لكل
مواطن جريمة..
ولكل قانون ثغرة..
لا يسعنا يا جلالة الجلالات ويا فخامة الفخامات
إلا أن نقف دقيقة حدادا على فقيدنا الجليل الذى وافته المنية بعد اجتماعنا الماضى.
***
إننى أنتهز هذه
الفرصة كى أحيى و أقرظ الطريقة المهيبة
الجليلة التى اتبعت بعد وفاة
الملك.. لقد أطلق الرعاع كثيرا من الشائعات حول الملك الشاب الذى مات فى
ريعان شبابه مشككين فى حقيقة موته.. وليس هذا جديدا عليهم فسوء الظن الأبدى طبيعة
متأصلة فى الرعاع والسفلة.. لقد حاولوا دون أى احترام لحرمة الموت أن يطلقوا
الشائعات المغرضة الحاقدة حول احتمال أن يكون الموت غير طبيعى و أن يكون قد اغتيل مدللين على ذلك ببعض مواقف التمرد التى
ظهرت منه فى الآونة الأخيرة.. حاول الرعاع الذين لم يكفوا طيلة حياة فقيدنا العظيم
عن الهجوم عليه.. حاولوا الآن – بعد موته –
أن يرفعوه إلى مراتب الشهداء والقديسين.. لكن الموقف العاقل الرزين الذى اتخذه
الملك الجديد أفسد على الرعاع خطتهم.. كما أن الاحتفالية المهيبة للدفن قد أفسدت
على الرعاع كل مزايدة.. ولقد كان الغضب العاتى الذى واجه به الملك الجديد مطالبة
بعض الرعاع بتشريح جثة الملك الراحل تحت إشراف المنظمات الدولية غضبا جعلهم يلوذون بجحورهم .. لقد كان
تصرفا مثاليا لأزمة كان يمكن أن تتطور إلى ما لا تحمد عقباه.. وهنا لابد أن أشير
إلى موقف الشيخ الكبير .. والذى كان له أبلغ الأثر فى مواجهة شكوك الرعاع
وهياجهم.. فلقد كان تأكيده على أن الموت كان طبيعيا وأن حياة كل إنسان وديعة من
بارئه يستردها حين يشاء هو فصل الخطاب الذى أطفأ النار.. ولقد كان لجوء الشيخ إلى
عالم الغيب وتأكيده على أن الملك الشاب قد زاره فى المنام مؤكدا أن موته كان
طبيعيا و أنه فى الجنة .. كان ذلك –
إزاء رعاع يؤمنون بالخرافات والأساطير – هو الكلمة الأخيرة.
أريد أن أذكركم أيضا بالموقف العظيم لمعالى
المدعى العام الذى أصدر قرارا بحظر النشر فى الموضوع برمته وفى كل ما يتعلق به،
كما أصدر قرارات متعاقبة بمنع القلة الحاقدة التى أطلقت مثل تيك الشائعات من السفر
إلى الخارج ليمنعها من بث سمومها السوداء فى العالم. ولم يقتصر على ذلك، بل تكرم
بإحالة القضايا العاجلة التى رفعت إلى دوائر قضائية معينة سبق الاتفاق معها على كل
شئ وكتبت لها الأحكام.
إننى هنا أريد أن أذكركم.. أن أعظم استثمار
للرؤساء والملوك والأمراء .. ليس الاستثمار فى الصناعة والزراعة والتكنولوجيا ..
وليس حتى فى عمولات السلاح وصناعة المخدرات وتهريب الذهب .. إنما يقبع أعظم
استثمار فى توظيف المشايخ والنيابة والقضاء لصالح سياسة الحكم.. وهذا هو موضوع
بروتوكولنا الرابع..
يا جلالة الجلالات ويا فخامة الفخامات ويا سمو
السموات..
لقد قمنا بتأبين زميلكم الراحل.. وعلينا أن
نرحب الآن بزميلكم الجديد والذى عقدت معه عدة جلسات أحطته فيها بما تم فى
اجتماعاتنا السابقة.. والآن .. هيا إلى العمل..
***
لقد بدا القضاء لفترة طويلة جدا مشكلتنا
الكبرى..
ولولا نجاحاتنا الساحقة فى المجالات الأخرى لما
تمكنا منه.. فالقاضى واحد من أفراد المجتمع وما يؤثر فى المجتمع يؤثر فيه.. كما
أنه من المحتم مهما طال المدى أن
تنتقل أمراض المجتمع إليه.. لذلك.. فإن محاولاتنا لتحطيم تماسك الرعاع والسفلة آتى
أكله.. ليس على الفور بالطبع.. بل بعد معارك ضارية سقط فيها العشرات من آبائكم
وأجدادكم..
إننى أريد أن ألفت انتباه جلالاتكم وفخاماتكم
وسمواتكم مرة أخرى أننى أضرب لكم الأمثلة على سبيل الاستدلال لا الحصر.. وأن الطرق
التى اتبعت مع القضاء والنيابة لم تكن مقصورة عليهما.. كما أنها لم تكن خاصة بهما
وإنما استعملت فى مجالات أخرى عديدة.. كما أود أن أكرر.. أننى إذ أعلمكم علم
الملوك لا أقول لكم كل شىء.. نعم .. ليس ما أقوله لكم هو العلم الجامع المانع.. بل
إننى أعلمكم الحروف لتصوغوا منها كلمات لا أول لها ولا آخر.. و أدرس لكم الأرقام
كى تصوغوا منها عمليات رياضية لا نهاية لها..
