجع: جريدة <<الفاينانشيال تايمز>> بتاريخ
19/9/2001).
كذلك أشار في نفس المقال الي أن
<<أعداء أميركا قد طوروا ولأول مرة من قدراتهم التي تمكنهم من الوصول الي
الأميركيين مباشرة كرد فعل للسياسة الأميركية. وهذا يعني بالطبع أن الانعزالية لم
تعد اختياراً، لكنها أوجدت نوعاً من الردع سيجعل الولايات المتحدة ولأول مرة تفكر
في الخسائر المباشرة الناجمة عن سياساتها وإن كان هذا لن يقيد تحركات الولايات
المتحدة في النهاية، لكنه سيفرض عليها سياسة واقعية في تعاملها مع العالم
الخارجي>>.
ويختتم <<فوكوياما>> مقاله
الهام بقوله: <<وربما تصبح الولايات المتحدة دولة عادية من حيث وجود مصالح
محددة لها، وبأن تصبح معرضة شأنها شأن أي دولة أخري للاعتداء بدلاً من أن تظل
تعتقد أنها تستطيع بمقدرتها المنفردة أن تشكل طبيعة العالم الذي تعيش فيه>>.
وبالتالي سوف نشهد <<نهاية الاستثناء الأميركي>>.
ولعل <<المأزق الحقيقي>>
الذي يواجه العالم اليوم، يتمثل بانفراد الولايات المتحدة بقيادة النظام العالمي
بشقيه السياسي والعسكري. وتلك مسؤولية تاريخية كبري تضع الولايات المتحدة في
امتحان عسير. إذ إن الإدارة الأميركية وهي تمسك بعجلة القيادة، عليها أيضاً أن
تعرف كيف تستخدم <<الفرامل>>، وأن تعرف كيف يمكن التهدئة في المنحدرات
والمنعطفات، حفاظاً علي الأمن والسلم العالميين. وذلك لأن شؤون العالم يجب أن
تُدار بأسلوب يراعي التوازن بين مصالح وطموحات كل شعوب ومناطق العالم، وليس فقط من
منظور الرؤية الضيقة والأنانية لمصالح المركب <<المالي العسكري>> في
الولايات المتحدة الأميركية! وبعيداً عن <<سياسة الإملاء>> والغطرسة،
التي بلغت ذروتها في مؤتمر ديربان المناهض للعنصرية.
ولهذا فإن كل التداعيات المستقبلية،
خلال الحقبة الافتتاحية للقرن الحادي والعشرين، سوف تتوقف علي مدي الحكمة (أو مدي
الحماقة) التي سوف تتصرف بها الإدارة الأميركية الراهنة، في التعامل مع تعقيدات
الموقف العالمي الراهن. إذ إن اختصار واختزال كل مشاكل العالم الي <<مشكلة
الإرهاب>> (بتعريفاته المطاطة)، وإلي تأديب ما يطلق عليهم في العرف الأميركي
تعبير <<الدول المارقة>>، سوف يجر دول العالم الي طريق مسدود. إذ إنه
بدون طرح حلول جادة وفعالة لإصلاح النظام الاقتصادي والمالي الجديد المعوْلم،
وجعله أكثر عدالة وتوازناً، فإن جذور العنف ستظل قائمة.
المطلوب إذن هو إِعمال <<العقل
الاستراتيجي>> الأميركي المستنير، وليس الاحتكام الي مجرد القوة والعضلات.
فعندما يكون <<الجسد>> أكبر من <<العقل>>، تحدث كوارث
كثيرة. ولعل الكل يتذكر أنه أثناء <<الحرب الكورية>> كان هناك أمام
القيادة الأميركية خيارات صعبة، وعلي رأسها استخدام القوة العسكرية الأميركية لغزو
<<الصين الشيوعية>> للقضاء علي مصادر التهديد الرئيسية للقوات
الأميركية، من حيث التسليح والإمدادات وقواعد التدريب، كما أوصي بذلك بعض كبار
الجنرالات العسكريين. وتغلبت الحكمة السياسية للرئيس الأميركي آنذاك بعدم الخضوع
لهذا المنطق، حتي لا تقع الولايات المتحدة الخارجة منتصرة من الحرب العالمية
الثانية في <<مستنقع جديد>>، مثلما وقعت جيوش نابليون في المستنقع
<<الروسي>>.
إن الأمر إذن يحتاج لمراجعة واسعة
للسياسة الخارجية الأميركية وممارساتها خلال التسعينيات، حتي نستطيع أن نحقق
توازناً في المصالح لكل دول العالم (المتقدم والنامي)، وبين عنصري الإنتاج: رأس
المال والعمل في إطار مسيرة العولمة. إذ إن ازدهار ونمو الاقتصاد الأميركي، لن يتم
من خلال سياسات <<العصا الغليظة>>. إذ إن المطلوب هو إيقاف العمل
بمبدأ <<القوة فوق الحق>> الذي تمارسه الإدارة الأميركية، واستبداله
بمبدأ <<الحق فوق القوة>>، حفاظاً علي السلم والاستقرار العالميين.