شارون.. والصعود إلى الهاوية

 

بقلم : واصف عواضة 

 

كل يوم يؤكد اليوم الذي سبقه، من أن أرييل شارون مجرم بامتياز، وأحمق بامتياز، ومجنون بامتياز.

مجرم، ولا يختلف اثنان في ذلك، ليس لأنه خبير محلّف في سفك الدماء، دماء العرب والفلسطينيين منذ بدأ حياته العسكرية في فلسطين، بل لأنه أيضا يسفك دماء اليهود يومياً ومن دون رحمة، وتحت حجة حماية أمن إسرائيل وشعبها المختار.

وشارون أحمق لأنه ما يزال مصراً على أنه يستطيع إبادة الشعب الفلسطيني، كل الشعب الفلسطيني، فتستريح إسرائيل نهائيا في أرض فلسطين. وهو أحمق أكثر، حين يعتقد أنه يمكن إبادة شعب بكامله، ولعله لم يأخذ العبرة من الشعب اليهودي نفسه الذي تعرض أكثر من مرة لمحاولات إبادة. هكذا يقول التاريخ.

وشارون مجنون لأنه يركب رأسه كل يوم ويعتقد أن حربه على الفلسطينيين ستدفعهم إلى إلقاء سلاحهم ورفع الرايات البيض والاستسلام لإرادته وشروطه. ومجنون أكثر إذ يعتقد ان التفاوض بهذه الطريقة، يوصل إلى نتيجة.

قبل شارون، كان أدولف هتلر، يعتقد ان في إمكانه السيطرة على العالم، فأرسل عسكره شرقاً وغرباً وفي كل الاتجاهات، وانتهى به المصير في قبو في أحد أبنية برلين، منتحراً برصاصة في الرأس، وما تزال ألمانيا من بعده تعاني عقدة النازية، وتدفع الأثمان نتيجة إجرام هتلر وحماقته وجنونه، ومن بين هذه الأثمان <<خوّة موصوفة>> لليهود على خلفية المحرقة المزعومة بحق <<شعب الله المختار>>.

وقبل هتلر وبعده، زخرت صفحات التاريخ بالكثير من المجرمين والحمقى والمجانين، ممن أتاحت لهم الفرص، الوصول إلى القيادة، فأعملوا في الناس والشعوب ضرباً وتقتيلاً ومذابح، لكنهم انتهوا في مزابل التاريخ، ولم يفن شعب واحد من ضحايا هؤلاء.

صحيح أن شارون اليوم، ينتهز فرصة ثمينة، متأتية عند موقف دولي داعم تمثله الولايات المتحدة الاميركية، وحياد دولي آخر هو أقرب إلى العجز تمثله أوروبا والأمم المتحدة ودول أخرى، يرافقه شلل <<أخوي>> تمثله أمة محيطة بفلسطين، عاجزة عن فعل ما يحفظ ماء الوجه. إلا أن الصحيح ايضا ان الفلسطينيين قرروا تجاوز الدعم الاميركي والعجز الدولي والشلل العربي، والخروج من دائرة الرهان السياسي على الحلول السلمية. وهذا ما <<يقوله>> الشعب الفلسطيني يوميا، ليس عبر وسائل الاعلام، بل على الارض في كل شبر من الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ما حمل ويحمل القيادة الفلسطينية التي راهنت طويلا على الاتفاقات والمعاهدات والمفاوضات، على الالتحاق بهذا الشعب.

مؤسف جدا كلام الرئيس الاميركي جورج بوش الذي قاله في الساعات الماضية. وأكثر من ذلك هو كلام <<فاجر>>.. فالرئيس الاميركي الذي يشهد يوميا المذابح الاسرائيلية ضد الفلسطينيين يقول: <<يجب ان يفعل عرفات كل ما في وسعه لإقناع أولئك الفلسطينيين بأن يلقوا أسلحتهم>>.

مثل هذا الكلام لا ينمّ فقط عن <<فجور اميركي>>، بل فيه الكثير من الحماقة والجنون، فضلا عن التحيّز الساخر. فمن قال للرئيس الاميركي ان عرفات هو الذي يرسل هؤلاء <<المجانين>> ليفجّروا انفسهم بالاسرائيليين؟ ومن قال له ايضا ان عرفات هو الذي يسلح هؤلاء، كي يدعوهم الى إلقاء السلاح، او على الأقل يقنعهم بذلك، الا اذا كان بوش ما يزال يراهن على حرب اهلية فلسطينية، لم يثبت مرة واحدة ان الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة مستعد للذهاب إليها بإرادته، او حتى رغماً عنه؟

إن المعادلة القائمة في فلسطين اليوم تنبئ بغد أفضل.. نعم بغد أفضل على الرغم من الثمن الباهظ الذي يدفعه الشعب الفلسطيني يوميا. ويمكن اختصار هذه المعادلة كما يلي: <<ليس عند الفلسطينيين ما يقدمونه لشارون بعد اليوم، وليس شارون بقادر على تحقيق مكاسب من حربه على الفلسطينيين>>.

والمنطق يقول إن من لا شيء لديه، لا يخاف على شيء. وحده الذي يملك كل شيء، يخاف على اي شيء. وهذا هو واقع اسرائيل. وإذا كان شارون يفكر بعد بالصعود، فهو صعود الى الهاوية.. وإن غداً لناظره قريب.