نعود إلى مشكلتنا الكبرى مع القضاء.. كانت
المشكلة أن القاضى يعتبر نفسه عدل الله فى الأرض.. وبهذا لم يكن يحتفظ للحكام بأى
ولاء بل هو الذى يحكم عليهم ويحمى الرعاع منهم.. كانت المشكلة صعبة.. لكن نجاح
أسلافكم الباهر فى الانتقال من الشريعة إلى القانون كان الضربة الكبرى.. بعدها حسم
الأمر وتحددت محطة الوصول مهما
تأخرت ساعة الوصول..
بالانتقال من
الشريعة إلى القانون استطعنا قلب
مفاهيم الناس عن الحقوق
والقانون والأخلاق . فمع الحكم بالشريعة
كان الخوف من الله ومن العقوبة في الآخرة ، وفكرة الجحيم والعذاب هي التي تمنع الفرد أو الجماعة من ارتكاب
المعاصي كالقتل والتزوير والسرقة والتعذيب والظلم، كانت الشريعة هى التى
تتولى تنظيم العلاقات الاجتماعية،
حتى لو لم تكن هناك حكومة ولا حاكم ، فنصوص الشريعة وخوف الله الكامن فى
القلب هما اللذان يمثلان أساس ضمان
العدل ، هما الشرطة الحقيقية في المجتمع. ولم تكن العقوبة موجودة إلا على سبيل
الاستثناء للمنحرفين عن الطريق العام. وكان ذلك وضعا خطرا مهما حاولنا الالتفاف من
حوله باختراق بعض دوائر القضاء.. فالنص الأصلى موجود ويمكن الرجوع إليه فى أى
وقت.. ثم أن الخروج على هذا النص كان يستوجب احتقار الناس للحاكم وللقاضى معا..
فلا يمكثون على الطاعة والخضوع إلا ريثما يتسنى لهم الانتفاض والانقضاض..
لقد
كانت معركة الانتقال من الشريعة إلى القانون معركة شرسة ودامية .. لكننا نجحنا
فيها.. والحذر الحذر الحذر من أن تعودوا إليها مرة أخرى.. قضى الأمر.. وعليكم أن
تعاملوا بمنتهى القسوة والعنف أولئك العصاة المارقين الذين يطلبون بعودة الشريعة
كمصدر للقانون..
نعم..
لقد نجحنا فى استبدال القانون بالشريعة.. والمثقف المستنير بالفقيه.. فالفقيه لا
يتبعنا ولن يتبعنا أبدا.. أما المثقف المستنير.. فقد نجحنا أن نجعله أشبه
بالمهرج.. الذى يهاجم فى المساء بكل شراسة ما دافع عنه فى الصباح بكل حماسة..
وبنجاحنا فى استبدال
القانون بالشريعة أصبح كل ما لا ينص عليه القانون حلال وممكن عمله ولا يعاقب عليه
أحد، أصبحت العقوبة دنيوية ومادية ، دنيوية أي تستند إلى قانون وضعي متفق عليه بين
الجميع، ويمكن تغييره أيضا مع الزمن والإجماع ، فما كان جريمة منذ عشر سنوات في
مجتمع يمكن أن يصبح مباحا بموافقة مجلس الأعيان المنتخب. وأصبحت العقوبة مادية،
لأن العقوبة تتم على الأرض إذا تم الكشف عنها من قبل الدولة وإلا فلن يكون هناك
عقوبة..
لقد اندفع إعلامنا
وتعليمنا ومثقفونا المستنيرون
يظهرون- بصورة ملتوية ومعقدة وغير مباشرة- تخلف الشريعة وعدم صلاحيتها
لمواكبة العصر، ووعدنا الرعاع بقانون فابتلعوا الطعم، لأننا فى الواقع لم نكن نريد
أى قانون، لقد أخذنا منهم الشريعة وأعطيناهم بدل القانون الفوضى وسيطرة فئة كليا
على فئة أخرى، لم نبق من قانون يمنع اعتداء فرد على آخر إلا قانون القوة والعنف .
