بقلم : إبراهيم أبو الهيجاء
المخيمات
الفلسطينية سواء تلك المنثورة خارج الوطن ، أو تلك المتجسدة داخل الوطن كالأوتاد
تجد أصالة التاريخ الفلسطيني وخلاصته ، فاللجوء هناك له معنى مختلف عن الأدبيات
الأكاديمية التي تزخر به القضية الفلسطينية أو تلك الشعارات المعلّقة على الجدران
تعلن الوفاء لقضية اللاجئين، وللجوء
هناك أيضا معنى مختلف عن تلك
القرارات الدولية التي يرتفع فوقها
الغبار بعد طول زمن ، ويزيد في صلابة اللاجئ فقره المتراكم مع طول الزمن وكثرة
العيال وتعاظم المسئوليات مما يجعل
إيمانه قويا ونقيا خاليا من كل الأطماع
ولا تؤثر به بالمقابل كل
المغريات ،أما الحكايات
والذكريات لدى كل لاجئ فهي دون
شك تشدك شدا نحو الثابت والأصيل فأرض 1948 التي غدت لدى البعض أرضا أخرى هي تعنى للاجئين الوجود كله ، فاللاجئ لا يعتبرها حالة تراثية مطلوب أن نحفظ أسماءها أو نبكي على
أطلالها ، أو نتحدث عن مآثرها ، هي لديه الوطن أي الماء والهواء الذي بدونه يموت الإنسان ويبقى بلا معنى إن فقده ، كل ذلك صنع من اللاجئ حالة نضالية متميزة وفريدة ، ولو استنطقت
الأرقام وكذا الأحداث لشهدت لتلك المخيمات
بأعلى نسب الشهداء والجرحى والمعتقلين وكذلك بحجم التضحيات والعمليات.
في انتفاضة الأقصى تحولت مخيمات الوطن إلى
قلاع للمقاومة حيث لا سلطة هناك إلا لواجبات الوطن وهمومه ، ارتفعوا هناك عن
الحزبيات الضيقة وتسلحوا بالإيمان
العميق بقضيتهم ، لذا لم تنل منهم
حتى الأجهزة الأمنية الفلسطينية
ورفضوا كائنا من كان أن يتدخل بشؤونهم ، وكان لهم مواقف مشرفة وساطعة في التصدي لكل محاولة لاعتقال أي من أبناء تلك
المخيمات أو من لجأ إليهم وأيا كان فصيله
، وكل ما كانت تدور الدوائر للنيل من وحدتهم كانوا يخرجون أصلب وأكثر عزيمة، وتدريجيا اكتسبت تلك
المخيمات مهابة وحرمة محمية بسلاح
أبنائها الذين نظموا دوريات الحراسة
بالتناوب وبمجموعات مشتركة لم تفرقها حماس عن فتح ، وتزداد الصورة وضوحا وربما
تعجب عندما نعلم أن جل العمليات المشتركة التي كان غريبا أن تشترك بها حماس وفتح
مثلا، كنت تجد لها نموذجا فقط
في مخيمات الوطن ، ومع الزمن وتوحد
الهدف وتجّذر خيار المقاومة و أصبحت تلك
المخيمات ملتقى المناضلين والمطاردين (بكسر الراء) ، كل ذلك هيأ لها لتكون
قائدة العمل الانتفاضي الذي يصّدر
القرار ويصّنع القنابل ويخرج الاستشهاديين ، كل ذلك أزعج المحتل وأرق وجوده ، فمن
جهة هو لا يستطيع اقتحام تلك المخيمات بدباباته حيث البيوت متراكمة والأزقة ضيقة والأهم أن العبوات مزروعة في كل جانب ،
ومن جهة أخرى هو لا يستطيع المغامرة
بجنوده حيث الموت ينتظرهم ،
خاصة أن المتمرسين في تلك المخيمات
مقاومون محترفون ، ناهيك أن لدى المحتل تجارب مريرة معها ومعهم ، ولقد جرب
حظه في مرات كثيرة وفشل ، واليوم هو
يعاود الكرة بدموية أعلى وعنجهية اكبر أملا بالاستئصال ربما أو بالقتل والاعتقال ، وهذا
إن دل على أمر فهو دليل أكيد على الآفاق الضيقة التي وصل إليها الاحتلال وشارون من
خلفه ، فمن يصل إلى أقصى خياراته وأسوأ بدائله فهو دون شك قد وصل إلى إفلاسه ، فحتى لو دخل المحتل
إلى المخيمات بجنوده ورجله وقتل ما شاء من الناس ، فلا نظن أن ثمة حقائق ستتغير
وكما تكلفت إسرائيل كل هذه المشّقة لتدخل هذه المخيمات أملا في نزع سلاحها والقضاء على
مقاومتها ، فهي على كل الأحوال لن
تفلح في تحقيق أي غرض من أهدافها،
فإن نجحت في اقتحام مكان أو
قتل واحد أو اثنين فهي دون شك لن تبقى( أولاً) في المكان طول الزمن( وثانيا )حياة
المقاوم كر وفر هو عائد مرة أخرى
إلى عشه ، لذا كل ما جلبه الاحتلال على نفسه هو زيادة قهر وظلم زادت عدد الملتحقين بركب المقاومة وهذا جيد ، كما أن المحتل
يغفل عن حقيقة أن تلك المخيمات التي تحمل
بين ثناياها الجرح الفلسطيني
الكبير وقضية القضايا ( اللاجئين ) لا يمكن بسهولة
أن تسقط ،فمن سقط سلاحه لا يسقط
إيمانه بالحق الذي يحمله ، فما بالكم إن كان الحديث يدور عن
لاجئ أشد مضاء وأكثر ظلما 0
والدرس الأخير وربما الأهم أن معركة المخيمات
الأخيرة تثبت أمرين مترابطين :
إن معركتنا الحقيقة هي عودة أولئك
المشردين من أرضهم ، والمحتل يطرح
في كل تسوية مقايضة بشأنهم (أي قضية اللاجئين ) ، وبالمقابل تثبت المخيمات بما ملكت من إرادة صمود ومقاومة
أن تجاوزهم خط أحمر كفيل هو الآخر
في تجاوز أيا كان يتجاوز حقهم أو
يتحايل عليها أو عليهم