على الدرب: العداء
لأمريكا وحكاية العجوز والمرآة..!!
بقلم
: جورج حداد
في
غمرة انجرافها بما سمّاه السناتور الراحل وليام فولبرايت »غطرسة القوة« يبدو أن
الإدارة الامريكية اصبحت مثل الحكومات العربية التي كانت ولم تزل تطلب من الاعلام
ما ليس بوسع الاعلام ان يلبيه!!
صحيح
ان للاعلام دوراً هاماً ومؤثراً وكبيراً ولكنه يظل عاجزاً عن تحويل الهزائم الى
انتصارات، والاوهام الى حقائق، والسياسات الفاشلة الى قصائد غزل و..نجاح!!
ليس
بوسع الاعلام، مهما كان ماهرا ومتفوقا، ان يجعل من الجرائم مآثر، ومن العدوان
فضائل، ومن اغتصاب الحقوق وقتل الأبرياء، وسائل انقاذ ومناهج تقدم!!.
حتى
لو تمكنت اللعبة الاعلامية من خداع بعض الناس، بعض الوقت، الا ان نجاحها يبقى
مؤقتا سرعان ما تبدده الحقائق والوقائع. وفي مثل هذه الحالة، فإن الخطأ يغدو
خطيئة، والمحذور ينقلب أشد وقعاً وأدعى الى المزيد من النقمة واثارة الغضب
وربما... السخرية!!.
مناسبة
الحديث ان مؤسسة أميركية (معهد غالوب لاستطلاعات الرأي) أجرت استطلاعاً للرأي أظهر
»... أن غالبية سكان الدول المسلمة لها آراء مناهضة للولايات المتحدة وتعتبرها
متغطرسة تتسم بالعنف«!!. أما الدول التي استُطلعت آراء مواطنيها فهي باكستان
وايران واندونيسيا وتركيا ولبنان والمغرب والكويت والأردن والسعودية!!.
لعبة
الاعلام، هنا، التي لجأ اليها المعهد الأميركي، انه حصر الاستطلاع بالدول المسلمة،
في محاولة تضليلية، قُصد بها حصر العداء للسياسات الأميركية بالمواطنين المسلمين،
دون غيرهم من شعوب الأرض وأديانها!!. وفي هذا ما فيه من تعّمد الايحاء بأن السبب
كامن في... الاسلام نفسه، وليس في ما قامت وتقوم به الدول الاستعمارية من فظائع
وعدوان ونهب موارد واغتصاب حقوق!!.
تُرى...
ماذا كانت تكون نتائج الاستطلاع، لو جرى للمواطنين في دول لا تدين غالبيتهم
بالاسلام، بل... بالبوذية أو.. الشيوعية أو.. حتى المسيحية، مثل اليابان وكوريا وأوروبا؟!!
لا
نريد ان نتحزّر، هنا، إذ تكفي للاجابة القاطعة، ان نستحضر صورة المظاهرات الصاخبة
الغاضبة التي استقبل بها الرئيس الاميركي في زيارته، قبل أسبوعين لكل من اليابان
وكوريا الجنوبية!!. أما في أوروبا، فإن أمر الاحتجاج والاستنكار للسياسات
الأميركية، لم يقتصر على المظاهرات الشعبية التي تكاد تصبح تقليداً يومياً، بل
تجاوزتها الى الانتقادات والملاسنات العلنية بين الوزراء والسياسيين الاوروبيين
وبين نظرائهم في الادارة الاميركية!!.
إذن...
كيف وبماذا يُفسّر ذلك، مع ان غالبية السكان العظمى، سواء في اليابان أو في كوريا
الجنوبية أو في أوروبا، لا تدين بالاسلام، وانما بأديان أخرى؟!! أكان يمكن ان تكون
المشاعر المعادية للسياسات الاميركية في هذه البلدان، أقل حدة، وأقل عداء
واستنكاراً منها في البلدان الاسلامية؟!!
إذن...
مرة أخرى، أين يقع الخطأ؟!
ان
الاميركيين في هذا المقام، أشبه ما يكونون بالعجوز القبيحة التي نظرت في المرآة،
فلامت صانعيها!!.
هنا...
وبدل أن تتم عملية المراجعة الجذرية للاسباب الحقيقية لاستقطاب كل هذا الحجم من
العداء للمواقف والسياسات الاميركية، فان الخطأ في سبيله الى ان يصبح خطيئة!!.
فالناطق باسم وزارة الخارجية الاميركية، يعتقد، كما صرح امس الاول، ان افتتاح محطة
تلفزة موجهة باللغة العربية، يمكنها ان »... تكسب تفهم الجماهير العربية والمسلمة
في العالم للسياسات الأميركية«!!.
بمثل
هذا التسطيح المريع وهذه السذاجة المفرطة في بلاهتها، يعتقد الاميركيون انهم يكسبون
المعركة ويستميلون المشاعر!!.
أميركا...
أميركا... انها الامبراطورية الكبيرة.. الكبيرة التي تديرها عقول صغيرة.. صغيرة.