فأصبح كل شيء مباحا عمليا ، لم يعد هناك رادع حقيقي لدى أي فرد . لقد وضعنا
القانون ثم يسرنا سبل اختراقه فلم تعد هناك أية هيبة لأى قانون ، لقد استطعنا أن
ننفذ خطتنا الكبرى، لكل مواطن جريمة ولكل قانون ثغرة، أصبح الكل مهددا والكل يمكن
أن ينجو فى ذات الوقت، ولكن ذلك مرتبط بإرادتنا .. إرادتنا فقط.. وبهذا أصبحت كل
القوانين لا قيمة لها، وكل عسس العالم لن يستطيعوا أن يمنعوا الاعتداء والظلم والهمجية. ولما كنا قد أفسدنا العسس
تماما، أفسدناهم للدرجة أصبحوا فيها أقوى بما لا يقاس من كل العصابات، لقد جعلناهم
فوق القانون، أو هم القانون، فتخلصوا من الرعب الذى يطارد العصابات، تفرغوا
للإبداع لصالحنا، حيث القتل مباح والنهب مباح والتزوير مباح والظلم مباح، لا ، ليس
مباحا فقط، بل هم يثابون عليه حين يفعلونه ويعاقبون إن لم يفعلوه، لقد تفوقنا فى
ذلك على الشيطان ذاته- كما تتصوره أوهام الرعاع والسفلة- فالشيطان لا يكافئ ولا
يعاقب.. نعم.. تفوقنا على الشيطان .. وبعد ذلك أصبح القانون سوطا فى أيدينا نلهب
به ظهور الخارجين علينا وخنجرا نمزق به لحمهم وطلقة رصاص نطلقها على قلوبهم ..
إن كلمات القانون
صماء وتحتاج لمن يفسرها، وكنا نحن الذى نفسر ما نشاء بالكيفية التى نشاء، ونجرم من
نشاء ونبرئ من نشاء، وكانت التفسيرات والأحكام أحيانا متناقضة لكن ذلك لا يهم، لأن
وسائل إعلامنا ومثقفينا المستنيرين
سيتجاهلون دائما هذا التناقض،
لقد جعلنا المجتمع يعيش فعلا
بدون قانون. وترتب على ذلك شعور رهيب بالفزع بين الناس.. إذ لم يعد ما يحميهم من
بعضهم البعض ولا منا، وعندئذ كان لا
بد لفرض النظام والحد الأدنى للأمان بين الناس من قوة قهر عظمى، قوة بديلة عن
إلههم القديم، قوة تتصف بالقداسة، بحيث تكون هى القانون، هى الأمن والأمان والنظام
والرزق والحماية والغنى والفقر والرضا والسخط والابتلاء والاصطفاء، قوة لا تُسأل
عما تفعل، قوة تحل محل الله، نعم،
كان لابد من ربط الناس بإله
مقدس جديد، يكون هو القانون بين الناس، ولم يكن هذا الشخص إلا أنتم يا جلالة
الجلالات وفخامة الفخامات وسمو السموات، إن هدفنا النهائى أن يكون كل واحد
منكم الزعيم المعبود الذى يفتديه
الناس بالروح والدم، فبهذا تكتمل
حلقات خدعتنا الكبرى لهم، لقد جعلناهم يتوقفون عن عبادة الله كى يعبدونا..
باستبدالنا القانون بالشريعة نجحنا فى أن نسمم
منابع النهر الذى يرتوى منه القضاة..
ولقد كان نجاحنا فى ذلك هائلا، لا ينال منه
بقاء بعض القضاة مستمسكين بضلالهم القديم، فهم على أى حال جيل منقرض كالدناصير،
وفى غضون أعوام قليلة سيتكفل الموت بالقضاء عليهم فلا يبقى فى ساحة القضاء إلا
عبيد لكم تحبونهم ويحبونكم.
لقد كان نجاحنا مع القضاء ملحمة هائلة تستحق أن
تروى..
كان القضاء قلعة شامخة عصية، ولقد أدركنا من
البداية أن محاولة اقتحام القلعة كارثة علينا يجب ألا نقع فيها أبدا، لكننا لم
نستسلم، كانت الجدران منيعة والأسوار حصينة والمواجهة المباشرة مستحيلة، فقررنا أن
ننقب فى الجدار ثغرة، و قررنا التسلل منها،
للنفاذ إلى القضاء والقضاة . و دراسة تركيبه الدوائر القضائية . استقطاب الأشخاص
المؤثرين .
عمليات
غسيل المخ التى تجرى بدون أن يدرك الضحية
. فن التأثير عن بعد . استغلال شعار: لكل مواطن جريمة بالنسبة
لبعض الدوائر وتهديد قضاتها بصورة
مستمرة كمستند أو شريط فيديو يصور
فضيحة جنسية أو عرض رشوة أو الإغراء
بمنصب . فقد كان القاضى الذى يتوافق مع ما تريده المنظمة يصعد إلى منصب قيادى أو
وزارى أما الآخر فليس له سوى
الفضيحة والخراب. واستطعنا بالسيف
أو بالذهب استقطاب البعض، لكن عيونا يقظة تنبهت لما يجرى فبدأت تسلق من استقطبناهم
وتسلقنا بألسنة حداد، وهنا كانت خطتنا العبقرية بتقديس القضاء والقضاة، القضاء
عادل ونزيه، جعلنا من مديحهم حبلا مددناه إليهم، فأصبح التعرض للقاضى من بعيد أو قريب جريمة كبرى تستحق أشد العقاب،
فالقضاء مقدس، لم يتنبه الحمقى والأغبياء أننا نمنحهم القداسة والحصانة التى ضننا
بها على الله والأنبياء، وعندما
ابتلع الجميع الطعم سخّرنا هذه المفاهيم جميعا من أجل قضاتنا الذين استقطبناهم،
يسرنا أمامهم سبل الانحراف والغواية ثم حميناهم بالقوانين التى سنناها لهم.. وفوجئ
القضاة الآخرون الذين لم نستطع استقطابهم، لأن القانون المقدس يحمى من وصفوهم
بأنهم قضاة النار وقضاة السلطان وقضاة الشيطان، يحميهم حتى من القضاء، وأصبح من الطبيعى،
مادام القانون يحمى القضاة من تبعات مخالفة القانون أن يحمى كل رجالنا أيضا من أى
مخالفة للقانون، و أسقط فى أيدى الخارجين علينا، شنقناهم بالحبل الذى مددناه لهم،
ولم يعد أمامهم إلا الانزواء انتظارا للانقراض.
