المبادرة السعودية سلام عربي في مقابل حرب اسرائيلية

 

بقلم : د. سعيد الشهابي

 

بعد ركود سياسي علي صعيد العلاقات الخارجية فاجأت الحكومة السعودية العالم بمشروع سياسي دفع المملكة فجأة الي صدارة العمل السياسي في العالم العربي. فمهما كانت القضايا التي تعصف بهذه الامة كبيرة، فقد بقيت قضية فلسطين اكبرها جميعا وأكثرها اثارة للمشاعر وتعبيرا عن تداعي الوضعين العربي والاسلامي. وربما انطلق ولي العهد السعودي، الامير عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، وهو يعلن مبادرته التي تدعو الي اعتراف عربي بالكيان الاسرائيلي في مقابل انسحاب قواته من الاراضي المحتلة عام 67 وقيام دولة فلسطينية تكون القدس الشرقية عاصمة لها نتيجة شعور الامير عبد الله بضرورة تحريك الوضع وكسر دائرة العنف المتواصلة. لكنها جاءت في ظروف فلسطينية وعربية صعبة تقلل من احتمالات نجاحها. ويصعب التكهن بالدوافع وراء اطلاق المبادرة خصوصا من حيث التوقيت والموقف السياسي واحتمالات النجاح والوضع العربي المنفتح علي كافة الاحتمالات.

قبل عشرين عاما أطلق الامير فهد بن عبد العزيز الذي كان وليا للعهد، مشروع السلام نفسه الذي طرحه الامير عبد الله مؤخرا. يومها كانت الحكومات العربية مجتمعة في قمة عربية بمدينة فاس المغربية، وكانت المبادرة السعودية خروجا علي المألوف في الشأن السياسي العربي والثوابت التي حكمت عبر اكثر من خمسة عقود الموقف من الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية. المبادرة التي طرحت في اغسطس 1981 كانت تتكون من ثماني نقاط اهمها مطالبة اسرائيل بالانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة والاراضي المصرية والاردنية وازالة المستوطنات الاسرائيلية واقامة دولة فلسطينية مستقلة. وانزعج السعوديون عندما لم تحظ المبادرة باهتمام امريكي او اسرائيلي آنذاك. جاءت مبادرة فهد بعد أقل من اربعة اعوام من توقيع اتفاقات كامب ديفيد وخروج مصر من الصف العربي في المواجهة ضد الاحتلال الاسرائيلي. يومها كانت المملكة تلعب دورا كبيرا علي الصعيدين العربي والاسلامي، لكنها كانت تواجه ازمة ترتبط بالسياسة والشرعية في الوقت نفسه. فبالاضافة الي خروج مصر من صف المواجهة مع اسرائيل ، كان التداعي يدب في الموقف العام نتيجة الخلافت الايديولوجية والسياسية بين الانظمة العربية الكبري. فالعراق كان متورطا في الحرب مع ايران وبالتالي لم يكن باستطاعته لعب دور سياسي كبير في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية. وكانت سورية (التي تقف علي الجانب الآخر من المعادلة) مشغولة بالازمات المتتالية في لبنان والاطماع الاسرائيلية فيه. أما السعودية فكانت آنذاك تتمتع بقوة اقتصادية كبيرة بسبب اسعار النفط المرتفعة والنفوذ الاعلامي الذي تتمتع به. وكانت قد نجحت لتوها في تشكيل قاعدة سياسية لها تمثلت بمجلس التعاون لدول الخليج العربية، وهي صيغة تعاونية فريدة من نوعها في العالم، فلا هي تنتهي ولا تتقدم. انطلقت الرياض لطرح مبادرتها السياسية حول واحدة من أخطر القضايا العربية منذ 1948 وهي تتمتع بنفوذ عربي واسلامي كبيرين. فلم تتأثر كثيرا بانتفاضة الحرم التي قادها جهيمان العتيبي قبل ذلك بثلاثة اعوام، واتضح لها كذلك عدم واقعية الفرضية التي تقول ان ايران سوف تتوسع في الحرب مع العراق وتستهدف دول الخليج الاخري.

