مبادرة الامير
عبدالله.. في قوة الموقف العربي ام من ضعفه؟!!
بقلم
: بسام عليان
برزت
في الايام الاخيرة ما اصطلح على تسميته بـ »مبادرة الامير عبدالله للسلام الشامل«،
والتي كانت عبارة عن حديث الامير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي ردا على
المعلق الاميركي توماس فريدمان (كاتب التحقيقات الابرز في مجلة نيويورك تايمز) حول
مسودة خطاب ما تزال في درج مكتب سمو الامير، تحمل في طياتها مبادرة كاملة الاركان،
تتلخص - حسب ما يتسرب من انباء - بالاعتراف الكامل والتطبيع العربي الشامل، مقابل
الانسحاب الكامل من كل الاراضي العربية المحتلة ، بما فيها القدس، وقيام الدولة
الفلسطينية على الاراضي العربية المحتلة عام 1967
.
وحسب
المحللين السياسيين، فان طرح الامير عبدالله قد جاء بمثابة لغة لم يخاطب فيها
المسؤولين في اميركا او في اسرائيل، بل خاطب الشارع الاسرائيلي مباشرة، وحذر خلالها
من استمرار سياسة العنف والجرائم التي يرتكبها شارون ضد الفلسطينيين..!!
وبهذا
التصريح يكون ولي العهد السعودي، قد فجر وأعاد التأكيد على طرح مشروع تسوية قمة
القاهرة في عام 1996 ، وهي الرؤية العربية للسلام، التي تؤكد على ان »السلام« لن
يكون حقيقة، بدون الانسحاب الشامل، والاعتراف بحقوق الفلسطينيين في تقرير المصير
وقيام دولتهم .
وحسب
المصادر الدبلوماسية، فان الامير عبدالله كان سيعلن عن تفاصيل اكثر لمبادرته -
التي لم تعلن تفاصيلها الى الان - لكنه عاد وصرف النظر عن الخوض في ذلك، كون هذه
التفاصيل لن يكون لها قيمة امام غطرسة رئيس الحكومة الاسرائيلية ارئيل شارون، الذي
تجاوز كل الخطوط الحمر في العنف والدم والوحشية البربرية تجاه الفلسطينيين ..
لكن
هذا لا يمنع ان يكون مبدأ المبادرة ما يزال قائما نظرا للتفاعلات السياسية التي
بدأت تظهر على السطح بعد عملية الترويج الاعلامية للمبادرة، رغم عدم صدور تعليق
مباشر من قبل الامير عبدالله بن عبدالعزيز بصفته الرسمية على ذلك بنفسه ، وامتناع
الحكومة السعودية عن اية تأكيدات واضحة حول ما فجره فريدمان بعد
لقائه الاخير بالامير السعودي الذي يقود دفة الحكم في بلاده منذ ما يزيد عن ثلاث
سنوات .
لكن
المثير للجدل، او اللافت للنظر في هذا الصدد، هو ما يطرحه المحللون السياسيون، بأن
المبادرة تأتي في وقت بلغ الانسداد الامني فيه مستوى غير مسبوق منذ سنوات خلت في
تاريخ الصراع الاسرائيلي - الفلسطيني، حيث ازدادت وتيرة التصعيد الى ما قد ينذر
بمجازر كبيرة، فقد زاد عدد الشهداء الفلسطينيين خلال الاسبوعين
المنصرمين الى اكثر من مائة فلسطيني، قابلهم عند جيش الاحتلال 23 اسرائيليا،
واستخدمت قوات الاستعمار الاحتلال الصهيوني خلال معاركها كل ترسانتها العسكرية
الثقيلة من ادوات الموت والدمار والتخريب والارهاب
.
اما
في غمرة ما يقال عن افكار ومقترحات الامير عبدالله بن عبدالعزيز ، والتي لا يمكن
الحكم عليها سلفا، قبل سماع تفاصيلها، او الاستماع الى الامير نفسه وهو يتحدث عن
مبرراتها، واهداف التلويح بها قبل انعقاد مؤتمر بيروت، وفي ظل الظروف الساخنة..