ولقد كانت خطتنا مع النيابة أيسر بكثير، فلقد خدعناهم، بدأنا بهم صنوا للقضاء يرعبون العسس
ويهيمنون عليهم وانتهينا بهم فرعا من العسس يرتعبون منهم ويخضعون لهم..
إن القانون الآن لعبتكم الكبرى، وعليكم الإبداع
والابتداع فيه، لقد نجحنا فى الفترات الماضية أن نجعل لكل مواطن جريمة ولكل قانون
ثغرة، فنستطيع فى أى وقت أن نجرّم من نشاء وأن نعفو عمن نشاء، لكننا لم ننه الأمر
كله، فما تزال الساحة تنتظر إبداعكم.
يجب أن تطوروا شعار" لكل مواطن جريمة " من بحث الجرائم الحقيقية التى يرتكبها المواطنون إلى دراسة كاملة لكل شخصية من جوانبها النفسية والاجتماعية والاقتصادية والوظيفية والبيئية بحيث نتجاوز الجريمة المرتكبة إلى الجريمة المحتملة التى يمكن أن يدفع المواطن لارتكابها إذا تعرض لظروف معينة. ثم إن علي أجهزتكم أيضا أن تبحث لكل مواطن عن الجرائم التى يمكن أن تلفق له فيصدقها الناس . .
أما شعار" ثغرة لكل قانون " فإن عليكم تطويره هو الآخر إلى درجات متعددة . ففى الدرجة الأولى توجد الثغرات العادية الموجودة فى كل قانون والتى يمكن للمتمرسين من المحامين استغلالها . وفى الدرجة التالية يجب استغلال قوانين منسية لم يتم إلغاؤها رسميا وإن كانت المحاكم قد كفت عن العمل بها حتى نسيت .. لكن الإبداع الأعظم الذى عليكم أن تستكملوا إنجازه فهو " إدارة تفصيل القوانين " والذى نجح معظمكم فى إنشائها لكى تضم صفوة مختارة تدرس قوانين الماضى والحاضر واحتمالات المستقبل . و يتنبأ بظروف معينة ستستجد بعد عام مثلا أو حتى بعد عشرة أعوام.. فيُسن قانون يبدو فى ظاهره بريئا ولا تدرك المعارضة ولا الرعاع خطورته . . و يقدم هذا القانون إلى مجلس الأعيان فيوافق عليه دون ضجيج .. وتمر الأيام حتى يفاجأ الجميع بوضع مفاجئ لهم فقط يطبق فيه القانون الذى لم يدركوا حين سنّه خطورته.. إن ذلك يستلزم أن يكون هناك فى مجلس الأعيان أعضاء جاهزون باستمرار لتلقى الأوامر لعرض قوانين جديدة يوافق مجلس الأعيان على الفور. إن دليل نجاحكم الباهر أنه لم يسجل فى تاريخ مجلس الأعيان أنه رفض قانونا واحدا عرض عليه من قبل حكوماتكم .
يا جلالة الفخامات ويا فخامة الجلالات:
إن المهام المنوطة بكم صعبة.. وإننا جميعا نعانى من وحدة موحشة
لا يعانى حتى هؤلاء الرعاع مثلها.. لقد حسموا أمرهم منذ زمان طويل .. وراحوا يعزون
أنفسهم عن كل خيبة أمل يعانونها فى الدنيا بما سوف يجدونه فى الآخرة .. الآخرة
سقفهم وغطاؤهم وعزاؤهم أما نحن فنعانى
وحدة العارى بلا سقف أو غطاء أو عزاء.. وحدة من لا ينتظر شيئا .. وعالمنا
المحدود يضيق بنا كل يوم.. لأن ما ينقضى منه لا يعود أبدا.. وليس لنا من عالم آخر
نأمل فيه.. إننا بدون هذا العالم الآخر تعساء.. لكننا بوجوده نكون فى وضع مأساوى
لا حل له.. إلا حل خرافى لم يحدث فى التاريخ إلا مرة.. عندما رفض ملك الملك ..
وهرب فى الصحراء حافيا حيث لم يعثر له أحد على أثر.. وما أظن واحدا منكم على
استعداد لأن يفعل مثله..
فتذكروا
دائما.. أننا لم نسمح لله بأن يشاركنا فى رغباتنا وأهوائنا وحكمنا فكيف
نسمح للرعاع والسفلة أن يشاركونا فى الحكم..
لقد آن الأوان للانتقال
إلى بروتوكول آخر.. فإلى الاجتماع القادم..
