العودة الى اميركا

 

 

  بقلم: هشام شرابي..

 

(1)

في المطار (مطار دالس - واشنطن) اجد كل شيء هادئا، طائرتنا الوحيدة الهابطة في ذلك الوقت من مساء يوم السبت. استلم حقيبتي خلال دقائق وأسير نحو المخرج الجمركي، في حقيبتي صندوق سيجار كوبي »الممنوع في الولايات المتحدة« اشتريته في مطار بيروت هدية لصديق. في ذهني اعدّ الكلمات التي سأقولها للموظف الجمركي اذا ما فتح الحقيبة. اسلمه جواز السفر واستمارة الجمرك »لا اذكر فيها صندوق السيجار«. ينظر الموظف في الجواز ثم يقول: Welcome home. Sir ادب المعاملة اكثر ما يعجبني بأميركا. اقول في نفسي، لم يتغير شيء، وكأن ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر لم يحدث، لكن سرعان ما اكتشف اني على خطأ.

استقل تاكسي، ثم اكتشف ان سائق التاكسي شاب فلسطيني من العيزرية »ضواحي القدس الشرقية«، اسأله عن اوضاع الجالية العربية في منطقة واشنطن، فيقول: »الناس مش مرتاحة. هناك ناس تريد العودة الى بلادها«، ويلتفت الي قائلا: والفلسطينيين الى اين يعودون؟.

 

(2)

الجو السوريالي الذي يجابهني كلما عدت الى اميركا بعد سفرة طويلة، يبدو لي الان اكثر سوريالية قبل ان اوي الى الفراش افتح التلفزيون ليظهر على الشاشة رجل دين من طائفة الايفانجيليين »الاصوليين المسيحيين« يهاجم الدين الاسلامي، وعند الفجر استيقظ على هدير طائرات الأف 16 تحوّم في فضاء العاصمة.

على صعيد الحياة اليومية لا يعاني العرب الاميركيون من تفرقة عنصرية مباشرة، لكنهم في الوقت ذاته معرضون جميعا الى معاملة خفيّة تذكرني، الى حد ما، بالمعاملة التي تعرّض لها اليهود الالمان في مطلع الثلاثينات من القرن الماضي عند انهيار جمهورية فايمار الديمقراطية وصعود الحزب النازي الى الحكم، وبخاصة في التشريع الموجّه ضد اليهود الالمان »وان كان التشريع الاميركي لا يحدد العنصر العرقي او الاثني«.

ثاني يوم وصولي يخبرني صديق اميركي يعمل في مختبر كامب ديتريك القريب من واشنطن، حيث تصنع مادة »الانتراكس« السامة، ان زميلا له من اصل مصري يحمل شهادة الدكتوراه في الكيمياء وأحد اقدر العاملين في المختبر طرد من منصبه لكونه عربيا »وبالطبع لم يذكر هذا السبب«. ومنذ مدة قريبة جدا، روى لي استاذ معروف من اصل عربي يدرّس في جامعة جورجتاون منذ سنوات، انه وهو واقف في الصف بين عشرات المسافرين لدخول الطائرة في طريقه الى فلوريدا لحضور مؤتمر علمي، اشار اليه احد رجال الامن ان يخرج من الصف ليفتشه ويفتش حقيبة اليد التي كان يحملها والتي فتشت عند دخوله المطار.

واعرف شخصيا تفاصيل حادثة اخرى لاستاذ من اصل لبناني يدرّس في احدى الجامعات الاميركية اعتقل منذ اشهر دون ان يعطى السبب لاعتقاله »كما ينص القانون الجديد الصادر عن الكونغرس الاميركي لمحاربة الارهاب« وهو الان مهدد بالترحيل من الولايات المتحدة.

قال لي سائق التاكسي: »الحياة في اميركا لم تعد جميلة يا استاذ، الحلم الاميركي American dream The تحول الى كابوس«، لكن ربما هناك ناحية ايجابية لما يجري. هناك شعور في الجاليات العربية، بعد احداث 11 سبتمبر، بوحدة المصير وبضرورة التعاون بين الجمعيات والمنظمات العربية الاميركية المختلفة، وهناك ايضا بداية وعي سياسي كان سيستغرق الوصول اليه ربما سنوات عديدة.

