المسؤول الحقيقي عن الكوارث التي تحل بمصر

 

 

 

بقلم : محمد عبدالحكم دياب

 

كان انتقاد الرئيس حسني مبارك للصحف حادا، لأنها ـ من وجهة نظره ـ المتسببة في الأزمة الاقتصادية وارتفاع سعر الدولار بجنون، وكأن الصحافيين هم الذين يحرضون صندوق النقد الدولي في إلحاحه لتعويم العملة المصرية، وكأن الصحافة هي التي دفعت بجمال مبارك في آب (أغسطس) الماضي لاقناع وزير الاقتصاد ورئيس الوزراء بتخفيض قيمة الجنيه المصري، الاقتصاد لا تقويه مقالة صحافي أو يضعفه رأي كاتب، مع أن الرئيس يعرف أن مصر مبتلاة بمسؤولين لا يعيرون الصحافة التفاتا، وذوي مناصب ورجال أعمال لم تمح أميتهم الوطنية بعد، وتكشف الأحداث الجسيمة والأزمات الشديدة التي تمر بمصر عن حوادث طرق مروعة، وغرق حافلات وسيارات وسفن في النيل والترع، وانتشار الأوبئة الفتاكة، وأزمة الأنسولين، وصولا إلي محرقة قطار الموت الذاهب إلي الصعيد مع مطلع عيد الأضحي، وكان ضحاياه بالمئات وليس بالآحاد أو العشرات، ثم سقوط منزل بدمياط علي من فيه، بينهم ثلاث فتيات كن بملابس الفرح شاء حظهن العاثر أن يكن في محل تصفيف الشعر الذي يقع أسفل المنزل.

كل هذه الحوادث المفجعة وغيرها سوف تتري، يضاف إليها أن لنا أبناء شاء حظهم العاثر ـ أيضا ـ أن يكونوا في أفغانستان قبل وبعد اندلاع الحملة الأمريكية ضدها، أبناؤنا مهما كانت جريمتهم يموتون غدرا بقرار أمريكي، يقول لا تقبضوا علي مصري ولا تأسروه بل اقتلوه ونكلوا به، ولهذا خلت قاعدة غوانتنامو في كوبا من أي مصري، والسبب أننا نعيش في ظل نظام حكم تخصص في التفريط في فلذات الأكباد والأبناء، وتنازل عن حقه في جلب أبنائه والتحقيق معهم ومحاكمتهم علي أرضه، وسياسة بهذا المستوي المتدني لا تستحـــق إلا الإدانة.

الصحافة التي اتهمت بالأزمة الاقتصادية نأمل ألا تتهم بأنها حرقت القطار، وأنها أحدثت أزمة الأنسولين، أو حرضت وزير الحرب الأمريكي علي معاملة المصريين الأفغان بهذا الشكل الوحشي، وعدم السماح بأسرهم أو القبض عليهم. فيا سادة، الذين أشعلوا النيران في الوطن هم الذين حرقوا القطار، والذين قالوا للأمريكان اقتلوا المصريين هم قتلة الشعب، والذين يكدسون الأموال ويهربونها هم سبب الأزمات، والذين فقدوا الضمير، هم الذين يتركون المباني حتي تسقط فوق رؤوس ساكنيها، والذين تفتق ذهنهم عن مشروعات لها شكل إنساني ومحتوي شيطاني هم وراء كل هذه المصائب، فانظروا كيف تفتق ذهن شيطان في كواليس السياسة الرسمية لاجهاض المشاعر المصرية تجاه الفلسطينيين، اقترح مشروع مستشفي السرطان للأطفال كحق يراد به باطل، وبدلا أن تذهب التبرعات إلي فلسطين تذهب إلي هذا المستشفي الذي يعلن عنه في كل وسائل الاعلام، حتي ما كدونالد يدفع من قيمة كل وجبة تباع في مصر نسبة معينة لهذا المشروع، فماذا يمنع أن نحرص علي صحة أطفال مصر، ولا نغلق الباب لمساعدة الفلسطينيين، ولا علي حساب مرض الكبد الوبائي الذي استشري في البلاد يقضي علي زهرة الشباب ويدمر طاقة مصر علي العمل والانتاج، مشاعر الانسان لا تتجزأ فعندما نطلب الخير لأبنائنا علينا أن نتمناه لأبناء الأشقاء، مثل هذا النهج لا يحرق قطارا فقط، يحرق أمة، وسبق وحرقت القاهرة مند خمسين عاما.

الفاعل الحقيقي هو الاستهتار والاهمال الجسيم وعدم الاكتراث، وكلها وجوه فاضحة للفساد، المهيمن علي أغلب مجالات الحياة، وهذا الفاعل الحقيقي الذي خارت قوي المجتمع في مواجهته، مدعوم بقوة السلطة، وسلطان المال، وخراب الذمم، ولا يعالجه إقالة هذا الوزير أو عزل ذاك المسؤول، الفاعل أكبر من الوزير، وأكبر من المسؤول. الفاعل منظومة كاملة تتحكم في أقدار البلاد وتوجهها حيث تشاء.