تتراكم عشرات الرسائل من القراء أمامى.. أقرأها
فيخفق قلبى لفرط ما فيها من انفعال وصدق وألم وفكر.. حتى لأكاد أجزم بأن القراء فى
مجموعهم أرقى بكثير جدا من الكتاب فى مجموعهم.. ومن هنا ينبع أمل بلا حدود..
فالظروف المشوهة كان لابد لها أن تنتج واقعا مشوها لكن القيم الأصيلة والمعايير
الصحيحة ما زالت مكنونة فى وجدان الأمة ..
كنت أريد أن أنشر رسالة محاسن من ألمانيا..
وإيهاب من أمريكا.. وعشرات الرسائل من مصر..
وكنت أريد أن أنشر الرسائل التى تتحدث عن العار
الذى يجلل الأهرام صبيحة كل ثلاثاء بمنع مقالات الكاتب الكبير فهمى هويدى.. وكنت
أريد أن أكشف زيف الديموقراطية وحرية التعبير التى يتشدق بها عبيد الغرب.. كان صوت
فهمى هويدى فى الحق عاليا ومنطقه أعلى.. لم يستطيعوا مواجهته فمنعوه.. لكن
الأغبياء لم يدركوا أنهم حين منعوا صوته جلجل صمته .. وأن دوى صمته أعلى من هسيس
صوته .. وأنه يكشف عوراتهم القبيحة أكثر..
كنت أتمنى أن أتناول كل هذه الرسائل رسالة
رسالة .. لكننى مضطر للاعتذار لكل هؤلاء كى أعلق على مجموعة من الرسائل والمستندات
والكتب تشكل رسالة هائلة لا يتسع
المكان لنشرها .. حول موضوع ضاغط وعاجل.. موضوع العقيد محمد الغنام..
أول شرطى مصرى فى التاريخ يحصل على حق اللجوء
السياسى إلى سويسرا!!
انفطر
قلبى يا سيادة الرئيس من الألم..
كنت
فى اليوم السابق قد قرأت الكلمة الدامية للأستاذ محمد القدوسى فى نوافذه الأسبوعية
حول انتقادك للطيار حمدى حنفى الذى طلب اللجوء إلى بريطانيا وقولك: " لماذا
لم يذهب إلى الصحف ويوجه انتقاداته كما يشاء".. وكان القدوسى يرد معبرا عن
الصحفيين: " أخشى أننا غير مستعدين لاستقبالهم يا ريس فى ظل قانون يحبس
الصحفى إن اتهم المسئول تسع تهم صحيحة وتهمة واحدة مشكوكا فى صحتها..( ..) لسنا
مستعدين .. وربما كان الطيار نفسه غير مستعد لخوض مغامرة النشر.."..
كنا
ثلاثة جمعت بيننا المقادير لأول مرة .. دون تخطيط منا ..( لا أقول صدفة فليس ثمت
شىء صدفة).. مستشار جليل يمثل النموذج العظيم الشامخ - حقا وصدقا لا تدليسا وغشا – للقضاء فى مصر.. والعقيد دكتور محمد الغنام.. وأنا.. وكان ما حدث
للدكتور الغنام تنفيذا عمليا لنصيحتك يا سيادة الرئيس باللجوء إلى الصحف.. فهل
تسمح لى أن أبلغك بالنتيجة؟!..
بعد
ساعة من الحديث كنت أختنق.. أحسست أن جبل المقطم يجثم فوق صدرى.. رحت أتساءل فى
ألم مروع: ترى هل أتيح لك يا سيادة الرئيس أن تستمع لمثل ما أستمع له؟!.. هل تعلم
إلى أى حد ضرب الفساد بأطنابه فى ربوع بلادنا.. وهل استطاعت الحاشية الفاسدة أن
تخفى عنك الأمر إلى هذه الدرجة.. كنت أيامها تمس شغاف قلبى بزيارتك للبنان..
ووجدتنى – منحازا إليك – غير قابل للتصديق بأنك تعلم.. لكننى فى الجانب الآخر لم أجرؤ على
تكذيب من يؤكد أنك تعلم ..
كيف
يمكن أن يحدث هذا فى عهدك يا سيادة الرئيس وكيف يمكن أن تنافح عن نفسك أمام الله
يوم القيامة..
إن
ما يحدث من فساد ليس فسادا فرعيا مما يمكن أن نتجاوز عنه قائلين أن الشر جزء أصيل
فى تركيبة الكون.. ما يحدث ليس تسميم حاويات ماء فى مدينة بل تسميم النهر نفسه..
تسميم الجذور.. شىء كالهندسة الوراثية يغير جينات الخلق والعقل والضمير فإذا بحراس
الأمن مهدديه وإذا بحماة العدل منتهكيه وإذا الكذاب يصدّق والصادق يكذّب والخائن
يؤتمن والأمين يخوّن والعالم يستبعد والجاهل يتحكم وإذا الفساد ليس الاستثناء عن القاعدة الموجودة بل هو القاعدة
ودونه الاستثناء، وحتى ذلك الاستثناء لا يترك بل يحاصر ويضرب ويشوه وتحاك له
المؤامرات وكأنما أقسم إبليس ألا يترك على الأرض بذرة خير.