لكن المؤسف ان قيادات هذه الجمعيات والمنظمات ما تزال متخلفة عن مواقف جالياتها. انها ما زالت على تفرقها وتنافسها، عاجزة عن تحقيق الحد الادنى من الوحدة والتضامن الذي حققته القيادات اليهودية الامريكية منذ عقود »بما يعرف بمجلس رؤساء الجمعيات اليهودية الامريكية«. هذه القيادات »العربية والاسلامية« ما برحت تتعامل مع السلطة الاميركية »المحلية والفيدرالية« من موقع الضعف والتذلل، لا من موقع المساواة والقانون، كما تفعل القيادات اليهودية، فبقيت علاقتها مع السلطات الاميركية ثنائية »كل جمعية او منظمة بمفردها« لا جماعية، تماما مثل الحكومات العربية في علاقتها بالحكومة الاميركية. ويتطابق موقف السلطات الاميركية »اجهزة الامن، الكونغرس، البيت الابيض« نحو الجاليات العربية الاميركية وقياداتها مع موقفها حيال الحكومات العربية وقادتها: موقف تعال مشوب بالشفقة وبالاحتقار وعدم الاكتراث.

الواقع هو ان العرب المئتين والخمسين مليونا »او اكثر« في العالم العربي، والعرب الملايين الثلاثة في اميركا، لا يشكلون بنظر الاميركيين امرا ذا شأن، ويتعاملون مع دول المنطقة بصفة دول متخلفة لا حول لها ولا قوة، تحت قيادات تسهل الاستهانة بها وتطويعها.

 

(3)

في الصباح اقرأ عناوين الصحف: »اجراءات امنية جديدة في المدن والمطارات«، »ملايين من الدولارات تخصص لحماية واشنطن من الحرب البيولوجية«، »بوش يطالب اضافة 18 مليار دولار على ميزانية الدفاع لمحاربة الارهاب داخل الولايات المتحدة«.

اسبوعان بعد وصولي اقرأ العنوان التالي في الصفحة الاولى من الواشنطن بوست: »الأف بي آي تحذر من عملية ارهابية قد تحدث اليوم: رجل يمني، و16 اخرين قد يشاركون في هذه العملية«.

اتساءل، ما هدف هذه الانذارات المتكررة التي تطلقها دوائر الامن بين الآونة والاخرى وتطنطن بها الاذاعات وقنوات التلفزيون؟ اذا كان هدفها طمأنة المواطنين، فان النتيجة هي العكس تماما. انها لا تؤدي الا الى استمرار حالة التوتر والخوف والجو المشحون بالغضب والكراهية، ربما هذا ما تريده الادارة الاميركية لاسكات الاصوات المعارضة للحرب ضد الارهاب. اما الذي يدفع الثمن فهو العرب الاميركيون والجاليات الاسلامية.

ان الدور المريب في هذا الجو هو الذي تلعبه وسائل الاعلام الكبرى وعلى رأسها النيويورك تايمز والواشنطن بوست، وذلك من خلال ما تبرزه من اخبار وعناوين وما تقدمه من وصف وتحليل، اود ان اقدم مثلا على ذلك من خلال عرض نشرته النيويورك تايمز اول امس لمراسلها في القدس حول وقع عملية وفاء ادريس في الصحافة العربية، بعنوان »الصحافة العربية تمجّد المفجّرة Bomber وتدعوها بطلة«، الحقائق التي يقدمها المراسل صحيحة، لكن اسلوب العرض »لغة مبطنة بالسخرية والاستهزاء« يحول الصورة التي رفعت من معنويات الجماهير العربية واثارت اعمق مشاعر الفخر والاعتزاز في الشارع الفلسطيني، من قصة بطولية لفتاة ضخّت بأغلى ما يمكن ان يضحيه انسان في سبيل شعبه، الى عملية ارهابية »ذهب ضحيتها رجل في الواحد والثمانين من عمره« فاستقبلتها الصحافة العربية بالتصفيق والتهليل مشبهة« الانسة ادريس، 28 عاما.. بالبطلة الفرنسية جان دارك، والموناليزا (!) ومريم العذراء«.

 

(4)

يعلن الرئيس بوش الحرب ضد الارهاب ثم يستهدف.. مَن؟ العرب والمسلمين في اميركا وفي عقر دارهم »لا الارهاب، مثلا، في شمالي ايرلندا او في اسبانيا او في اليونان!« ويجبر حكومات المنطقة العربية والاسلامية على الانضمام الى التحالف الصليبي الجديد، يقف الى جانب شارون ويأمر القيادة الفلسطينية باتخاذ اجراءات »مئة بالمئة« ضد »الارهاب« الفلسطيني، اي ضد شعبه المحاصر والمُحتل.

كان بامكان ادارة بوش ان تعالج قضية الارهاب بأسلوب اخر، كما اشار عدد من المحللين الاميركيين والاوروبيين، مثلا بتنفيذ »مشروع مارشال« جديد في الشرق الاوسط على نمط المشروع الذي نفذته الولايات المتحدة في اوروبا المدمرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ما يمكن المنطقة من محاربة الفقر والتخلف واقامة شيء من العدالة الاجتماعية وتعزيز هيمنة القانون، لكن بوش اختار طريق الحرب والارهاب الامبراطوري، فطالب الكونغرس بزيادة الميزانية الاميركية بعشرات المليارات من الدولارات لا لتنفيذ مشروع مارشال جديد بل لقمع الدول والجماعات التي تقرر الادارة الاميركية انها »ارهابية« او »راعية للارهاب«.

