مبادرة الأمير عبدالله ..
بقلم : م.علي حتر
العالم يهتز.. الأمواج تتلاطم.. المد في
غير وقته..وساحات السياسة تغرق.. كل ذلك في شبر من الماء
المبعوثون يتسابقون إلى المنطقة..
والخطوط الساخنة ترن دون انقطاع..
الحمل مخيف.. والمولود يكاد يأتي معكوسا
مما يهدد بولادته ميتا.. ولا تنفع العمليات القيصرية لأن الجسد العربي الحامل له..
واهن ضعيف ممزق..
التطبيع العربي الكامل.. هل من مولود
أجمل من هذا المنقذ الوحيد للكيان الصهيوني؟
تحركي يا نجمة بيت لحم.. ودلي القاصي
والداني.. في أي كهف مؤامرة سيولد هذا المولود المسخ.. مليئا بالدنس.. وبكل أعمال
الشيطان الأمريكي والصهيوني..
رغم ان الرجل الذي تكلم عن المبادرة
ألغاها قبل أن يطرحها.. ورغم أنه وأدها في مهدها.. تعامل الجميع وكأنها غير
موءودة، ونفضوا التراب عنها قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة.. وهم الذين وأدوا كل فكر
حي وإنساني.. بل هاهم يحاولون أن يئدوا يوميا شعبنا العربي كاملا في الأرض
المحتلة..دون أن ينقذه أحد منهم..
لماذا كل هذا الاهتمام بالمبادرة غير
الواقعية؟؟
هناك أسباب كثير ة لذلك..
هي لم تأت من مصر التي فقدت قيادتها في
ساحة الصراع العربي الفلسطيني منذ طبعت قيادتها منفردة باتفاقية كامب دافيد..
وهي لم تأت من الأردن.. الذي فقد تأثيره
على مجريات الأمور في الساحة نفسها منذ مدة طويلة..
وهي لم تأت من أية إمارة أو سلطنة في
الخليج.. أو غيرها من الدول الهامشية..
بل هي جاءت من السعودية.. التي صمدت حتى
الآن ضد التطبيع رغم عمق علاقاتها الوثيقة المميزة مع امريكا
ولأن السعودية قائمة على أرض الإسلام
التي ترفض عقائديا أية علاقة مع الكيان الصهيوني. ولأن السعودية تقود عددا كبيرا
من الدول والتجمعات العربية علنا وتؤثر سرا على عدد آخر منها.
ولهذا هرول الجميع عندما تلفظت السعودية
بكلمة التطبيع..
لأن التطبيع هو الهدف الصهيوني الأول..
منذ هرتزل.. وهو تتويج المشروع الصهيوني بالانتصار وبداية استقراره..
ولأن التطبيع هو نقل المعركة لتصبح بين
الشعوب العربية وأنظمتها، بدلا من أن تكون بين العرب والصهاينة..
ولأن التطبيع هو نهاية الحلم العربي
بعودة ذرة واحدة من تراب فلسطين.. ونهاية الحلم العربي بأي مشروع تكاملي أو وحدوي
مشترك.. ما دام هذا المشروع لا يحظى بموافقة أو مباركة الكيان الصهيوني أو لا يحمل
ختمه.. أو لا ينفذ بقيادته.. وذلك واضح تماما وبأثر رجعي على كل الاتفاقات التي
ارتبط بها كل من الأردن ومصر.. في المعاهدتين المشؤومتين.. وادي عربة وكامب
ديفيد.. العربية العربية، أي ان التطبيع هو صياغة المعاهدات في المطبخ الصهيوني..
ولأن التطبيع هو التنسيق الأمني بين حرس
الحرم الشريف والموساد..
ولأن التطبيع هو بقاء الاتصال البري بين
آسيا العربية وإفريقيا العربية، من خلال شرطي صهيوني ونقطة حدود صهيونية..
ولأن التطبيع هو استعباد الصهاينة لليد
العاملة والمزارعة العربية الرخيصة، واستغلال أراضي العرب ومياههم ومواردهم.
ولأن التطبيع هو انتقال الكيان الصهيوني
إلى الحالة المستقرة ليبدأ نشاطاته التي تشكل جزءا من أهداف الإمبريالية عندما
زرعته في المنطقة..