الغوص في الأعماق يكشف لنا الفاعل، والفاعل هو الطريقة التي تدار بها شؤون البلاد، ولأن السياسة هي علم وفن إدارة المجتمع، إلا أن مثل هذا العلم وذالك الفن غائب، فلا علم بدون معرفة ولا فن دون خيال، ولنبدأ بتحديد مسؤولية الوزراء. الوزير لكي يكون مسؤولا لا بد أن يكون ذا صلاحية، فلا مسؤولية بلا صلاحية، ولأن الوزير في مصر غير سياسي، ولا يزكيه تاريخه أو نشاطه السياسي أو الحزبي، فمعني هذا أنه ليس وزيرا، وأنها تسمية علي غير مسمي، وليست سوي درجة مالية لا منصبا سياسيا، يرقي إليها البيروقراطيون والفنيون والقضاة وضباط الجيش والشرطة ورجال الأعمال وأساتذة الجامعات. لهذا فوزراء مصر لا يتعدون حدود السكرتارية الخاصة أو التنفيذية لرئيس الدولة، ولا تتعدي اختصاصات الوزير مسؤول المتابعة المكلف من مكتب الرئيس، إذن فالوزير ليس واضع سياسة أو مشارك في وضعها، ونفس الشيء ينطبق علي رئيس الوزراء فمنصبه لا يتعدي رئيس السكرتارية الفنية لرئيس الدولة، أو مدير مكتبه، ولا يتعدي حسابه حساب الموظف الاداري أو الفني. يجازي بالخصم من المرتب أو الوقف عن العمل أو الفصل من الوظيفة، متي خالف من عينه، ومن هنا نبدأ بإمساك بداية الخيط الذي يوصلنا لمعرفة حدود المسؤولية عن نكبات مصر.

الخيط يبدأ من نظام رئاسة الدولة، فالمسؤولية الأولي والأخيرة في النظام الرئاسي، هي مسؤولية الرئيس، لأنه يجمع بين رأس الدولة ورأس السلطة التنفيذية، ووضع رئاسة الدولة الراهن خلق لها إشكاليات كبيرة، فالرئيس مبارك تقلد منصبا سياسيا دون أن تكون له علاقة بالسياسة، ولم يكن صاحب اهتمام بالشأن العام، كان كارها للسياسة وللسياسيين، وهذ الكره جعله أكثر ميلا لتأسيس دولة بوليسية متوحشة، وأكثر تفضيلا للعمل الأمني، كثيرا ما يبتعد عن القاهرة، إلي أماكن يتوفر فيها الأمن بعيدا عن عاصمة مكتظة بالبشر والمشاكل والأزمات. ففي الصيف علي شاطئ البحر الأبيض، وفي الشتاء في شرم الشيخ.

معرفة الرئيس بشؤون البلاد تتم من خلال التقارير، التي تقول دائما كل شيء تمام بلغة رجل الأمن، ولا تعكس ما يثير حنق أو غضب الرئيس، من هنا انقطع حبل الصلة بين الرئاسة وبين الشعب، ولا بد أن يكون رئيس الوزراء باسما طوال الوقت، فبسمته تعكس رضاه عما فيه من نعمة، وتعكس ارتياحه لعمله الذي يقوم به، لأنه ليس في خدمة الشعب إنما هو في خدمة الرئيس. ولهذا لا يستقيل لأنه ليس مسؤولا، ويفصل من منصبــــه لأنه موظف.

ولو أن الرئيس مبارك اعتبر عاطف عبيد رئيسا للوزراء أو أن هناك مجلسا للوزراء لنظر إليهم بمنظور مختلف، وما كان قد أسند المسؤوليات الكبري لأفراد أسرته.

هذه الطريقة في إدارة شؤون مصر تخلق بيئة صالحة للفساد. وكباش الفداء الذين يحمّلون مسؤولية النكبات، مثل وزير النقل ورئيس السكك الحديدية، ليسوا المسؤولين الحقيقيين. علينا أن نغير السؤال التقليدي، من يحكم مصر؟ ليكون سؤالنا من يملك مصر؟، فما في مصر هو نوع من الملكية أقرب إلي ملكية الشركات المغلقة. والمالك غير الحاكم، الشعب بالنسبة للمالك ليس إلا مجال استثمار، لتحقيق أقصي المكاسب وأعلي معدل من الاستمتاع، ولهذا عندما تحدث كارثة بحجم كارثة قطار الصعيد ولا يقطع الرئيس استجمامه، فإن الكوارث ستستمر ولن يكون آخرها كارثة قطار الموت.