ليبدأ المحتلون في الرحيل

 

بقلم : عدلي صادق

 

بدت تعليقات المصادر العسكرية الاسرائيلية، علي العمليات الفلسطينية الأخيرة، رعناء، ومثيرة للسخرية. فأحد هذه المصادر يقرر من جانبه، أن العمليات لم تأت رداً علي ما حدث في مخيمي بلاطة وجنين. وكان مثيراً للاستغراب، كيف تمكن الفدائي الفلسطيني نفسه، المسلح ببندقية كاربين أن ينسحب، وأن لا يترك لدي العدو ملمحاً واحداً من صورته، وفي الوقت نفسه يقول المتحدث العسكري الإسرائيلي، كلاماً معناه أنه علي معرفة بدوافع الفدائي، وأن العملية لم تأت رداً علي جرائم حدثت، في مخيمي جنين وبلاطة!

يحاول شارون، من خلال هذه الرعونة الدموية، مع سخافة المنطق وسفالته، الهرب من النتائج التي توصل اليها معظم الإسرائيليين، وهي أن مسألة الأمن العبري، لن تجد لها حلاً من خلال الجيش ولا من خلال القتل. وأن ترك شارون وموفاز وغيرهما، يمارسون غرورهما، لن يجلب علي الإسرائيليين سوي المزيد من الكوارث. ومثلما قال ناحوم برنييع (في يديعوت أحرينوت أمس) أن الشعبين، الفلسطيني والإسرائيلي أصبحا طرفي الحرب المباشرين، وأن اللعبة لم تعد سياسية فلا شارون أفلح في شيء، ولا عرفات بإمكانه ضبط عمليات الرد . ويمكن قول هذا الكلام، في سياق وضع التوقعات لما يمكن أن يتمخض عنه، لقاء بين عرفات وشارون ـ في حال انعقاده ـ برعاية مصر. فالأمور سوف تبدأ في الاتجاه الي التهدئة، من خلال تغييرات علي الأرض، يقوم بها العدو، ويلمسها الناس. وليست هذه الأمور، هي تلك التدابير المتعلقة بتسهيلات طفيفة وشكلية، علي الطرق، وعند المعابر وغيرها، وإنما بإعادة الانتشار فوراً، لكي يعود الوضع الي ما هو أبعد (في اتجاه الإنسحاب النهائي) من خطوط 28 ايلول (سبتمبر)، دون العودة سياسياً الي حالة الانسداد، التي كانت قبل ذلك التاريخ.

 

ہ ہ ہ

 

نعرف أنه لم يتبق إلا سبب واحد، يستطيع شارون تسويقه، لكي يعطل الإنسحاب السريع من معظم مناطقنا، توطئة للمباحثات الجادة، حول الحل الشامل. هذا السبب، هو الخوف الإسرائيلي من تذوق الفلسطينيين لطعم النصر الذي سيغريهم بمواصلة العمل حتي بعد التسوية المتوازنة. لكن شارون يكذب عندما يتجاهل العناصر التي تتشكل منها الأهداف الوطنية الفلسطينية لهذه المعركة. ويتجاهل شارون، أن الشعب الفلسطيني تعامل بإيجابية، حتي مع أكاذيب أوسلو وخداعها، مُلاحقاً العيّار الي باب الدار. فعلي الأقل، لم تشهد بلادنا أية عمليات تُذكر، فيما كان شبابنا يُسيّرون دوريات مشتركة مع الجنود الإسرائيليين، وكان الفلسطينيون ينتظرون نتائج التسوية، لكن الذئب العجوز بيرس، الذي اتبع الطرق الملتوية، ومن بعده المهووسون المعتوهون، من شاكلة نتنياهو وباراك الذين جاؤوا قبل شارون، حاولوا التهرب من استحقاقات التسوية، وخدموا ـ بغبائهم ـ من خلال إنقلابهم علي التسوية، كل الراغبين في ولادة فلسطيني آخر، غير الفلسطيني المتعب، الذي أرهقته المنافي، فأوصلته الي طاولة التوقيع علي اتفاقات غامضة!

الرئيس عرفات، كان وسيظل رمز نضال الفلسطينيين. وهو الذي كان ضمانة التشبث الفلسطيني بالحقوق الأساسية، في كامب ديفيد في تموز (يوليو) 2000 . لكن موجبات استمرار الترميز والتأكيد عليه، تقضي، في عهد الفلسطيني الجديد المُقاوم، أن لا نبتلع ـ مرة أخري ـ طُعم الصنارة الأمريكية والإسرائيلية. فلن يستبدل الفلسطينيون روح المقاومة، بأي شيء دون التسوية المتوازنة، التي لا تطيح بحق من حقوق شعبنا الثابتة. فلا عودة سياسياً الي ما قبل 28 أيلول (نيسان) 2000 بل لا عودة الي صيغ فضفاضة أكثر إرهاقاً للشعب الفلسطيني من ممارسة المقاومة. ليبدأ المحتلون في الرحيل، ومن هنا ترتسم النقطة الصحيحة لتسوية معقولة!