من أجل كل ذلك وغيره.. هرول الجميع
وتراكضوا.. من عرب و روم..
سولانا، باسم الاتحاد الأوروبي، يقفز
إلى المنطقة بسرعة تؤهله للفوز ببطولة العالم في جري للمسافات بين القارات، يريد
أن يسجل سبقا صحفيا، أو بالأحرى سبقا اوروبيا على أمريكا، ثم يقول بعد ذلك: نحن لم
نر خطة، رأينا أفكارا فقط..
يا للعجب.. إنه لا يكتفي بالتنازل
العربي فقط.. بل يريد من العرب أن يقولوا له حتى كيف يفعل بهم ما يريد..
الناطق الأمريكي يقول في الجزيرة
الفضائية: «سولانا سبقنا ليس لأننا متأخرين، بل لأنه أقرب منا جغرافيا».. (إنه
فعلا سباق)
شارون هو المنقذ الفعلي بسبب غروره
وغبائه وقناعته بتميزه وانتمائه للاختيار الإلهي.. فهو بدل انتهاز الفرصة، راح
يواصل هجومه قائلا لسولانا وغيره: «انا مهتم بخطة السلام.. ولكن بشرط مقابلة
السعوديين أولا»
كما أن الناطق باسمه يقول بوقاحة: «إننا
نرحب بالمبادرة ولكننا لا نقبل العودة إلى حدود 1967إننا نرحب بها فقط لأنها جاءت
من السعودية».
ذلك هو الإحراج.. وتلك هي حقيقة هذا
الكيان الذي يريد العرب الرسميون أن يطبعوا معه..
وشارون وضع الحجر بنفسه في طريق خلاصه
المرحلي.. فالسعوديون لن يقابلوه قبل أن يفعل شيئا..
حتى بيريز حمامة السلام قال: أنا أرحب
بالمبادرة.. لكننا لن نعود إلى حدود 1967 !
حتى مجلس الأمن، تحرك من أجل تلك
المبادرة، التي ألغاها صاحبها قبل طرحها رسميا، وراح يعقد اجتماعاته من أجل
صهيون.. وأنان: حامل ختم قتلة الأطفال في العراق وفلسطين وأفغانستان، يرحب
بالمبادرة..
والقذافي أيضا، اعتبر أن مبادرته التي
طرحها في مؤتمر القمة العربي في عمان هي الأولى بالعناية والاهتمام، حين طرح حلا
مفاجئا غير مفهوم، وهو احتواء الحاوية الصهيونية الكبرى في الجامعة العربية، وهي
القادرة على احتواء كل الاقتصاد العربي، وربما تسميتها بالجماهيرية العربية
الإسرائيلية الشعبية الكيبوتزية ذات النوايا الحسنة المحتلة الديموقراطية
الطبيعية..
وهنا، فإن رئيس وزرائنا يقول أن
المبادرة تحقق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني..!
لقد جعلني كل هؤلاء المتراكضون أتمنى لو
ولدت صهيونيا، لعلني أنال بعض الاهتمام الذي لا أناله كعربي حتى في قريتي
الصغيرة..
السياسة الدولية
إقرؤوا الكلمات يا قادة العرب.. وحللوا
اتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة وادرسوا مسلكيات العدو تجاهها.. وتصفحوا
التلمود لتفهموا عدوكم بدل أن تتصفحوا مكيافيللي لتتقنوا قمع شعوبكم..
حللوا هذا العدو.. فهو لم يغير مواقفه
يوما إلا إلى أسوأ، ولم يحترم أحدا حتى من المتعاقدين معه والمدافعين عنه، ولم
يخضع، فعليا، لأي ضغط دولي..
بدون شك.. نحن ندرك أن هناك علاقات
دولية معقدة، خصوصا بعد أن تسلم حاكم قليل الخبرة والمعرفة ومغرور مثل بوش، وهو
يجمع حوله بعض المعقدين نفسيا مثل باول، غني حرب الخليج الذي يريد أن يثبت للبيض
أنه قادر وأنه معهم في اضطهاد السمر من عرب وغيرهم.. كما يدعمه دوليا ذنب تابع مثل
بلير، حفيد بلفور، وعربي قابل بكل شيء مثل عرفات، وقيادات هربية تعلن رسميا أن
أكثر ما يمكن أن تفعله هو التوسل لأمريكا.. وروسيا مترددة، وأوروبا خائفة.. وأمم
متحدة تحكمها دولة واحدة..