لكن هذه السياسة الخارجية الاميركية ليست جديدة، بل هي استمرار للسياسة الخارجية التي اتبعتها الولايات المتحدة منذ بداية الحرب الباردة - والتي لم تنته بنهاية هذه الحرب - سياسة تقوم على منطق الهيمنة والتدخل العسكري اللذين لا يختلفان عن انماط السيطرة الامبريالية في القرن التاسع عشر والنصف الاول من القرن العشرين »الا في التكنولوجيا الحربية المتطورة التي تملكها اميركا الان«، باختيارها هذه السياسة تفوّت الولايات المتحدة فرصة فريدة ربما لم تسنح مثلها في التاريخ البشري للخروج من عصور الحروب والدمار والدخول في عصر الوفاق والتعاون الانساني الذي اصبحت البشرية قادرة على تحقيقه في القرن الواحد والعشرين.

ادارة بوش وهكذا تسير بضوء القاعدة التي وضعها جورج كنان سفير الولايات المتحدة في الاتحاد السوفياتي نهاية الحرب العالمية الثانية. قال كنان انذاك انه ليس من المستغرب ان تكون الولايات المتحدة، التي تشكل 6.3 بالمئة من سكان العالم وتملك 50 بالمئة من امواله، »هدف حسد العالم وكراهية شعوبه«، حيال هذا الواقع، يتساءل كنان ما هي السياسة الخارجية التي يجب على الولايات المتحدة اتباعها، كان جوابه قاطعا: »سياسة خارجية تمكننا من الحفاظ على الوضع الراهن ومنع اي تغيير جذري فيه (مما يتطلب) ان نتخلى عن عواطفنا واحلامنا الجميلة.. وخداع انفسنا بأننا قادرون على التمتع بمحبة الاخرين وعمل الخير لوجه الله.. يجب ان نتوقف عن التحدث بالكلام الغامض المجرد عن الواقعية، عن ما يسمى بحقوق الانسان ورفع مستوى المعيشة والديمقراطية. سندرك ان تعاملنا »مع الدول الاخرى« يجب ان يقوم على القوة والسيطرة. لذا من الافضل لنا من الان ان نقلل من هذه الشعارات المثالية وغير العملية«.

 

(5)

يحتل صراع الشعب الفلسطيني اليوم مركزا فريدا في الحركة العالمية لمناهضة العولمة، وفي النضال ضد السياسة الخارجية الاميركية بخاصة. وكما قال بيير جلاند رئيس »حركة الخضر الدولية لحماية الشعب الفلسطيني«: »ان كانت حركة مناهضة العولمة عاجزة عن تبني قضية اساسية مثل القضية الفلسطينية فليس هناك حركة يمكن تسميتها بالفعل حركة مناهضة للعولمة«.

يعيش العرب اليوم محنة الشعب الفلسطيني عن كثب، فهم يرون على الفضائيات بالتفصيل كل ما يجري على ارض فلسطين صباحا ومساء، ويسمعون ما يقوله المقاتلون وآباء الشهداء وأمهاتهم: اننا لن نستسلم هذه المرة.

الفلسطينيون باتوا يدركون في اعماقهم ان قبول المشروع الشاروني سيكون نهاية الطريق للشعب الفلسطيني، وان كل ما يتبعه سيكون زائفا. مع كل انتفاضة، منذ العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي حتى انتفاضة اولاد الحجارة وانتفاضة الاقصى، كان الشعب الفلسطيني قادرا على تحويل الامر الواقع وعلى الانتصار. لكن مع كل انتفاضة كانت القيادات »والملوك والرؤساء العرب« تمنع ذلك بتدخلها لايقاف »العنف« بوعودها الشعب بتحقيق مطالبه عن طريق المفاوضات، لم يعد الشعب يصدق هذه الوعود هذه المرة حتى لو عادت المفاوضات فان المقاومة لن تنتهي.

ما الذي يطلبه الشعب الفلسطيني من الحكام العرب في اجتماعهم المقبل في بيروت؟

الشعب الفلسطيني لا يطلب من النخب الحاكمة ما يعرف تماما ان لا قدرة لها على تلبيته، انه لا يتوقع منها الدعم العسكري، ولا الموقف الموحد حيال الولايات المتحدة، ولا تأمين قدر من الحماية الدولية. ما يطلبه الشعب الفلسطيني امرين: تأمين الوسائل والآليات العملية لايصال الاموال التي قطعت الانظمة على نفسها تقديمها الى المدن والقرى الفلسطينية المحاصرة والسماح لجماهير الشعوب العربية للتعبير للعالم عن تضامنها مع الشعب الفلسطيني.