افكار الامير عبدالله والرد الصهيوني

 

بقلم :  فؤاد دبور

 

استحوذت افكار الامير عبدالله بن عبدالعزيز ولي عهد المملكة العربية السعودية، المتعلقة بالبحث عن صيغة حل للصراع العربي الصهيوني، على اهتمام العديد من الدول العربية ودول المنطقة والعالم، واحدثت تفاعلات وردود افعال واسعة في الاوساط السياسية والاعلامية لهذه الدول. وعندما نطلق عليها افكارا، وليس مبادرة، لان سمو الامير نفسه قال للصحفي الامريكي توماسي فريديمان عندما التقاه في الرياض في النصف الثاني من شهر شباط الماضي عند سؤاله عن رؤيته عن الصراع العربي - الصيهوني، »لقد كتبت افكارا مدونة لاعرضها على القمة العربية القادمة في بيروت وهي موضوعة في الدرج وصرفت النظر عنها بسبب الممارسات الارهابية والحرب الدموية التي يشنها شارون وحكومته على الشعب العربي الفلسطيني في الاراضي المحتلة وتتضمن هذه الافكار انسحاب قوات الاحتلال من كامل الاراضي العربية المحتلة عام 1967م، مقابل تطبيع العلاقات العربية مع »اسرائيل«.

والتقط فريدمان هذه الافكار وسارع الى نشرها في صحيفة نيويورك تايمز الامريكية في السابع عشر من شباط ولكن ماذا كان رد قادة الكيان الصهيوني على هذه الافكار »المبادرة«؟

اهتم الصهاينة فقط بالجزء المتعلق بتطبيع العلاقات العربية مع كيانهم واستثمروه ووظفوه كعادتهم لتحقيق مصالحهم ومشروعهم ومخططاتهم واهدافهم، كان رد فعل موشي كاتساف رئيس الكيان الصهيوني، مرحبا بزيارة يقوم بها الامير عبدالله الى الكيان الصهيوني او ان يقوم ولي العهد بدعوته هو الى المملكة العربية السعودية للبحث والمناقشة في هذه الافكار، واضاف قائلا: ان هذه المبادرة تلحظ تصحيحا للحدود وتتجنب الدعوة لعودة اللاجئين الفلسطينيين، ولم يتطرق كاتساف اطلاقا الى الجزء الاول المتعلق بالانسحاب من الاراضي العربية المحتلة عام ،1967 وهكذا كان رد فعل الارهابي شارون، رئيس الحكومة الصهيونية، الذي طالب باجراء لقاء علني او سري مع مسؤول سعودي للاطلاع على تفاصيل المبادرة التي تتضمن تصحيحا للحدود يحل موضوع المستوطنات ولا ندري كيف استنتج شارون ومن قبله كاتساف مثل هذا التصحيح.

وتوالت تصريحات قادة الكيان الصهيوني على نفس النهج بل ذهب بعضهم الى التشكيك في نوايا الامير عبدالله معتبرا ان ما يطرحه الامير ما هو الا بالون اختيار، وجس نبض يستهدف تحسين مكانة السعودية في الولايات المتحدة الامريكية سواء ازاء الادارة الامريكية او الاوساط الاعلامية فيها وكان الوزير الليكودي بلا وزارة داني نافيه الاكثر وضوحا في موقفه، حيث اكد على ان الصهاينة لا يمكنهم القبول بالعودة الى خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وان ما يطرحه الامير عبدالله لا يخرج عن كونه مناورة.

ان مواقف وتصريحات قادة الكيان الصهيوني، والتي حولت افكار الامير عبدالله الى قضية علاقات عامة وزيارات متبادلة والتركيز على عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني مع التأكيد على التمسك بالاحتلال او تجاهل قضية احتلال الارض، جوهر الصراع، تعبر عن نهج الصهاينة ومخططاتهم وتفكيرهم ومناوراتهم للالتفاف على الانسحاب من الارض المحتلة بل ومحاولة مفضوحة ومكشوفة لتجييرها لصالحهم.