المبادرة السعودية الجديدة تأتي في ظروف تختلف كثيرا عما كانت الاوضاع عليه قبل عقدين. فالمملكة تخضع لضغوط امريكية واسعة تستهدف عددا من الامور: دفعها للسير علي طريق التطبيع مع الكيان الاسرائيلي، والمساهمة في نفقات الحرب ضد الارهاب والتعاون مع الولايات المتحدة بدون شروط في تلك الحرب. ويتزامن معها تداعي الموقف العربي في غياب اطروحة سياسية واضحة او قيادة مهابة الجانب واوضاع ا قتصادية في الجزيرة العربية متراجعة بسبب تراجع العائدات النفطية واستمرار النفقات الناجمة عن حرب الخليج الثانية، وارتفاع الاصوات الداعية لوقف التعاون بين واشنطن والرياض. يضاف الي ذلك ان المملكة تعيش توازنا داخليا قلقا في اوساط الحكم وفي العلاقة مع المواطنين وفي اطار العلاقات الاقليمية. فقد هيمنت علي الحكم حالة من الجمود بسبب حالة الشلل التي يفرضها عجز الملك فهد عن اداء مهماته وعدم قدرة الامير عبد الله علي ممارسة دوره في وجود معارضة من بقية اخوته. وبالرغم مما يظهر من توافق بين اعمدة الحكم فهناك حالة توازن قلقة تضطرب كثيرا عندما يتحرك احد المتغيرات السياسية. فلم يعد سرا وجود حالة من عدم الاتفاق بين الامير عبد الله والامير سلطان، وزير الدفاع، وهو امر دفع الي الكثير من التكهنات والاشاعات. وهناك عدم توافق في الآراء بين الجيل القديم الذي يمثله ابناء الملك عبد العزيز وابنائهم الذين يعيشون علي هامش القرار. ويشعر الامير عبد الله، البالغ من العمر 75 عاما، ان فترة حكمه تأخرت كثيرا ولن يكون بامكانه التمتع طويلا بعرش الملك اذا وصل اليه. وقد أثيرت التساؤلات عندما أعلن الامير عبد الله الشهر الماضي حربه ضد الفساد في ادارات الدولة وعزمه علي الاصلاح وعدم المحاباة او المداراة. ولم يلاحظ تغير ملموس علي نمط التعاطي مع الشأن السياسي داخل البلاد برغم ما قاله. اما التوازن الاجتماعي فهو الآخر عنوان آخر لمشكلة تتحرك في السر وتنتظر لحظة الظهور الي العلن في شكل حركة احتجاجية كبيرة. ومهما قيل عن اشكالات حوادث 11 سبتمبر فالبعد السعودي في المشكلة لم يعد سرا والضغوط الامريكية علي الرياض أصبحت ظاهرة.

