فلسطين والعراق ومبادرة الأمير عبد الله
بقلم : د. محمد صالح المسفر
مصائب العالم العربي ومصاعبه تتزايد وتتناسخ بعض هذا من
فعل قيادات سياسية والبعض الآخر من فعل قيادات فكرية ودينية، فمثلا تقرأ في
الصحافة العبرية ـ المترجمة ـ أن مسؤولا فلسطينيا أكد وعدا لقيادات صهيونية
بالعثور علي شخصية دينية بارزة تفتي بتحريم استمرار الانتفاضة هاآرتس عدد 12/2 تلك
الشخصية الفلسطينية (سري نسيبه) والمكلفة بملف القدس، قد دعا إلي تخلي اللاجئين
(4.5 مليون نسمة) عن حقهم في العودة إلي أرضهم التي طردوا منها عام 1948م.
ان أحد قادة العمل الفلسطيني وجوقته اصدر إدانة جميع
أعمال المقاومة ووصف الانتفاضة بالإرهاب الذي يجب محاربته. الأعظم من ذلك أن فقهاء
السلطة العربية والسلطان أفتوا بتحريم العمليات الإستشهادية ضد العدو ووصفوها
بالعمليات الإرهابية تارة وتارة أخري بالعمليات الانتحارية، وجدّ العملاء في
اقتفاء اثر الناشطين في العمل الوطني الجهادي الفلسطيني وتزويد السلطات الصهيونية
بمعلومات عن تحركات وأماكن تواجد هؤلاء الناشطين لاقتناصهم واغتيالهم أو اختطافهم،
وعلي الرغم من كل تلك المعوقات والمصائب إلا أن العمل الوطني الفلسطيني أخذ في
التصاعد، وازدادت حدته إلي الحد الذي بدأ يهز المجتمع الصهيوني، وراحت كبريات
الصحف العبرية تطرح تساؤلات علي السياسيين والأكاديميين الصهاينة منها هل من
مستقبل لهذه الدولة؟ ـ يعني دولة إسرائيل ـ وتساءلت صحف أخري يديعوت احرونوت
مقالات عديدة تحت عنوان أيام سوداء ما العمل؟
.
بفعل الانتفاضة المباركة رفض ضباط وجنود احتياط، الخدمة
العسكرية في الضفة الغربية والقطاع. وراح ما يزيد عن ألف شخص من كبار ضباط
وجنرالات الجيش الإسرائيلي المتقاعدين يطالبون حكومتهم الشارونية بالانسحاب الكامل
من الضفة والقطاع من جانب واحد والاعتراف بالدولة الفلسطينية.
وفي تقرير للبنك المركزي الإسرائيلي أعلن أن إسرائيل
خسرت بفعل الانتفاضة ما يعادل 8.2 مليار دولار وان عجز الميزانية تضخم بسبب زيادة
النفقات العسكرية التي اقتضتها نفقات قمع الانتفاضة، ناهيك عن تزايد الهجرة
المضادة إلي الخارج واختصار ساعات الدراسة في المعاهد والمدارس وتزايد إعلانات بيع
ممتلكات في بقع المستوطنات في كل من الضفة والقطاع نظرا لهجرة سكانها إما إلي داخل
فلسطين المحتلة عام 1948م أو إلي خارج الكيان الصهيوني برمته.
في ظل هذه الحالة التي يمر بها الكيان -تزايد عدد القتلي
وانتشار ظاهرة الأمراض النفسية بين المدنيين والعسكريين علي السواء وتدهور الحالة
الاقتصادية وانهيار الروح المعنوية للكثيرين من العاملين في صفوف الجيش الإسرائيلي
وانعدام الأمن وتزايد الهجرة إلي الخارج وتراجع منقطع النظير لمعدلات الاستثمار في
كل المجالات.
في هذه الظروف تأتي مبادرة الأمير عبد الله آل سعود ولي
عهد المملكة العربية السعودية ومضمونها انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة
عام 1967م وقيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس مقابل اعتراف وتطبيع عربي كامل
مع دولة إسرائيل، ويعتبر حضور الرئيس العربي ياسر عرفات ـ المحتجز في رام الله من
قبل القوات الإسرائيلية ـ مؤتمر القمة المقرر انعقاده في بيروت أواخر الشهر الحالي
مؤشرا لقبول إسرائيل للمبادرة السعودية.
والحق أن لكل صاحب مصلحة رأيا في هذه المبادرة ويحاول كل
قادر الدفع بها أو جرها إلي حيث يري تحقيقا لمصالحة البعض اتفاقا مع المبادرة
والبعض نفاقا لأصحابها وحلفائهم، البعض تثبيطا والبعض توريطا والبعض حبا والبعض
حربا.
يجري كل هذا والمجتمع الصهيوني يعيش حالة ارتباك لا
سابقة لها في تاريخ هذا الكيان العنصري المستورد، وراحت قيادات هذا المجتمع
المرتبك تمعن في عدوانها وشراستها ضد المدنيين الفلسطينيين العزل والقابعين في
مخيمات البؤس في الضفة والقطاع والعالم العربي مشغول بمبادرة الأمير عبد الله. ولم
تلق إسرائيل للمبادرة أي اهتمام بل استشرست واحتلت مخيمات البؤس الفلسطيني ودمرت
واختطفت واغتالت العديد من المواطنين العزل.