هذا ما عبر عنه قادة الكيان الصهيوني في الجانب السياسي، اما الرد في الجانب العسكري فقد تم التعبير عنه بتصعيد الحرب الدموية البشعة ضد الشعب العربي الفلسطيني وبشكل غير مسبوق، منذ انطلاقة الانتفاضة الباسلة، وركزوا وحشيتهم وعنفهم وتعطشهم للدماء على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين لانها تمثل خزانا ورافدا اساسيا لابطال المقاومة والاستشهاد من جهة ولكونها رمزا حيا وشاهدا على جريمة الصهاينة الكبرى في طرد وتشريد ابناء الشعب العربي الفلسطيني من مدنهم وقراهم ومنازلهم ويحتم بقاء هذه المخيمات على الصهاينة الالتزام بتنفيذ قرار هيئة الامم المتحدة رقم 194 الصادر عام 1948 والذي يؤكد علي حق اللاجئين بالعودة الى ارضهم اما موقف حلفائهم في الادارة الامريكية من افكار ولي العهد السعودي، فلم يبتعد كثيرا عن مواقف الصهاينة، حيث اعلن كولن باول وزير الخارجية الامريكي عن رفضه، وبطريقة دبلوماسية، للجزء الاول المتعلق بالانسحاب الكامل من الارض، عندما قال، بان قضية الارض تقع في دائرة المفاوضات حولها بين الاطراف المعنية هذا ما اكدته رايس ايضا، وذهب الناطق باسم وزارة الخارجية الامريكية ريتشارد باوتشر ابعد من ذلك في التعبير عن هذا الرفض الدبلوماسي باعلانه ان الاراضي السورية المحتلة تقع خارج هذه المبادرة مع ان المبادرة اكدت على شمولية الانسحاب من كامل الاراضي العربية المحتلة، اثر عدوان الخامس من حزيران عام 1967 في فلسطين وسورية ولبنان.

ان قادة الكيان الصهيوني يدركون تماما، ان الامير عبدالله بن عبدالعزيز، لا يمكن بل من المستحيل ايضا ان يوجه الدعوة لاي مسؤول صهيوني لزيارة المملكة العربية السعودية ودماء العرب والمسلمين تقطر من يديه.

كما يدركون تماما، ان ولي العهد السعودي يعرف حق المعرفة ان السلام الذي يقبل به العرب هو السلام المستند الى الحق والعدل، السلام، الذي يعيد الارض العربية المحتلة 1967 كاملة، ويعيد حقوق الشعب العربي الفلسطيني كاملة وغير منقوصة في العودة وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة التامة فوق ارض فلسطين وعاصمتها القدس.

وهذا الموقف العربي انما هو الموقف المستند الى قرارات الشرعية الدولية ،242 ،338 ،194 ومبدأ الارض مقابل السلام.

ونقول، ونحن نعرف الواقع بابعاده كاملة انه اذا كانت ضرورات العمل الدبلوماسي والسياسي تتطلب من العرب مخاطبة الرأي العام الدولي بعامة والامريكي بخاصة، والعمل على تعرية نهج قادة الكيان الصهيوني وسياساتهم وممارساتهم المعادية للسلام والانسانية، فهم انما يقومون بذلك في سياق التمسك بالثوابت والحقوق العربية كاملة، وهذا ما عبر عنه العرب مرارا وابدوا استعدادهم لتحقيق السلام الذي يعيد هذه الحقوق وهم بذلك لا يتحملون مسؤولية وصول التسوية الى الطريق المسدود، فالصهاينة هم الذين اغلقوا ابواب التسوية، وهم الذين يدفعون بالمنطقة والعالم الى حافة الانفجار والكارثة، وما على المجتمع الدولي بعامة والادارة الامريكية بخاصة، اذا ما ارادوا فعلا وحقا تجنيب المنطقة والعالم هذه الكارثة، الا توجيه الضغط على قادة الكيان الصهيوني لوقف مجازرهم الدموية ضد الشعب العربي الفلسطيني في الارض المحتلة والزامهم بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية دون لف او دوران، ونعتقد جازمين بان مثل هذه المواقف الدولية تحتاج الى موقف عربي واحد موحد متمسك بحقوق الامة العربية كاملة ويتحرك ويتعامل مع المجتمع الدولي على اساس الحفاظ على مصالح هذه الامة وحقوقها المشروعة.