شارون يطلق أيادي جيشه ويسعى لكسر الرأس الفلسطينية من أجل "تليينها"

الفلسطينيون يئسوا من الأنظمة العربية ومن

المجتمع الدولي وتوحدوا خلف المقاومة

 

لندن - من نور الدين العويديدي

 

إسرائيل في حرب.. إنها في حرب حقيقية, تستخدم فيها دولة الاحتلال مختلف تشكيلات أسلحتها.. طائرات "أف 15" و"أف 16" الأمريكية الصنع.. مروحيات "الأباتشي" الأمريكية أيضا.. دبابات وصواريخ ومدافع ورشاشات ثقيلة, كلها تطلق النار باتجاه صدور الفلسطينيين, لكن هذا الشعب الذي خلق من طينة سُبكت بالعناد والمقاومة, يرفض أن يحني هامته, ويفضل أن يموت واقفا.

قوات الاحتلال تنشر الخراب والدمار في كل مكان تحل به.. الدبابات تدمر الطرق, وتقصف المباني, وتتلف شبكات الماء والكهرباء والهاتف.. إنها تستهدف بصفة خاصة مقرات الأمن الفلسطيني, التي تطلب منها حماية المستوطنين, واعتقال المقاومين الفلسطينيين, من أجل أن يتمتع الإسرائيليون بالأمن.. وحتى طائرات الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات جرى قصفها بالصواريخ والقذائف وتدميرها, ومطار غزة جرى احتلاله مجددا وتدمير منشآته.

محللون فلسطينيون قالوا إن رئيس الوزراء الإسرائيلي آرائيل شارون هو اليوم مثل ثور أهوج, يحطم كل ما يليه, ويستخدم أعتى ما لديه من سلاح.. أما شارون فقد أعلن أن السلطة الفلسطينية كيان إرهابي, وأن جيشه سوف يعمل لاستئصال الإرهاب الفلسطيني, وفضّل أن يبدأ بمؤسسات السلطة الفلسطينية ومؤسسات قوات الأمن, التي لم تقم على أمنه بما يكفي, ولم تبد من الجدية ما يقنع بأنها تحارب الإرهاب الفلسطيني, وتعتقل مدبري الهجمات على الدولة العبرية.

قوات الاحتلال تشدد حصارها على المدن والقرى والبلدات الفلسطينية, وتعزل بعضها عن بعض, في كانتونات معزولة ومحاصرة, تذكر بمجد دولة الميز العنصري المقبور في جنوب إفريقيا.. مؤسسات اقتصادية فلسطينية تنهار, وتناقص حاد في الغذاء وكثير من السلع الاستهلاكية.. والفلسطينيون يجوعون في رمضان, الذي تتخم فيه موائد المسلمين والعرب في كل مكان.

شارون المسلح بالتأييد الأمريكي المطلق, يلعب ورقته الأخيرة.. ينزل معظم تشكيلات جيشه إلى أرض المعركة, ويطلب منها بصرامة أن تقتل أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين, وتستجيب مروحيات الأباتشي, التي قدمتها الإدارة الأمريكية لرعاية حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة, للطلب الشاروني, وتطلق العنان لرشاشتها الثقيلة, للقيام على المهمة أحسن قيام, ولا يهم بعد ذلك إن كان القتلى أطفالا أو نساء أو شيوخا أو مقاومين فلسطينيين.. المهم أن يكون الدم المسفوح فلسطينيا, أما ما سوى ذلك فتفاصيل لا يعبأ شارون بها كثيرا.

شارون الذي وعد بوقف الانتفاضة خلال مائة يوم, وأخفق في الوفاء بوعده رغم مرور 8 أشهر على توليه السلطة, يريد اليوم أن يجرب آخر ما في جعبته من أوراق.. لابد من استخدام القوة إلى أقصى حد ممكن.. لا بد من تليين رؤوس الفلسطينيين بالترهيب والتخويف, وليس في جعبته ترغيب, أما إن استحال ذلك لعناد قبيح في جينة الفلسطيني, فلا بد أن يتم كسر تلك الرؤوس وتحطيمها, ومن ثم تليينها وإقناعها بالمطلوب.

 

شارون حمى الفلسطينيين من الانقسام

لكن هذه السياسة الشارونية, التي تخوض في الدم, وتعتمده خيارا استراتيجيا لتحقيق المطالب, وفرض الإملاءات, لا يبدو أنها ستؤدي إلى تحقيق المطلوب. فالشارع الفلسطيني, الذي كان على شفا هاوية الانقسام, بسبب الاعتقالات الواسعة, التي قامت بها السلطة الفلسطينية في صفوف قوى المقاومة, وخاصة منها الإسلامية, لمحاولة تجنب رد الفعل الشاروني الأهوج, يبدو اليوم أكثر تماسكا, ولن يكون بمقدور السلطة الفلسطينية أن تعتقل المزيد من المقاومين الفلسطينيين, حتى لو أرادت, وهو ما من شأنه أن يعيد بناء اللحمة الفلسطينية من جديد, ويرجعها إلى سابق عهدها, بعد أن مرت بامتحان عسير, أنقذها منه شارون, بإقدامه على عمله العسكري الواسع.