نعم
يا سيادة الرئيس.. إن قضية العقيد دكتور محمد الغنام .. مثل خمس وستين مليون قضية
أخرى .. تختلف فى التفاصيل وتتوحد فى الدلالة .. على أن الفساد لم يعد قضية أفراد
يتصدى لهم مجتمع.. بل قضية مجتمع يتصدى لها أفراد.. ويزيد الكارثة.. أن بعض
المؤسسات الضابطة الحاكمة .. قد انحازت إلى الفساد الشامل ضد آحاد الأفراد الذين
ما يزالون يقاومون..
إننى
عزوف تماما عن تناول مظلمة الدكتور الغنام.. فلقد ألزمت نفسى ألا أتناول قضية
شخصية حتى وإن كان صاحبها على حق.. لذلك سأقتصر على الجزء العام فيها.. وأرجوك يا
سيادة الرئيس.. أرجوك أن تسمع صوتى.. حتى لا أضطر إلى الكتابة لك فى هذه القضية
مرة أخرى..لأننى والله شعرت بالخجل وأنا أتابع تصرفات بعض المؤسسات فى بلادنا..
فمهما كان.. وعلى أى حال.. هى مؤسسات بلادى.. وأخجل.. بل وأشعر بالعار إن رأى فيها
الآخرون من خارج البلاد ما يشين.. حتى ولو كان ما يرونه حقا وصدقا.. بل إن هذا
يزيد العار.. إنه عار يشبه ذلك العار الذى يمكن أن يصيب أى واحد منا .. إذا جن أحد
أفراد أسرته أو انحرف.. فخرج إلى الشارع عاريا يفضح أسرته أمام الناس ويرتكب
الجرائم بلا خجل..
أجل
يا سيادة الرئيس.. إن تلك الأجهزة التى انحرفت.. هى التى تبدى سوءاتنا أمام
العالم.. وهى التى تسىء إلى الوطن.. وهى التى تستدعى علينا ضغوط العالم الخارجى.. بعد أن تفتح له
الثغرة التى ينتظرها..
كان
العقيد الدكتور محمد الغنام واحدا من مئات الألوف من الطبقة التى يطلقون عليها
" التكنوقراط " .. وهى طبقة أحمل لها موقف الانتقاد العنيف.. لأنها
تحاول أن تحتفظ بطهارتها الشخصية دون اعتبار لما يحيطها.. تماما.. كالطبيب الجراح
الذى يحرص الحرص كله على اتباع كل خطوات التعقيم التى أوردتها كل المراجع بكل
صرامة.. لكنه يغفل أن الماء الذى يستعمله فى التعقيم ملوث.. وأن كل حرصه بالتالى
هباء تذروه الرياح..
كان
محمد الغنام من هذه الطبقة وكان شديد التميز فى عمله فى وزارة الداخلية متوافقا مع
الوزارة والمجتمع حتى صادفه أمران سوف أتناولهما باختصار شديد فهما ليسا مبتغاى..
وليس لى فيهما الآن من مأرب .. إلا ما يلقى الضوء على القضية العامة..
كان
الأمر الأول قضية الألفى – مجدى حسين.. يقول العقيد الغنام: " كنت مستعدا لأن
أتفهم على مضض بعض التجاوزات.. أما
سجن برئ فلا".. ولقد كلف كمدير للبحوث القانونية بوزارة الداخلية بإعداد
الشكوى ضد الصحفيين.. كتبوا له ستة أسماء.. وكان الاسم السادس هو اسم الصحفى محمد
عبد القدوس.. لكنهم جاءوا فى اليوم التالى ليقولوا له : ارفع اسم محمد عبد القدوس
وضع مكانه اسما آخر.. فتساءل فى دهشة: لماذا؟!.. فقيل له: لأن هؤلاء الستة سيسجنون
ومحمد عبد القدوس وكيل لنقابة الصحفيين وسوف يتسبب سجنه فى ردود فعل خارجية.. لذلك
ارفع اسمه وضع مكانه اسم الفنان عصام حنفى رسام الكاريكاتير..!!..
هنا
أدرك العقيد الغنام للمرة الأولى أن الماء ملوث..
بدأ
يقاوم ..
وكان
القدر يدخر له الأمر الآخر.. كى تكتمل بصيرته.. برؤية الصورة البشعة على حقيقتها..
كى ينحاز إلى الخير ضد الشر.. ومع الصواب ضد الخطأ.. إذ مات أبوه – وهو لواء سابق – فى مستشفى الشرطة.. وكان تصوره أن الوفاة حدثت بسبب إهمال جسيم
وقصور فى الإمكانيات مخل.. رغم الإمكانيات المادية الهائلة التى تتمتع بها
المستشفى.. إلا أن هذه الإمكانيات تضيع جلها على المكافآت.. حتى أن واحدا فقط يحصل
على مكافآت تصل إلى مليون جنيه سنويا.. ويبدو أن تعلق العقيد الغنام – غير الطبيعى فى هذا الزمن - بأبيه أشعل فيه نارا و فتح عينيه على
حقائق مرة فقرر أن يتصدى..