وفي ظل هذا الوضع الدولي.. ومع التحركات
الأخيرة، فإننا نرى أن هناك علاقات تآمرية خفية قد بدأت، ويدل على ذلك سرعة
الزيارات والمحادثات الثنائية، وكلها في السر، بإخفاء كامل متقن عن المواطن
العربي..
هل يمكن فعلا أن يقدم شارون شيئا ما؟
وماهي الضمانات؟
الحكومة الصهيونية ليست مثل الحكومات
العربية، تصيغ القوانين كما تريد لتنفذ ما تريد ضد إرادة غالبية شعوبها. الحكومة
الصهيونية لها مؤسسات وأسس تتبعها وتحاسب عليها داخليا.. وهذا يجعلنا نطرح السؤال
التالي على المهرولين العرب: بعد أن ضم الكيان الصهيوني الجولان والقدس وبعض
المناطق الأخرى، بموجب قوانين، هل يملك المفاوض الصهيوني أن يتنازل عن أي منها دون
العودة إلى تعديل قوانينه؟
ومهما صرخ القادة العرب أو صرحوا في
الصحف والإذاعات للدفاع عن تنازلاتهم وتبريرها، وبموجب القوانين الصهيونية السارية
هل يمكن للعدو الصهيوني أن يعود إلى حدود 1967، وهي الإمكانية التي يبني عليها
القادة والسياسيون العرب مواقفهم السلمية نظريا؟ إنهم يدركون تماما أن هذا العدو
بتركيبته البرلمانية الكنستية، لا يمكنه أن يتنازل عن الأرض التي يضمها، إلا
بالقوة الفائقة، أفلا يراقبون خطواتهم؟
إن الكثيرين من القادة والسياسيين العرب
الذين يريدون أن يبرهنوا عن حبنا كعرب للسلام حتى لو على حساب أرضنا وكرامتنا،
يطرحون حلولا مختلفة تؤدي بمجملها إلى التطبيع، أي إلى قبول عدونا في المنطقة
كدولة طبيعية، على علاته، وذلك لحل المشكلة الفلسطينية التي سئموا منها ومن
إشغالها المستمر للتلفزيونات بدلا من برامج الرقص والغناء.. مما يزعج سهراتهم
وحفلاتهم..
إن وجود الكيان الصهيوني مبني أصلا على
أركان هامة يتعارض وجودها مع أية حلول يمكن لعربي أن يقدمها، حتى لو كانت التنازل
عن أرض فلسطين بالكامل..
إن شعب الله المختار (كما يقول) لن يقبل
بالتساوي والندية، في ظل ضعفنا، ولن يقبل التنازل عن الجولان حتى لو تنازلتم له عن
فلسطين.. لأنها جزء من أرض الميعاد، ولن يقبل أن تستقلوا وتكونوا أحرارا لأنكم
تهددون بذلك أمنه.. يوما ما..
انه لو جعلتموه طبيعيا، فسيجعلكم غير
طبيعيين.. وادرسوا التاريخ مرة أخرى قبل أن تطلقوا مبادراتكم..
الأخطاء القاتلة في الدبلوماسية العربية
من الأخطاء القاتلة في الدبلوماسية
العربية، وهو ما ينعكس على كل علاقتها بالصراع العربي الصهيوني، ويؤدي إلى الهزيمة
تلو الهزيمة:
الهوة العميقة بين ما تفكر به القيادات
وما يفكر به الشارع العربي، مما يفقد هذه الدبلوماسية مصداقيتها لدى الأجنبي،
ويفقدها دعم المواطن لمشاريعها محليا.
عدم إيمان هذه القيادات بقدرة الشعب على
العطاء للدفاع عن قضاياه، رغم ما يبرهنه أهلنا في الأرض المحتلة كل يوم.
