أول ظهور لمصطلح العلمانية في اللغة العربية

 

بقلم : محمد عمارة

 

لقد جاءت «العلمانية» التي تعني ان العالم مكتف بذاته، تدبره الاسباب المودعة فيه فليس في حاجة الى شريعة من وراء الواقع تدبره.. وان الانسان مكتف بذاته، يمثل الواقع والعالم المصدر الوحيد لمعارفه التي يكتسبها بالعقل والتجربة دون حاجة الى علوم الغيب ولا الى النقل ـ الوحي ـ والوجدان.. اي التي تعني عزل السماء عن الارض، وجعل الانسان سيد الكون لا خليفة لسيد الكون.. جاءت هذه العلمانية الى بلادنا، اول ما جاءت في ركاب الحملة الفرنسية على مصر والشرق (1213 ـ 1216 هـ 1798 ـ 1801م) بقيادة نابليون بونابرت (1769 ـ 1821)م بل ان اول ظهور لمصطلح «العلمانية» في اللغة العربية كان في 1828 م، في قاموس ـ عربي فرنسي ـ وضعه «لويس» الذي عمل في خدمة جيش الحملة الفرنسية ابان احتلاله لمصر، والذي رحل مع هذا الجيش عندما جلا عن مصر 1801م، وعمل مدرسا للعامية المصرية بالمدارس الفرنسية.. وفي هذا القاموس ترجم الكلمة الفرنسية Laique «بعلماني» ثم ترجمت بعد ذلك الكلمة الانجليزية Secularism «بالعلمانية».

اما اول «وفود» للقانون العلماني، الذي اخذ يزاحم فقه المعاملات الاسلامية، فكان مع تزايد اعداد ونفوذ ومصالح الاجانب في بلادنا، خاصة بعد عقد اتفاق حفر قناة السويس، ففي اواخر عهد الخديوي سعيد 1237 ـ 1279هـ (1822 ـ 1863) م وتحديدا في 1861 م تسلل قانون نابليون الى محكمة «قومسيون مصر» التي تفصل في المنازعات بين التجار المصريين وبين التجار الاجانب، وكان اعضاء هذه المحكمة سبعة، ثلاثة منهم مصريون واوروبي، ويوناني، ويهودي وارمني.

وكما كان الجبرتي (1167 ـ 1237هـ 1754 ـ 1822م عبقريا في وعيه بالطابع الدهري واللاديني والوضعي للمرجعية الفلسفية لبونابرت والثورة الفرنسية، فكتب عن دعوى نابليون اعتناقه للاسلام فقال: «ان اسلامهم نَصب! فلقد خالفوا النصارى والمسلمين، ولم يتمسكوا من الاديان بدين، وهم دهرية معطلون، وللمعاد والحشر منكرون، والنبوة الرسالة جاحدون».. كذلك كان رفاعة الطهطاوي (1216 ـ 1290 هـ ـ 1801 ـ 1873 م) عبقريا في وعيه بان فقه المعاملات الاسلامية هو القانون الطبيعي للامة، وليس قانون نابليون، فكتب يقول: «ان المعاملات الفقهية لو انتظمت وجرى عليها العمل لما أخلت بالحقوق، وذلك بتوقيتها على الوقت والحالة.. ان بحر الشريعة الغراء، على تفرع مشارعه لم يغادر من امهات المسائل صغيرة ولا كبيرة، الا احصاها واحياها بالسقي والري، ولم تخرج الاحكام السياسية عن المذاهب الشرعية، لانها اصل وجميع مذاهب السياسات عنها بمنزلة الفرع.. فينبغي تعليم النفوس السياسة بطرق الشرع، لا بطرق العقول المجردة. ولا عبرة بالنفوس القاصرة، الذين حكّموا عقولهم بما اكتسبوه من الخواطر التي ركنوا اليها وظنوا انهم فازوا بالمقصود بتعدي الحدود»!

هكذا كان وعي الرواد بخطر الوضعية اللادينية ـ في الفلسفة والقانون ـ منذ بدايات الاحتكاك مع النموذج الغربي الوافد في ركاب الاستعمار.