فهل
تعرف ماذا حدث له يا سيادة الرئيس حين حاول أن يصلح الانحراف من داخل النظام لا من
صفوف المعارضة؟!..
انتهكت
حقوقه وروع أمنه وهددت حياته وتلقى تهديدات بالقتل وتعرض لحوادث غامضة وحطمت
سيارته سيارة ضخمة تحمل داخلها كفن ميت كإشارة لما ينتظره، وتصاعدت الأمور ليصبح
أول ضابط شرطة مصرى فى التاريخ يحصل
على حق اللجوء السياسى.. حيث حصل على موافقة لدخول الأراضى السويسرية وفقا للمادة 20 من قانون اللجوء السياسى
السويسرى.
كان يشغل منصب مدير
البحوث القانونية بوزارة الداخلية..
لم يكن مجرد ضابط
شرطة عادى..
لأنه حاصل على درجة
الماجستير فى القانون من جامعة عين شمس 1980 ثم على درجة الدكتوراه فى القانون
الجنائى بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف عام 1986 من جامعة روما بإيطاليا. ويعد من
أبرز الخبراء المصريين فى مجال مكافحة الإرهاب ( لم يدرك التكنوقراطى العتيد إلا
متأخرا جدا وبعد أن طالته النار
وأباه أن الإرهاب إرهاب الدولة).. وله العديد من المؤلفات فى مجال حقوق الإنسان..
منها كتابه الصادر عام 1988 بعنوان: " تعليم حقوق الإنسان لطلبة كليات
الشرطة" كذلك كتابه الصادر عام 1991 عن الإرهاب وتشريعات المكافحة فى الدول
الديموقراطية.. ثم كتابا آخر صدر عام 1996.. نشر عشرات الأبحاث القانونية المتخصصة
فى مجلات السياسة الدولية والقضاة والمحاماة والأمن العام ومجلات دولية أخرى.. كما قام بالتدريس و إلقاء
المحاضرات فى العديد من الجامعات
المصرية والأجنبية . قام بإعداد
مشروعات قوانين وزارة الداخلية..
كانت شعبيته واسعة
داخل الوزارة فوصل عن طريق الانتخاب إلى منصب سكرتير عام مجلس إدارة صندوق ضباط
الشرطة.. حصل على العديد من شهادات التقدير من وزارة الداخلية كما حصل على جائزة
جورج لابيزا التى تمنحها الحكومة الإيطالية لأفضل الباحثين فى مجال القانون..
حاصروه بالتهم..
والضابط المتميز أصبح فجأة عدوا للدولة بكل أجهزتها..
منع من حقه
الدستورى فى التقاضى..
منعت وزارة
الداخلية: الرقابة على النشر صحيفة Middle East Times من نشر مقال له..
منع من مغادرة
البلاد بناء على مذكرة من مباحث أمن الدولة..
تناولت قضيته الصحف
العربية والأجنبية ومنها الشعب والوفد والفاينانشيال تايمز والرأى..
أحيل إلى التقاعد فى
أبريل 1999..
طلب مقابلتك يا
سيادة الرئيس دون جدوى.. والتجربة التى تمنيت على الطيار حمدى حنفى أن يفعلها
فعلها هو بل وفعل أكثر منها فانظر
النتيجة..
آه يا سيادة الرئيس
لو اطلعت على ما لديه من أوراق ومستندات.. عن الوزارة .. والمحاكم .. والنيابة ..
وقرار النائب العام بمنعه من السفر.. وهو قرار تم تنفيذه حتى قبل صدوره!!.. آه لو
عرفت كم القضايا التى لفقت له – كما يقول - ومنها
على سبيل المثال اتهامه بإطلاق النار فى مشاجرة.. ثم تقرير الطبيب الشرعى بعد ذلك
أن السلاح الذى ضبطته الشرطة وحرزته النيابة .. غير صالح للاستعمال..!!..
كان مواطنا فردا..
وكان يواجه من يصنعون القانون أحيانا ويدوسونه معظم الأحيان..
وهو يتحدث.. ويروى
ما يعز على الخيال.. كنت أتطلع إلى المستشار الجليل داعيا الله أن ينطق من واقع
تجاربه وخبراته الواسعة ليقول أن ما يرويه العقيد الغنام لا يمكن أن
يحدث.. وأنه مهما بلغت الأجهزة من سوء فهى لا يمكن أن تفعل ما يرويه عنها العقيد
الغنام .. كنت أتطلع إلى ملامحه
أستنطقها إن كان يصدق ما يسمع أم يكذب.. مستدعيا من الذاكرة ما كتبه شيخ الوطنية فتحى رضوان عنه منذ ما يقرب من عشرين عاما : " وفى وسط
هذا الركود، يجلس قاض على منصة محكمته، ويبدد اليأس الذى بسط جناحيه الأسودين
القاتمين بكلمات قليلة، لكنها تبعث الأمل فى شعب يصمم على التغيير المشروع، وتحويل
الكلمات الجميلة إلى حقائق حية، ويدافع عن القانون بأجمل أسلحة القانون، كلمة
القاضى الذى يعرف أنه حر، ولا سلطان عليه فيما يقضى به إلا ضميره.."..
