مواجهة إسرائيل بين الحقيقة والإعلام

 

بقلم : د. عبدالستار قاسم

 

يلاحظ المتتبع لوسائل الإعلام العربية أن مزاجية تتقاذفه بحيث يشعر أحيانا أن الفلسطينيين يحققون انتصارات بارعة ضد إسرائيل وأحيانا أخري يشعر بأن الفلسطينيين لا حول لهم ولا قوة أمام الجبروت الصهيوني. تتراوح المزاجية ما بين هذين الطرفين وذلك تبعا للحدث في حينه، وهي أشبه ما تكون بمزاجية طفل تتقاذفه آنية المشهد دون أن يكون من قدرته الفكرية علي التحليل. وواضح أن هذا ينعكس علي المواطن العربي المتفاعل مع الحدث وكذلك علي فلسطينيين يعيشون الحدث اليومي بتفاصيل تفوق تفاصيل الإعلام.

ينشغل الإعلام العربي هذه الأيام وعلي مدي فترة من الزمن باحتجاز عرفات إلي درجة تقليص الصراع إلي شخص واحد قد تكون مفاتيح الحلول أو النجاة في يده. لا شك أن مسألة الاحتجاز مهمة لكن القضية الفلسطينية والصراع الدائر لا يتقلص إلي درجة الظن بأن فك الحصار عن رئيس السلطة يفتح آفاقا جديدة نحو التسوية. يصور الإعلام المسألة أبعادا تعطي الانطباع وكأن الشعب الفلسطيني مكبل لا يقوي علي مصارعة عدوه وأن المبادرة قد انتقلت نهائيا إلي يد العدو وعلي الشعب الفلسطيني أن يتلقي الضربات فحسب. وواضح أن قادة عربا، رؤساء وملوكا يشتركون في حملة التثبيط والتباكي. علما أن مسألة الاحتجاز ليست إلا نتيجة لوَهَم سياسي ألبست القيادة الفلسطينية نفسها به لتهرب من مسؤولياتها التاريخية أمام الشعب والأمة، فقدمت نفسها عبر اتفاقيات أوسلو هدية إلي قفص العدو.

الحقيقة أن هذا صراع طويل والحرب سجال. علي الرغم من أن الكفة تميل تاريخيا لصالح العدو الذي استطاع أن يقيم دولة ويلحق هزائم متكررة بالعرب إلا أن الأمور لم تستتب له وما زال حني الآن بعيدا عن تحقيق غايته في الاستقرار والاندماج في المنطقة العربية كعضو طبيعي فيها. وعلي الرغم من الخسائر الفادحة التي مني بها العرب إلا أن سيل خسائر العدو لم يتوقف علي مدي السنين. يقدم الشعب الفلسطيني التضحيات المتواصلة وسيستمر في تقديمها ما دامت الحقوق سليبة، لكنه لا يقدمها مجانية بل أن هناك ثمنا باهظا يدفعه الطرف المقابل. هذه هي الحرب: يدفع المتحاربون أثمانا، ومن يدخل معركة لا بد أن يتوقع أذي يلحق به وأذي آخر يلحق بعدوه.

وإذا أردنا الوقوف علي الحقيقة فهي بصورة عامة كالتالي لدي الطرفين:

الطرف الفلسطيني: دفع الطرف الفلسطيني حتي الآن في هذه الانتفاضة الحالية حوالي ألف شهيد وعشرات الآلاف من الجرحي الذين تراوحت حالاتهم بين الطفيفة والإعاقة المستديمة. تم تدمير آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية وعشرات الآلاف من الأشجار المثمرة والحرجية. هدمت مئات البيوت وشردت بالتالي مئات العائلات، فضلا عن أضرار ثانوية وهامة لحقت بآلاف البيوت. هذا فضلا عن الأضرار الاقتصادية الكبيرة الناجمة عن الحصار. يضاف كل هذا إلي الأضرار النفسية التي تلحق بأطفال فلسطين وما يترتب عليها من نتائج مستقبلية.

الطرف الإسرائيلي:

لا شك أن الجانب الفلسطيني يدفع ثمن باهظا والنزيف مستمر، لكنه في المقابل يستنزف الإسرائيليين وذلك في الميادين التالية:

ـ تشهد هذا الانتفاضة أعلي نسبة خسائر إسرائيلية في النفوس والجرحي مقارنة مع خسائر الشعب الفلسطيني. كانت خسائر الإسرائيليين والصهاينة عبر انتفاضات أو ثورات سابقة عدا انتفاضة البراق عام 1929 نسبة لخسائر الفلسطينيين دون 5%. أما الآن فالنسبة تفوق 25%. وهذا ينطبق علي أعداد الجرحي. هذا في غاية الأهمية بسبب أن إسرائيل قامت في جزء كبير من تبريرها السياسي علي الأمن، وإذا عدم الأمن فإن التفكير اليهودي سيبدأ يأخذ منحي آخر غير الاستقرار في بلاد لا تعرف الاستقرار.

