من فقه الأولين

كنتم سرج البلاد!!

 

بقلم :  عبد الله فرج الله

 

تكلم الفضيل بين عياض في حضرة من العلماء كان منهم سفيان بن عيينة، رحمهم الله جميعاً، فقال: «كنتم معشر العلماء، سُرج البلاد يستضاء بكم، فصرتم ظلمة، وكنتم نجوماً يهتدى بكم فصرتم حيرة، ثم لا يستحى احدكم ان يأخذ مال هؤلاء الظلمة، ثم يسند ظهره، يقول: حدثنا فلان عن فلان».. فقال سفيان: «لئن كنا لسنا صالحين فانا نحبهم».

 

هذا الفضيل الذي قال: «لأن اطلب الدينا بطبل ومزمار، احب الي من ان اطلبها بالعبادة».. بعد ان رأى جموع الطالبين يتزاحمون على ابوابها، من العلماء وطلبة العلم!!.

 

هذا الفضيل الذي جاءه هارون الرشيد، فاذا هو قائم يصلي يتلو آية يرددها، فقرع الباب، فقال: من هذا؟ فقيل : أجب أمير المؤمنين، فقال: ما لي ولأمير المؤمنين فقيل: سبحان الله أما عليك طاعة؟!.. فنزل وفتح الباب، ثم ارتقى الى الغرفة، فأطفأ المصباح، وحين وصلت كف هارون اليه، قال: يا لها من كف ما ألينها ان نجت غداً من عذاب الله عز وجل.

 

ثم قال: ان عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة، دعا سالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب القرظي ورجاء بن حيوة، فقال لهم: اني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا علي، فعد الخلافة بلاء، وعددتها انت واصحابك نعمة.

 

ثم قال: «يا أمير المؤمنين: بلغني ان عاملاً لعمر بن عبد العزيز شكا اليه، فكتب اليه عمر: يا أخي أذكرك طول سهر أهل النار في النار، مع خلود الابد، واياك ان ينصرف بك من عند الله، فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء فلما قرأ الكتاب طوى البلاد، حتى قدم على عمر، فقال له: ما أقدمك: قال: خلعت قلبي بكتابك لا أعود الى ولاية ابدا حتى ألقى الله عز وجل».

 

فبكى هارون بكاء شديداً، وقال له زدني -رحمك الله- فقال: يا حسن الوجه، أنت الذي يسألك الله عز وجل عن هذا الخلق يوم القيامة، فان استطعت ان تقي هذا الوجه من النار فافعل، واياك ان تصبح وتمسي وفي قلبك غش لاحد من رعيتك».

 

فبكى هارون وقال له: عليك دين؟ قال: نعم، دين لربي يحاسبني عليه، فالويل لي ان سألني والويل لي ان ناقشني، والويل لي ان لم ألهم حجتي قال: انما أعني دين العباد، قال: ان ربي لم يأمرني بهذا، امر ربي ان اوحده واطيع امره..

 

فقال له: هذه الف دينار خذها، فأنفقها على عيالك وتقو بها على عبادتك.

 

فقال: سبحان الله، انا ادلك على طريق النجاة، وانت تكافئني بمثل هذا؟ سلمك الله ووفقك».

 

حقاً ان العلماء حين يتكلمون بكلام نقي، من قلب تقي، معرضين عن متاع الدنيا، غير ناظرين الى تحقيق مصالح خاصة، او جلب منافع ذاتية، او تبوء مواقع دنيوية، فانهم حقاً يكونون سرج البلاد، والنجوم التي يهتدى بها، تشد اليهم الرحال، وتهوي اليهم الافئدة، تدمع لسماع مواعظهم العيون، وتخشع في مجالسهم القلوب.

 

ما اعظم العلماء!! حين يكونون علماء آخرة، خلصت نفوسهم من حظوظها، انهم بهذا يكونون السادة الذين يقولون فيسمع قولهم، ويأمرون فيطاع امرهم،ويتربعون بلا منازع على عروش القلوب.

 

وهذا هارون يؤكد هذا بقوله حين خرج من عند الفضيل مخاطباً رفيقه: أبا عباس، اذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا، هذا سيد المسلمين!!

 

نعم هذا هو سيد المسلمين، اما اولئك العلماء الذين يتكسبون بعلمهم، ويتملقون لذوي الجاه والسلطان، ويتزاحمون على ابوابهم، ويقبلون هباتهم واعطياتهم، فما هم بالسادة ابداً، وما احسن ما قاله هارون بعد ان زار في حجه سفيان بن عيينة وعبد الرزاق بن همام رحمهم الله اللذين اسرعا بالاجابة، حين علما ان الطارق هو امير المؤمنين فقال كل واحد منهم يا امير المؤمنين لو ارسلت الي لاتيتك.

 

وحين سأل كل واحد منهما:عليك دين؟ أجابا بنعم، فقال في كل منهما، بعد ان قضى دينهما: «ما اغنى عني صاحبك شيئاً، انظر لي رجلاً آخر».

 

لكنه أقر بأن الفضيل بعفته وزهده وورعه وتقواه بأنه سيد المسلمين.