فان سورية قد لمحت بأن المبادرة السعودية، لم تأت بجديد بالنسبة الى الموقف العربي
المشترك الذي اتخذته الدول العربية التي تطالب بسلام يقوم على اساس الانسحاب
الاسرائيلي الكامل، وقد اتى هذا التلميح من خلال الفهم الدبلوماسي للصمت السوري
الذي اتسمت به السياسة السورية منذ عهد الراحل حافظ الاسد،
والذي يفهم على انه تحفظ، وربما يصل الى درجة المعارضة، ويعلق احد الدبلوماسيين
الغربيين على الانتقاد السوري، بأنه جاء بناء على توقيت المبادرة السعودية، لانها
تأتي في وقت بدأت فيه سياسة القبضة الحديدية التي تنتهجها سياسة الاحتلال
الاسرائيلي حيال الفلسطينيين، مما يفسر بأنه ضعف عربي امام الرأي العام
الاسرائيلي، واشارة لتخفيف حدة الخناق عن شارون امام الشعب الفلسطيني المقاوم،
والذي برغم خسائره الكبيرة استطاع الحاق هزيمة نكراء بسياسة شارون، وقبضته الامنية
التي يدعي بأنها حديدية، وجعله يبكي في الخفاء على ورطته هذه التي لم يكن يحسب
حسابها يوما ما .
وفي
السياق ذاته، ومن خلال تجاوز سوري مقصود للتعليق مباشرة على المبادرة، قالت صحيفة
»البعث« الناطقة بلسان الحزب الحاكم في سورية ان »اسرائيل تعيش ازمة حقيقية متعددة
الوجوه (...) فقد اعترف شارون وان بشكل مبطن بفشله في قمع الانتفاضة الفلسطينية،
وعجزه عن توفير الامن للاسرائيليين«، وواصلت الجريدة السورية دعوتها للقادة العرب
بأن يولوا اهتمامهم الاكبر في دعم الانتفاضة الفلسطينية (حتى لا تجهض بالمبادرات
السلمية التي لا يتجاوب معها العدو حسب خبرتنا معه)
.
وتابعت
الصحيفة قولها ، ان »قمة بيروت القادمة قد تكون الفرصة الاكثر ملاءمة لبلورة
الموقف العربي المطلوب تجاه عدو يهدد بسياساته وبرامجه العدوانية التوسعية العرب
بلا استثناء« .
وفي
هذا الصدد، يعتقد المحللون ان ما تناولته »البعث« في دعوتها تلك لا يجافي الحقيقة
التي يعرفها الجميع عن اسرائيل حيث تؤشر التجربة التاريخية على ان هذا الكيان
الاسرائيلي لم يتردد يوما عن تسوية الصراع الاسرائيلي - العربي لصالح ان يظل هو
المركز المؤثر، والدول العربية بمثابة الاطراف التابعة لها .
فلذلك،
قد تكون احدى نقاط الخلاف المحتملة بين المبادرة السعودية وسورية، ليس فقط
توقيتها، بل لان تفاصيل المبادرة غير واضحة، فهي لا تشير صراحة الى حق عودة ملايين
اللاجئين الفلسطينيين الى اراضيهم المغتصبة، خاصة ان السوريين يطرحون مسألة حق
عودة اللاجئين كاحدى الركائز التي ستنطوي عليها اية تسوية قادمة في المنطقة في حال
التوصل اليها .
ويبقى
في نظرنا، ان هذا الانتقاد، يعد اكثر وضوحا في حيثياته من اعراب بعض الدول العربية
عن ارتياحها للمبادرة قبل فهم تفصيلاتها
.
