كن مع أميركا.. وافعل ما شئت

 

بقلم : الياس سحاب 

 

لا شك بأن الحياة الدولية، تمر في واحدة من أسوأ مراحلها في العصور الحديثة، بل ربما هي الاسوأ، في مجال هيبة القانون الدولي، وثقة شعوب الدول المتوسطة والصغيرة بقوة القانون الدولي.

ولو نحن استعرضنا حصيلة بيانات الخط البياني لصعود وهبوط هيبة القانون الدولي في القرن العشرين، مرورا بمقدمات ونتائج الحرب العالمية الاولى، ثم مقدمات ونتائج الحرب العالمية الثانية، ثم مقدمات ونتائج الازمات الدولية الكبرى، من الحرب الكورية الى حرب فيتنام الى القضية الفلسطينية، فإننا سنكتشف ان ما يجري الآن من تفريغ للقانون الدولي من هيبته وقدرته وحياده، وتحويله مرة اخرى الى أداة مكشوفة، ورخيصة في كثير من الاحيان، بيد الدول الكبرى (هذه المرة الدولة الكبرى الوحيدة) يشير الى ما هو أفدح من كبوة يتعرض لها القانون الدولي، في محطات معينة، ثم ما يلبث ان ينهض من تلك الكبوة، ويعاود مسيرته الى الأمام. وسنكتشف ان حركة تقدم وتأخر قوة القانون الدولي وأثره الفعال في الحياة الدولية، لا تسير الى الأمام، بل تسير في اتجاه دائري مغلق. واننا في الوقت الذي نريد فيه ان نتوهم أننا وصلنا مع نهاية القرن العشرين، وبداية القرن الحادي والعشرين، الى ذروة غير مسبوقة في سيادة القيم الحضارية المعبر عنها بيافطات ضخمة مثل حقوق الانسان، ومنع الارهاب، وملاحقة مجرمي الحروب مهما علا شأنهم (رئاسة الجمهورية مثلا)، ومهما مر الوقت على جرائمهم (بينوشيه مثلافاننا نكتشف عمليا أننا انما نعيش حضيضا من تراجع لا سابق له في إلغاء كل ما أنجزته البشرية حتى الآن من تراكم في قيمة وقوة وهيبة القوانين الدولية، بتحويل هذه الانجازات برمتها الى رصيد في بنك القوة الامبراطورية الاميركية، تفعل به ما تشاء، وتُنعم بفتاته على من تشاء.

اعتقدنا لوهلة، ان القضاء الاسباني، بالتعاون مع القضاء الانكليزي، قد فتح كوة أمل عندما بدا كأنهما سيتعاونان في محاكمة أخلاقية قانونية متأخرة لواحد ممن ارتكبوا جرائمهم الجماعية بحماية أميركا وتحريض ودعم منها، وفي سبيل مصالحها العليا في قارة اميركا الجنوبية. ولكن الضغوط الخفية تحركت، وعاد الأمل الى القمقم.

ومنذ ان قبض على ميلوسوفيتش، وطبول الدعاية الاميركية تقرع في آذاننا ليل نهار للتأكيد على ان حاكم صربيا السابق، انما اعتقل بقوة القانون الدولي، لا بقوة الهيمنة الامبراطورية الاميركية، وأنه سيحاكم ويلقى جزاءه بمعايير العدالة الانسانية، لا بمعايير المصالح الامبراطورية الاميركية.

ولما تحرك القانون الدولي (من خلال المحاكم البلجيكية) لمحاكمة وزير كونغولي سابق، (من الواضح ان ليس لأميركا مصلحة في محاكمته)، تحركت محكمة العدل الدولية لتعلن ان للوزراء السابقين حصانة تمنع عنهم المحاكمة الدولية.

ولا يرف لأحد جفن، ولا يتساءل أحد كيف ان لوزير سابق من الحصانة، ما ليس لرئيس دولة سابق. وان كنت ممن يعتقدون بأن ميلوسوفيتش يستحق المحاكمة، ولكن بمعايير القانون الدولي المحايد، لا بمعايير المصالح الامبراطورية الاميركية المغرضة.

طبعا، لا يمكن هنا إغفال العلاقة المباشرة بين منع المحاكمة البلجيكية عن الوزير الكونغولي السابق، وإلغاء احتمالات محاكمة شارون أمام القضاء نفسه، ومن المؤكد ان الوزير الكونغولي الذي لا وزن له غالبا في ميزان المصالح الامبراطورية الاميركية، كان سيلقى مصيرا أسود، لولا حاجة واشنطن الى منع المحاكمة عنه، لمنعها عن سواه.

ما اسوأ هذا الذي يحدث. ولكن في بقعة أقرب إلينا من حبل الوريد (في فلسطين) يحدث ما هو أسوأ من ذلك. يحدث ان واشنطن التي تضغط منذ العام 1967، بكل ما لها من قوة عظمى، لحماية الاحتلال الاسرائيلي للأراضي العربية، ودعمه ومده بكل ما يثبته ويكرسه ويحميه، تنبهت مؤخرا الى ان ميثاقا من مواثيق القانون الدولي (اسمه اتفاقيات جنيف للعام 1954 بشأن تنظم أحوال الاراضي المحتلة)، يمنع كل ما تفعله إسرائيل في غزة والضفة الغربية، بحق الارض والبشر، ويحظر نهائيا وجود المستعمرات الاسرائيلية في تلك الأراضي.

وبما ان معظم أفراد أسرة المجتمع الدولي قد بدأت منذ مدة ترفع الصوت، ولو خافتا، للتذكير باتفاقيات جنيف، وضرورة تطبيقها حرفيا على ما يحدث في فلسطين المحتلة، وبما ان شرائح في المجتمع الاسرائيلي نفسه، مدنية وعسكرية، بدأت هي الاخرى تصف الوجود الاسرائيلي في غزة والضفة بأنه احتلال لا بد من إنهائه، أخذت واشنطن تلوح بضرورة تعديل اتفاقيات جنيف.

ماذا إذن؟ إذن، ليست نصوص القانون الدولي هي المرجع العملي، ولم يعد هناك في الحياة الدولية سوى مرجع عملي واحد هو مصالح الولايات المتحدة الاميركية، فاذا كنت مع هذه المصالح، بوسعك ان تفعل ما تشاء، فترتكب الجرائم الجماعية وتحتل ما شئت من أوطان سواك، ودمر بيئة الكرة الارضية تدميرا، وتاجر بالسلاح والمخدرات، وبيّض ما شئت من أموال، دون ان تخضع لأي محاسبة، بل تحظى بكل الدعم المادي والمعنوي للدولة العظمى. اما اذا لم تكن مع تلك المصالح، فإنك ستقاد مخفورا الى المحاسبة على أي شيء تفعله، حتى لو كنت ترفع يافطة ترفض احتلال بلادك، فكيف اذا كنت ترفع الحجارة او السلاح في وجه هذا الاحتلال؟

هذا هو واقع القانون الدولي في السياسة الدولية في مطلع القرن الحادي والعشرين، حتى إشعار آخر: كن مع أميركا وافعل ما شئت.