في هذه الظروف طرح الامير عبد الله مبادرته، ويصعب الاعتقاد بحدوثها خارج التشجيع الامريكي الذي يبحث عن مخرج لمشروع السلام الذي طرحته واشنطن قبل اكثر من عشرة اعوام. ويلاحظ انها طرحت ذلك المشروع بعد انتهاء حرب الخليج الثانية، وجاء في اطار تمسكها بحماية اسرائيل ، وفاجأت العالم عندما طلبت من الطرف المظلوم تقديم التنازلات للقوات المحتلة. وبدلا من ممارسة الضغط علي اسرائيل للالتزام بالقرارات الدولية التي تدعوها للانسحاب من الاراضي المحتلة، بادرت الادارة الامريكية للضغط علي الجانب العربي لتقديم المزيد من التنازلات، وجاءت اتفاقات اوسلو ناقصة عما يتطلبه القراران 242 و 338. واليوم تأتي المبادرة السعودية في اعقاب حرب افغانستان المدمرة واستمرار التوتر الدولي بسبب اصرار الولايات المتحدة علي توسيع دائرة الحرب ضد الارهاب. وبرغم المطالبة الدولية للولايات المتحدة بالبحث في جذور الارهاب واعادة التوازن الي سياساتها في الشرق الاوسط وممارسة شيء من الضغط علي قوات الاحتلال الاسرائيلية، جاءت مبادرة الامير عبد الله مشابهة في المحتوي لمبادرة فهد قبل عشرين عاما ومختلفة معها في الظروف السياسية. ولا شك انها اعادت شيئا من الحيوية للدور السعودي الذي تجمد في السنوات الاخيرة للاسباب المذكورة. فقد توفر لها اهتمام دولي كبير وحظيت بقدر غير قليل من اهتمام الساسة الكبار. فقد اهتم بها السيد كوفي عنان الامين العام للامم المتحدة معتبرا اياها فرصة جديدة للسلام يجب ان لا تفوّت، وعبر خافيير سولانا منسق العلاقات الخارجية بالاتحاد الاوروبي الذي قام بزيارة عاجلة الي المملكة للالتقاء بالامير عبد الله عن تفاؤله بنجاح المبادرة، بينما اعتبرها وزير الخارجية الفرنسي، هوبرت فردين رهانا كبيرا لكنها منسجمة مع جهود الاتحاد الاوروبي في البحث عن اطار سياسي للصراع في الشرق الاوسط . واعتبرها سياسيون روس من بينهم بوجوس أكوبوف، مدير رابطة السياسة الخارجية متناغمة مع سياسة موسكو لحل دائم في الشرق الاوسط . وذكرت صحيفة دير شبيغل الالمانية ان الرئيس العراقي صدام حسين مستعد لقبول المبادرة السعودية واقامة علاقات مع اسرائيل علي امل منع العدوان الامريكي المحتمل. وقام السيد عمرو موسي، الامين العام لجامعة الدول العربية بزيارة الي جدة لمقابلة الامير عبد الله للتعرف علي تفصيلات المبادرة. اما ايران فقد التزمت موقفا دبلوماسيا واضحا. فقد قال الدكتور كمال خرازي، وزير الخارجية ان بلاده لا تملك معلومات حول تفصيلات المبادرة، مؤكدا انه لا يمكن التشكيك بنوايا الامير عبد الله الطيبة . وقام نائب الرئيس السوري، محمد زهير مشارقة، بزيارة الي طهران لتنسيق الموقف معها ازاء تطور المبادرة. واجتمع الدكتور نبيل شعث مع الامير عبد الله للتعرف علي تفصيلات مبادرته.اما دول مجلس التعاون الخليجي فسوف يجتمع وزراء خارجيتها يوم الاثنين المقبل لاقرار المبادرة السعودية.

ولوحظ ان المبادرة لم تركز علي مبدأ عودة اللاجئين الفلسطينيين وعددهم حوالي اربعة ملايين الي وطنهم في حال السلام الكامل الذي اقترحه الامير السعودي. كما لوحظ انها اطلقت، حسب ما يبدو، بدون التنسيق مع الاطراف العربية والاسلامية الاخري المعنية بالقضية الفلسطينية. وجاءت علي خلفية البحث عن مخرج لأزمة العنف المتصاعد والعدوان الاسرائيلي علي المواطنين الفلسطينيين. وبالرغم من اللغة الاسرائيلية الدبلوماسية تجاه المبادرة فقد عمدت قوات الاحتلال لتصعيد اعتداءاتها علي الشعب الفلسطيني في الايام القليلة الماضية مستخدمة الصواريخ والدبابات والطائرات ضد الشعب الاعزل. وفي الوقت نفسه مارست الولايات المتحدة ضغوطا كبيرة لمنع صدور اي قرار دولي يدين العدوان الاسرائيلي، او يدعو لارسال مراقبين دوليين لحماية الشعب الفلسطيني. ويستبعد ان يكون للمبادرة انعكاس مباشر علي الموقف الاسرائيلي الذي يمارس ارهاب الدولة بأبشع صوره ضد شعب أعزل. كما يستبعد ان تؤدي الي هدوء الموقف المتوتر في الاراضي المحتلة. لكن الرئيس مبارك كشف ان أريل شارون طلب وساطته لترتيب لقاء مع الامير عبد الله الذي رفض ذلك.