ـ يتألم اليهود في فلسطين الآن من أوضاع نفسية صعبة للغاية إلي درجة التفكير مرارا قبل الخروج إلي الشارع لشراء سلعة أو قضاء حاجة. هذا لا ينطبق علي كل اليهود إلا أن التعبير عنه واضح في وسائل الإعلام وفي الجلسات الخاصة وفي السلوك اليومي. استطاع الشعب الفلسطيني أن يفرض درجة من منع التجول علي الشارع الإسرائيلي وأن يضعه في أزمة نفسية عميقة. لم يعد من المستغرب أن يري المشاهد امرأة إسرائيلية علي شاشة التلفزة تقول أنها تمنع أبناءها من الخروج إلي الملعب مثلا أو النادي، أو أن يري شابا يقول أنه لا يرتاد بعض الأماكن ويحاول التفكير بالأوقات المناسبة للخروج والتي تقل فيها احتمالات انفجار عبوة تحيله إلي أشلاء.

ـ علي الرغم من أنه لا توجد لدينا إحصاءات إلا أن عددا من اليهود الميسورين تركوا البلاد آملين أن يستقروا في بلاد أخري. ويتردد أن عددا من المسؤولين الإسرائيليين قد أرسلوا بأبنائهم خارج البلاد تحت ذرائع مختلفة. وإذا استمر الوضع الأمني بالتدهور فإنه من المتوقع أن تشتد الهجرة خارج البلاد. فإذا سقطت الحجة الأمنية سقط السبب في البقاء لدي نسبة كبيرة من اليهود. فأغلب اليهود لم يأتوا إلي فلسطين بسبب انتماء لوطن أو دفاعا عن دين وإنما هربا من وضع مؤلم عاشوه في أوروبا أو تحت تأثير الدعاية الصهيونية حول الأمن والرخاء.

ـ تأثرت إسرائيل اقتصاديا بصورة ملحوظة بسبب الانتفاضة. الاقتصاد الإسرائيلي قوي ويقوم علي مرتكزات إنتاجية صلبة ولديه قدرة كبيرة علي المنافسة العالمية، وبالرغم من ذلك لحقت به أضرار بخاصة في مجالات الزراعة والسياحة والتجارة مع الأرض المحتلة 67. أشغال عديدة توقفت وكثيرون فقدوا أعمالهم وتدهور معدل الإنفاق وارتفعت معدلات المخزون. ومن المتوقع أن استمرار المقاومة الفلسطينية سيجعل كرة التدهور الاقتصادي أكثر تسارعا.

ـ لم تأت الإجراءات الإسرائيلية القمعية بنتائج مفيدة لإسرائيل وإنما ولدت مزيدا من العنف وعددا متزايدا من الاستشهاديين. ما زالت إسرائيل تقع تحت تأثير قدراتها العسكرية وتحت الظن بأن العجلة العسكرية سترهب الفلسطينيين مما يدفعهم إلي الإخلاد إلي السكينة. كل هذا الجبروت العسكري لا يستطيع أن يعالج إرادة شخص يقرر أن يموت مجاهدا في سبيل اللــــه. وربما هذا ما يفسر التهديدات العسكرية المتكررة التــــي يطلقها المسؤولون الإسرائيليون بنوع من الضيق. تغيب الآن تلك التصريحات التي تعبر عن الثقة بالذات وبالقدرة العسكرية وتحل محلها تصريحات متشنجة تخرج من أفواه يظهر عليها عدم الارتياح والتشكك. ولا شك أنه من المحبط أن يمتلك شخص كل تلــــــك القوة ولا يستطيع أن يُخضع شعبا شبه أعزل من السلاح المادي.

باختصار، الوضع الشعبي الفلسطيني صلب وكذلك الوضع الميداني. الخسائر متوقعة في كل لحظة والعدو قوي، لكن خسائر العدو متوقعة في كل لحظة أيضا. وأري أن الأداء الفلسطيني في المواجهة في تطـــــور مستمر وأن عناصر مقاتلة جديدة ستدخل معتـــــرك الجهاد. لقد تجاوز الوضع الفلسطيني إمكانية التلاعب به من الخارج علي الرغم من أن العناصر الرسمية تعمل جاهدة علي جره إلي الوراء. لا أظن أن الوراء جزء من الحسابات الآن علما بأن فترات مؤقتة من الهدوء قد تطرأ. ولهذا لا أعتقد أن الشعب الفلسطيني يحتاج لمن يبكي عليه وإنما لمن يساعده ويمد له يد العون. وإذا كانت المسألة مسألة بكاء فكل شعب يملك من الدمع ما يكفيه، لكن المسألة مسألة إمكانات وليس تضحيات. الرغبة في التضحية قوية ولكن الإمكانات تتعزز بالعرب والمسلمين.