اما
بخصوص الانطباعات الاميركية الاولية التي علقت على المبادرة رغم كثرة الحديث عن
افكار اميركية لتحريك المسار الفلسطيني - الاسرائيلي، فان مستشارة الرئيس الاميركي
للامن القومي كونداليزارايس ، قد اعرب عن تحفظاتها حيال المبادرة السلمية
السعودية، خاصة في ما يتعلق بحدود الدولة الفلسطينية المستقبلية التي يطالب بها
الامير عبدالله في مبادرته، حيث ارسلت الادارة الاميركية بمساعد وزير خارجيتها
وليام بيرنز وعلى عجل الى الرياض، ليستوضح تفاصيل اكثر حول رؤية المشروع السعودي
للحل المعني في المبادرة المطروحة، مع تأكيد رفضها لاي ترسيم مسبق لحدود الدولة
الفلسطينية خارج اطار التفاوض الثنائي بين الفلسطينيين والكيان الاحتلالي(؟!)
وكما
هو واضح من التصريحات، وفي ظل التكتم السعودي، بدأت الولايات المتحدة الاميركية
تشعر بأن التسوية السلمية قد اخذت تبتعد عن مركز قرارها، في ظل اجواء جديدة
لمتغيرات دولية مفصلية وهامة، ودور جديد بدأت السعودية تقود دفة خياراتها على
اساسه، مع وضع نهايات مفتوحة لكل الاطراف، آخذة بعين الاعتبار نوعية المناخ
السياسي، الذي اقترن بالبيئة العربية واحاط بالقضية الفلسطينية في ظل ترتيبات
المقاومة الآخذ بالتبلور، وبعيدا عن تبني الاساليب الضاغطة التي تنتهج مبدأ
الرقابة الاميركية على خطوط الطول والعرض العربية
.
ويعتقد
بعض المحللين الغربيين ان سياسة الولايات المتحدة الاميركية في المنطقة عموما، ومع
الدول العربية خصوصا، واستمرار فرض الحصار الجائر على العراق، وتشجيع الاحتلال
الصهيوني في فلسطين، قد خلق جوا من العداء العربي للسياسة الاميركية، جعلت بعض
الدول العربية، ومنها السعودية، تعقد العزم على الافلات من اسورة الرقابة
الاميركية عليها، فبدأت بتصميم خططها للخروج عن الخط الاميركي في محاولة منها
لتعميق العنصر العربي، الذي يمكن ان يجمع هذه الدول في موقف ضاغط على المفاوضات،
وادارتها في مواجهة اسرائيل، او الضغط الاميركي القائم
.
وقد
كان الامير عبدالله صاحب المشروع السعودي الجدي، قد واجه اميركا وحده منذ عام
تقريبا، عندما امتنع عن زيارة واشنطن، ليحفظ ماء وجهه، ومحافظا على ثوابته ومواقفه
حيال الموضوع الفلسطيني .
اذن،
مبادرة الامير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي، لم تأت من فراغ او عبثية،
فأغلب المطلعين على خفايا الامور يولون المبادرة اهمية بالغة، معتقدين بأنها تحتضن
في تفاصيلها مبادرتي فاس الاولى والثانية، وتستند الى مرجعية مؤتمر مدريد للسلام،
والى مجموع القرارات الدولية ذات الصلة بالصراع الاسرائيلي - العربي، ويعتقد
المراقبون ان لمبادرة الامير عبدالله هدفا يتخطى قمة بيروت، حتى وان كان قد رتب
اوضاعه لاعلانها في هذه القمة، فالقمة مجرد مكان وزمان لتثبيت نقطة الانطلاق في
توسيع دائرة المشاركة الجماعية لتنفيذ اسس المبادرة كمشروع عربي موحد، امام سياسة
شارون الهمجية، وقوة الضغط الاميركي المنحازة بشكل سافر لاسرائيل.. والسؤال هنا -
يطرح نفسه ، هل ستشكل المبادرة قائما قويا لموقف عربي يصبح في المستقبل ضاغطا
بالاتجاه الصحيح، بعد ان شبعنا من ضغوطات اضعفتنا وانهكت قوانا.. وقبل ان تصل
الامور الى ضعف لا حيلة لنا بعده...؟!!