المبادرة السعودية اكتسبت اهمية خاصة لكونها خطوة سياسية غير متوقعة في الظروف القائمة، ولتأكيدها تصدر المملكة العربية السعودية موضوع الاعتراف بوجود الكيان الاسرائيلي بلغة لا تقبل التأويل في مقابل الانسحاب من الاراضي المحتلة عام 67 والسماح بقيام دولة فلسطينية في القدس الشرقية. فاذا كان هذا هو السقف الذي طرحته المبادرة فان من المؤكد ان تمارس واشنطن ضغوطا اضافية لخفص ذلك السقف، خصوصا ان المبادرة لم تطالب بعودة اللاجئين الفلسطينيين، وهي جانب اساسي من المشكلة. ولذلك لم يكن غريبا ان ترفض المبادرة من المجموعات الجهادية الاساسية التي ترفض الاستسلام للارهاب الاسرائيلي. وفي ضوء تحسن اداء هذه المجموعات في المواجهة العسكرية، بالاضافة الي تطرف حكومة اريل شارون، فان حظوظ المبادرة من النجاح ما تزال ضئيلة. ولكنها قد تساهم في تكثيف الضغط الدولي، خصوصا من قبل الاتحاد الاوروبي وروسيا علي الكيان الاسرائيلي لتقديم بعض التنازلات مثل وقف بناء المستوطنات وسحب القوات من الضفة الغربية وقطاع غزة ووقف الاعتداءات العشوائية. لكنها في الوقت نفسه لا تعكس موقفا عربيا متماسكا وقويا. ولا تعكس وجود حالة تفاهم واستمزاج آراء ومناقشة لدي الجانب العربي. فقد صدرت، وفق المعلومات المتوفرة، كمبادرة شخصية بدون تنسيق مع الدول المعنية مثل سورية ومصر وبقية الدول العربية والاسلامية. وعندما تعرض علي القمة العربية في نهاية هذا الشهر فمن المتوقع ان تؤدي الي نقاش حاد وربما خلاف في الموقف. صحيح ان السعودية تمتلك وسائل ضغط مالي علي الدول العربية خصوصا السلطة الفلسطينية، لكن تأثيرها سيكون محدودا اذا لم تتوقف الاعتداءات الاسرائيلية قبيل انعقاد القمة.

ولا يستبعد تأجيل هذه القمة في ضوء التصعيد الاسرائيلي لاسباب امنية ترتبط بـ اسرائيل او تنظيم القاعدة والعناصر الرافضة لاي سلام مع قوات الاحتلال الاسرائيلية. فقد عرف عن السعودية استمرارها في تقديم الدعم المالي للسلطة الفلسطينية في ا لسنوات الاخيرة خصوصا بعد المصالحة بين الجانبين بعد الازمة السياسية التي نشبت بعد حرب ا لخليج الثانية. وقد قدمت بشكل مباشر، او غير مباشر (عبر بنك التنمية الاسلامي ومنظمات الاغاثة) دعما ماليا متكررا خلال السنوات الاخيرة، وجمعت التبرعات للانتفاضة الفلسطينية علي نطاق واسع. ان من الصعب اصدار الحكم علي المبادرة السعودية الاخيرة لكن من الواضح ان ظروفها وتوقيتها ومحتواها سوف يثير الكثير من الجدل واللغط في الاوساط العربية والاسلامية وفي القمة العربية المقبلة في بيروت. لقد كان من الاجدي طرح مشروع عربي جماعي يستعمل لغة التهديد السياسي ولا يتنازل عن الثوابت ويوصل رسالة واضحة الي واشنطن بجدية الجانب العربي والاسلامي هذه المرة في اتخاذ موقف سياسي ضد العدوان وتحمل تبعات ذلك. اما المبادرات من هذا النوع فان نصيبها من النجاح محدود جدا خصوصا اذا كان احد الطرفين المتحاربين يعتقد بقوته العسكرية الساحقة ويضمن دعم الدولة الكبري في العالم لكل مشاريعه السياسية والعدوانية.