الشعب الفلسطيني يستعيد إجماعه مجددا على خيار المقاومة, والفضائيات العربية تنقل تصريحات الفلسطينيين البسطاء, يناشدون فيها الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بالصريح والمباشر, ومن دون لف السياسيين ودورانهم, وهو الأمر الذي لا يتقنه المواطن البسيط, أن يعطي إذنه بتسليح حركات المقاومة من "حماس" إلى "الجهاد الإسلامي" إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إلى "فتح" حتى تقوم بواجبها في رد العدوان..

أحد الفلسطينيين قال غاضبا ومشحونا بالتحدي.. ماذا بعد الموت؟ إن الإسرائيليين يسلطون علينا ترسانة أسلحتهم, فلم لا نستخدم ما لدينا من سلاح, نمد به المقاومين ونطلق أيديهم, ليردوا عنا غائلة العدوان.

هذا آخر ما كان يتوقعه شارون.. إنه يبذر الريح ليحصد العاصفة. أراد ترهيب الفلسطينيين وتخويفهم, لكن رد فعلهم المباشر والتلقائي البسيط, كان على عكس ما تشتهي رياح شارون.. إنها تأتي في اتجاه الدعوة إلى دعم المقاومة وتسليحها, وقبل ذلك وقف الاعتقالات في صفوف أبنائها.

الفلسطينيون لا يبدو أنهم يعولون كثيرا على الرسميات العربية, التي لا تستخدم جيوشها إلا في الاستعراضات العسكرية المنمقة, أو في قهر شعوبها, بحسب ما يردد الكثير من المحللين العرب, وما يلهج به رجل الشارع العادي اليوم في معظم البلاد العربية.. فوزراء الخارجية العرب لن يلتقوا في اجتماع "طارئ وعاجل جدا" قبل يوم الأحد القادم..

شارون قطع زيارته إلى واشنطن, وبكّر لقاءه مع الرئيس الأمريكي جورج بوش, حتى يعود إلى تل أبيب سريعا, من أجل قيادة الآلة العسكرية والسياسية الإسرائيلية التي تطحن لحم الفلسطينيين وتفرمه فرما, أما وزراء خارجية الدول العربية, فلن يلتقوا قبل 5 أو 6 أيام, يمكن أن يفنى فيها الكون, كما يمكن أن يباد فيها الفلسطينيون عن بكرة أبيهم.. ساعتها يمكن لوزراء الخارجية العرب تلاوة الفاتحة على أرواح الشهداء, ويعودوا "فرحين مسرورين", كما يقول طلاب المدارس الابتدائية.

 

المواقف العربية والدولية

في مقابل تأخر الرد العربي, كان الرد الأمريكي سريعا وواضحا هذه المرة: لإسرائيل الحق في قتل الشعب الفلسطيني دفاعا عن نفسها. أما الرد الأوروبي فمجبول بالغموض والتردد والحسابات والتوازنات, في حين اختارت بريطانيا, التي تتحمل مسؤولية خاصة في إنشاء الدولة العبرية على أرض فلسطين, أن تتبع كعادتها الموقف الأمريكي, وتسير معه حذو النعل بالنعل.

الفلسطينيون البسطاء, الذين بدأ اليأس يغلب عليهم من أن تأتيهم جيوش العرب منقذة, صاروا يدركون أن المجتمع الدولي, الذي لا يكفّ قادة السلطة الفلسطينية على الاستنجاد به في كل ملمة ونازلة, ويحملونه مسؤولية الحركة للجم عدوان الاحتلال عليهم, إنما هو كائن أعور, لا يرى إلا بالعين الإسرائيلية, التي ترى القتلى الإسرائيليين, أما عينه الثانية, التي يمكن أن ترى الضحايا الفلسطينيين وعذاباتهم ومعاناتهم ومحارقهم, التي يشعلها فيهم الناجون من محارق النازية, فقد فُقئت من زمن بعيد, لأنها عين الأخلاق, التي لا يعرف هذا العالم لها معنى..

إنه عالم يعشق القوة ويعبدها, ولا مكان في هذا العالم للفلسطينيين والعرب, إن ظلوا هكذا ضعفاء.. وهكذا تستمر تل أبيب في حربها, مسخرة معظم تشكيلات جيشها, ومختلف أنواع ترسانتها من السلاح, مسددة إياها إلى صدور الفلسطينيين.. أما الفلسطينيون فليس لهم من خيار سوى مواصلة المقاومة حتى حين, وسد الثغرة التي هم عليها, حتى لا ينفلت الطوفان منها, فيجرف جيوش العرب الغارقة في الاستعراضات البهلوانية.