كنت أتذكر وأستنطق
الملامح .. وتحدث المستشار أخيرا..(
وأعتذر لأننى لا أذكر اسمه فلم أستأذنه)
ليقول فى أسى: قضى الأمر.. وفى غضون أعوام قليلة سيتكفل الموت بالجزر القليلة
المعزولة التى ما زالت تقاوم الفساد !!..
يا له من ألم يا
سيادة الرئيس..
لكننى أعود إلى قضية
العقيد الغنام.. الذى لو كان مواطنا عاديا لقتل منذ الأسابيع الأولى من التعذيب فى
قسم من أقسام الشرطة.. أو اختفى مع من يختفون.. أو لصدر له قرار اعتقال.. أو..
أو.. أو.. لكن الرجل لم يكن عاديا .. ولم يكن مجرد ضابط شرطة.. بل كان خبيرا حاذقا
فى كل الوسائل التى يمكن أن تتبع معه.. لذلك طالت الحكاية.. وتشعبت وسائل المواجهة
والمقاومة.. لكنها مقاومة يائسة.. فليست مجرد الكثرة ما تواجه الشجاعة.. أنها
الكثرة وبطش الأجهزة بقوتها الأسطورية.. الأجهزة التى تستطيع أن تمهر بالأختام أى
باطل لتجعله حقا وأى حق لتجعله باطلا..
ولم يجد الرجل مفرا
من طلب اللجوء السياسى.. وقبل طلبه..
ولقد اهتمت العديد
من منظمات حقوق الإنسان بقضيته وطالبت الحكومة المصرية بالالتزام بتعهداتها
الدولية ووقف اضطهاد العقيد الغنام والسماح له بمغادرة البلاد إلى سويسرا ، وهو
الأمر الذى تعتقد هذه الهيئات أن السلطات المصرية حينما منعته من السفر إنما فعلت
ذلك للتكتم على أمر لجوئه السياسى الذى يمكن أن يسبب حرجا بالغا للنظام ، وكذلك
لمنعه من الحديث إلى الرأى العام العالمى..
ومرة أخرى يا سيادة
الرئيس.. فإننى فى كل ما كتبت لم أكن أتحدث عن العقيد الغنام.. بل عن خمسة وستين
مليونا هم رعاياك..
وإننى أسألك: لماذا
تبذل الدولة كل هذا المجهود لسحق فرد كان يمكن لها أن تستغل علمه ومجهوده لتحسين
أدائها ولتصويب أخطائها..
وأقول لك يا سيادة
الرئيس.. أن ما تفعله بعض الأجهزة.. أشد سوءا مما يفعله الشيطان ذاته.. فليس
للشيطان علينا من سبيل إلا أن يوسوس لنا.. دون قمع أو إرغام.. إنه لا يثيب المجرم
ولا يعاقب المحسن.. بل إنه عندما يكف الواحد منا عن معصية أو يقدم على طاعة.. لا
يملك إلا الصراخ الشيطانى من فساد حيله وبوار تدبيره.. أما بعض أجهزتنا.. التى فاقت
الشيطان.. فهى تعاقب المحسن وتكافئ المسىء.. نعم .. تحابى المرء طالما ارتكب
المنكر.. فإن أقبل مرة على المعروف أو انتهى عن المنكر.. سحقته سحقا.. وسامته سوء
العذاب..
وإننى أتساءل..أى
خير كنا سنجنيه .. لو أن جهاز الشرطة على سبيل المثال.. قد استفاد بنماذج باهرة..
مثل اللواء الدكتور حسن فتح الباب( الشرطى الوحيد الذى نجح فى أن يصبح شاعر
كبيرا.. ربما على مستوى العالم ) والعميد حمدى البطران.. الذى أدى أمانة الكشف فلم
نؤد نحن أمانة الحساب.. والعقيد محمد الغنام الذى حكيت لك من أمره ما جرى.. وذلك
الضابط الآخر.. والذى نسيت للأسف اسمه .. والذى كان هو دون سواه.. هو .. وليس
الكتاب ولا الصحفيين ولا المفكرين ولا الفلاسفة ولا حتى زعماء الأحزاب.. كان هو
الذى وضع برنامجا لإصلاح حال الشرطة فى بلادنا.. ووضع فى مقدمته.. كأساس للإصلاح
لا غنى عنه.. أن يتم تصفية جهاز مباحث أمن الدولة.. وأن يوزع أفراده بعد تأهيلهم
على وحدات الشرطة الأخرى.. تلك النماذج الباهرة يا سيادة الرئيس.. ستكون فى الزمن
الآتى .. رموزا على الشرف.. رغم ما تعرضت له من سحق وقهر واضطهاد..
يا سيادة الرئيس..
أطلت عليك فمعذرة..
لكننى أذكرك أن داعى
الموت لا يقلع، وأن من مضى لا يرجع، وأما من بقى فإليه ينزع. فبحق الله الذى قهر العباد بالموت.. أستحلفك أن تكون للظالم خصما وللمظلوم عونا.. ثم لا أكتفى
بذلك.. بل أناشدك.. أن تعدل الميزان فقد اختل.. وأن تصلح المعيار فقد انقلب..