التعامل مع كل تفصيلة من القضية، بشكل
منفصل معزول عن القضايا الكبرى الرئيسية، مثل أن تتعامل بالتطبيع مع عدو يحتل
أرضك، أو أن تحول احتلال أرض كاملة إلى مفاوضات حول جزء أو فك حصار
كذلك من أكبر وأهم الأخطاء العربية،
السقوط في فخ المراحل مع الزمن، ففي حين كان الهدف يوما ما التخلص من نتائج
اتفاقية سايكس بيكو، أصبح الهدف الدفاع عن كل إقليم من نتائجها على حدة. وفي حين
كان الهدف العودة إلى ما قبل 1948، أصبح الهدف في مرحلة ما تحرير سيناء وحدها
بالنسبة للجبهة المصرية واكتفت بذلك عمليا، وتخلت عن غزة التي كانت في حمايتها.
وأصبح الهدف بالنسبة للأردن حماية حدود جديدة بعد فك الارتباط، نتج عنها التخلي عن
كل الضفة الغربية للكيان الصهيوني الذي أصبح صديقا تحميه القوانين.. أما الجولان،
فتكاد تتحول إلى شكل آخر من أشكال الاسكندرونة..واصبح الهدف المرحلي حدود 1967
قابلا للتخفيض.. لأن هذه الحدود لم تعد قابلة للتعريف بعد فك الارتباط وبعد
مفاوضات عرفات مع الصهاينة للحصول على أية نسبة مقبولة يتنازل عنها العدو باشراف
المخابرات الأمريكة.. أي أن المبادرة السعودية الأخيرة تحمل في داخلها لغما هو
تعريف حدود 1967 ومرجعيته، لأن الوضع لم يعد موجودا على الجانب العربي أصلا.. إنه
لغم خطير قابل للانفجار.. ولكن بمن سينفجر.. إن عدونا محصن سلفا ولكننا غير محميين
بتاتا من نتائجه..
الهرولة العربية
هل هم مساكين هؤلاء القادة والسياسيون
العرب؟.. ماذا دهاهم.. حتى أن بعضهم راح يصرح أن مجرد سماح شارون لعرفات بحضور
مؤتمر القمة يعتبر مؤشرا عن حسن نوايا الصهاينة تجاه العرب..
وآخرون يقولون في الفضائيات أننا لا
نملك إلا التوسل لأخذ جزء من حقوقنا..
أين ذاكرتهم ونحن ما زلنا نعيش الأحداث
الدامية التي تؤكد كل ما قرأتم وقرأنا يوما ما عن هذا العدو.. وعن استمراريته في
العدوان التي تشكل مبرر بقائه؟
هل أصبحوا جميعا جزءا من المشروع
الهرتزلي..
ألا يقرؤون التلمود؟ ألا يتابعون
الإعلام؟
هل هم فعلا غير معنيين بمستقبل الأمة،
حتى لو كان أحفادهم هم الضحايا.. وهل يعتقدون أنهم قادرون على نقل أحفادهم مثل
أرصدتهم إلى بنوك أجنبية؟
لماذا
يخضعون دائما للضغوط الدولية.؟ الباكستان ورغم ضعفها مقارنة بالعالم العربي، لم
يتمكن كل العالم من حملها على إزالة مشروعها النووي..
لقد أوصلت الانتفاضة العدو الصهيوني إلى
مأزق فعلي، ولأول مرة منذ نشأ.. وأفقدته سيطرته على نفسه،وارتفع قتلاه إلى 30% من
مجموع القتلى والشهداء في المواجهات غير المتوازنة.. وهي قابلة للارتفاع بدعم بسيط
يقدم للانتفاضة..
لا يوجد مأزق فلسطيني أو عربي في هذه
المرحلة، لأن المأزق موجود منذ عام 1917. فلماذا يتدخل الجميع خلال أشهر لإنقاذ
الصهاينة من المأزق الفعلي، ولم يتدخل أحد بشكل فعلي صادق منذ بداية القرن
العشرين؟
أنكم تملكون كل الأسلحة اللازمة أيها
العرب وفي مقدمتها الإنسان الذي يبرهن كل يوم في فلسطين وجنوب لبنان والعراق قدرته
على الصمود والتحدي، وتملكون أسلحة النفط والمال التي استعملتموها مرة واحدة في
السبعينات فحسب العالم لكم الف حساب.. فلماذا لا تستعملون اليوم إلا سلاح الذل
والتوسل؟؟.