لقد أخذ الكيان الصهيوني يروض المبادرة السعودية لصالحه
داخليا وخارجيا، وأمعنوا في القول بأن العرب لا يفهمون إلا منطق القوة وكلما زاد
العنف الصهيوني ضد العرب كلما بادروا إلي تنازلات لصالح الكيان وراح القادة
الصهاينة يتوزعون الأدوار، البعض طلب زيارة الرياض لإجراء مزيد من المفاوضات حول تلك
المبادرة والبعض الآخر يوجه دعوة لسمو الأمير عبد الله لزيارة إسرائيل والبعض طلب
الاجتماع سرا أو علانية مع قيادات سعودية وراح آخرون يقللون ويشككون في أهمية
المبادرة وجديتها، كل ذلك بهدف الابتزاز، وكان أول بنود الابتزاز عدم ذكر قضية
اللاجئين الفلسطينيين وعودتهم إلي أوطانهم التي ترفضها إسرائيل رفضا قاطعا.
أوروبا رحبت بالمبادرة علي لسان الممثل الأعلي لسياسة
الاتحاد الأوروبي السيد سولانا الذي زار عددا من العواصم العربية ـ القاهرة عمان
الرياض ورام الله ـ علي اثر إعلان المبادرة، الولايات المتحدة الأمريكية وإدارتها
المتوحشة ضد العرب كان رد فعلها في بادئ الأمر باردا كبرودة مناخ ولاية واشنطن
العاصمة هذه الأيام، لكنها بدأت تدب فيها الحرارة ولكن لصالح إسرائيل، إذ أنها
تريد معرفة حدود الدولة الفلسطينية ومسألة اللاجئين، بمعني آخر إنها تقف في الصف
الذي ستقف فيه إسرائيل من هاتين القضيتين والثالثة المستوطنات. أتمني من كل قلبي
أن لا يتنازل العرب قيد أنملة في هذه الأمور الثلاثة وإلا فلن يبقي لهم باقية.
ہ ہ ہ
إعلام الأزمات، انشغل واشغل العالم بالمبادرة السعودية
في الوقت الذي تصاعدت فيه أعمال الإرهاب الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني، وتوافد
البعض من محللي المخابرات الأمريكية إلي شمال العراق لإعداد العدة وتحضير الرأي
العام في كردستان لهجوم أمريكي علي العراق لإسقاط النظام السياسي في بغداد.
وتوافدت قوي الشر إلي الكويت ـ قوات ألمانية قوات تشيكية قوات بريطانية قوات
أمريكية... استعدادا وتحضيرا لعدوان سافر علي العراق الشقيق من ارض دولة شقيقة.
لقد تزامن هذا الحشد مع المؤتمر الذي سيعقده في النصف
الثاني من اذار (مارس) الحالي في واشنطن ما يقارب 200 ضابط عراقي فارين من العراق
إلي أمريكا تحت اغراءات أمريكية لهم بالمال والجاه والسلطان بهدف العمل مع قوات
أمريكية لإسقاط النظام في بغداد. أما مصانع بوينغ فهي تعمل علي مدار الساعة كما
يقول بذلك الأمريكان لتجهيز القنابل الضخمة الذكية والغبية المطلوبة لتدمير العراق.
والعالم العربي منشغلا بالمبادرة السعودية، راح رئيس
وزراء بريطانيا يسابق زيارة وزير خارجية العراق لاجتماعه المقرر في السابع من هذا
الشهر مع الأمين العام في نيويورك للأمم المتحدة. لقد راح توني بلير رئيس الوزراء
البريطاني إلي نيويورك ليحرض الأمين العام ـ كوفي عنان ـ
ومساعديه للتشدد مع العراق وعدم إعطاء أي فرصة لتحسين الموقف معه، وراح الزعيم
البريطاني ـ التابع ـ بلير، يعلن بثقة بأن العراق ما برح يصنع أسلحة محرمة دوليا.
وحسنا فعل العراق عندما أعلن عن ترحيبه باستقبال بعثة بريطانية للكشف عن أكاذيب
رئيس وزرائه حول إنتاج السلاح المحرم دوليا في العراق.
في ظل هذه الأجواء المظلمة، كنت أتمني أن تكون مبادرة الأمير
عبد الله ولي عهد المملكة العربية السعودية تنصب علي رفع الحصار الفوري والشامل عن
العراق الشقيق ردا علي التصعيد العسكري الإسرائيلي ضد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين
وردا علي سياسة الإدارة الأمريكية المتوحشة تجـــاه العرب، أسوة بما فعل الزعماء
الأفارقة تجاه الجماهيرية الليبية عندما فرضت عليها عقوبات من قبل أمريكا.
كنت أتمني أن تكون المبادرة السعودية في شكل مقاطعة
عربية جماعية للكيان الصهيوني. كنت أتمني استدعاء السفراء العرب وكذلك سفراء الدول
الإسلامية (دول منظمة المؤتمر الإسلامي) من واشنطن وعدم عودتهم إلي واشنطن ما لم
توقف إسرائيل عدوانها علي الشعب الفلسطيني وانسحابها من كل الأراضي العربية
المحتلة عام 1967 أي تنفيذ قرارات الشرعية الدولية.كنت أتمني أن يؤجل الرئيس حسني
مبارك زيارته لواشنطن في الظروف الراهنة لأني أخاف أن يجرد مؤتمر القمة العربي
المنتظر انعقاده في بيروت من قدرته علي اتخاذ قرارات للصالح العربي، وانشغاله
بأمور جانبية حتي لا يمس القضايا الجوهرية.