كـرامتنا الأمريكية

 

بقلم : محمـود شنب

 

عندما يسافر الرئيس مبارك إلى أمريكا لمقابلة الرئيس بوش فلا أقـل من أن يستقبله بوش بنفسه في المطار وألا يرسل اليه مندوب لاستقباله مهما كان قدر هذا المندوب ...

وعندما لا يجتمع بوش بمبارك إلا بعد أربعة أيام من وصوله ... فان هذا الأمر لا يمكن لمصري أن يقبله حتى لو قبله الرئيس مبارك نفسه .

إن كرامة مبارك أرفع قدراً ومنزلـة من كرامة بوش والمسافة بينهما متسعة بما لا يُـقاس ، وهي في صالحنا حيث لم نكن يوماً غاصبين ولا لصوص ولا مصاصي دماء .. وديننا خير دين على وجه الأرض .. والعهد لا نخلفه ، والزور لا نعرفه .. وهم على النقيض من كل ذلك ، وعندما يعامل ارهابي مثل شارون من قِـبل أمريكا معاملة أفضل من تلك التي يعامل بها الرئيس مبارك ... وشارون في العرف الدبلوماسي مجرد رئيس وزراء وليس رئيس جمهورية أعرق دولة في التاريخ ، وليس هذا فحسب ، لكنه إرهابي دولي وهناك قضايا مرفوعة عليه بذلك وسواء أدانته المحاكم أم لم تدينه فكل العالم يعلم ماضيه وحاضره ويعلم أنه المجرم الأول والارهابي رقم واحد في العالم ، ورغم ذلك تعامله أمريكا أفضل من معاملتها لكل الحكام العرب .

وقد فرضت أمريكا علينا هذا الأسلوب المشين وساعدناها عليه بقبولنا لـه والتهوين من آثاره .. رغم كونه أسلوب مرفـوض.. والأمـــر أشبه ـ حتى تقترب  الصورة للأذهان ـ بالابن الحُر الذي لا يقبل الضيم لوالده حتى لو كان هذا الضيم من أجل لقمة العيش .. ولا يقبل أن يرى والده يُعامل من قِـبل الأكابر معاملة لا يرتضيها له حتى لو مات من الجوع .

لكن المشكلة تكمن في الوالد الذي لا يعجبه تمرد ابنه فينهره ويردعه طالباً منه ألا يفسد عليه حياته أو مستقبله متعللاً بأن كل ما يفعله يصب في مصلحة أهله وأولاده وان كل ما يعانيه إنما هو من أجل تربية الأبناء وتعليمهم وكسوتهم ، ولا عيب من أن يتحمل الأب في سبيل ذلك كل الأهوال والصعاب ، لكن الابن يصرخ : يا أبي إن ما تفعله يؤهلنا لخدمة الأسياد دون أن تدري وأن الأسياد لن يرضوا منا دون ذلك وانك بأفعالك تشعرني وسط زملائي بأنني مواطن درجة ثالثة ثم ـ والكلام ما زال للإبن ـ هل تعلمنا فعلاً أو تقدمنا ... هل تغيرت أحوالنا وملكنا أمورنا .. يا أبتي إنهم يعطوك ما لا ينفعك ولا ينفعنا .. يا أبتي إنهم يدركون ان قوتهم تكمن في ضعفنا ، وصحتهم في مرضنا ، وعلمهم في جهلنا وتقدمهم في تأخرنا ... وما زال الابن يصرخ .. وما زال الأب يعمل دون كلل متصوراً أنه يحمينا من بطش الأعادي ...

إنني أقرب الصورة لكني لا أملك أن أجمع كل المعاناة التي نشعر بها ونحن نمتهن ونهان مع كل زيارة الى أمريكا .

إن من يمثل مصـر يجب أن يحمل في ذهنه وذاكرته أنه يمثل أمجاد أقدم دولـة في التاريخ ، ويعتنق أفضل دين على وجه الأرض ، وعليه أن يتعامل بهذه الحقيقة ومن هذا المنطلق خصوصاً إذا كان الند الذي يواجهنا يمثل أحدث وأشرس دولة في التاريخ !!

وما نحن فيه الآن من ضعف وهوان يرجع لمثل هذه الأمور التي يُستهان بها ... ولماذا يرضى الرئيس مبارك بهذا التصرف إذا كان من أمريكا ، ولا يقبله من أي دولة عربية أو إسلامية ؟!!!

إن شعبية عبد الناصر كان لها أكثر من سبب ، ولكن أعمق هذه الأسباب وأقواها على الاطلاق كان اعتزازه بنفسه وصون كرامته وكرامة شعبه .

وفي بداية الثورة أعطت أمريكا لعبد الناصر رشوة ( تحت مسمى تدعيم حراسته ) فأعلن رفضه لها ـ لكنه لم يرد الشيك إليهم وبنى به "برج الجزيرة" ليظل لسان مصـر العالي الذي تخرجه لأمريكا على مدى كل الدهور والعصور .

إنني لا أجد أي فائدة قد عادت علينا أو على الاسلام من علاقتنا بأمريكا ، بل على العكس أراها الرابحة على طول الخط حيث القواعد المنتشره في كل مكان ،  ونهب البترول وكل الثروات علاوة على أننا أصبحنى أكبر سوق لتسويق منتجاتها العسكرية والمدنية ، وكلما كانت قريبة منا كلما زادت مشاكلنا وحروبنا ، وكلما ابتعدنا عنها شبر اقتربنا من الوحدة أمتار وأميال ، ومعونتها لنا ليست خالصة لوجه الله وانما هي لوجه الشيطان حيث تمثل الطعم الذي يصطادوا به الخونة والعملاء ، وما فائدة معونة تجعلني مكسور العين لا أقوى حتى على قول الحق ومساندته ؟!

وما فائدة دولة كأمريكا التي لا ترضى عن الحاكم إلا اذا فعل كل المعاصي في شعبه وأمته ودولته ؟!

ما فائدة من لا فائدة له ؟!

ولنتصور جميعاً لو أن الرئيس مبارك أعلن في بيان رسمي أنه لن يزور أمريكا إلا اذا عومل بنفس المعاملة التي يُعامل بها رئيس أمريكا عند زيارته لنا ... عندها سيلتف الشعب من حوله ويسانده ويباركه ويؤيده .

إن الشعب المصري عطشان للكرامة حتى وإن كانت مجرد كلام فقد نالها  عمرو موسى ـ وهو وزير للخارجية المصريـة ـ من كل مصري وقد كانت كل بضاعته كلام ، ولم يكن ذلك ضعفاً منه وانما ضعفاً في النظام ، ورغم ذلك أحبه الجميع وتغنى باسمه.

إن مصـر رغم كل ما أصابها ليست بهذا القدر من الضعف والهوان ـ وأمريكا رغم كل تجبرهـا ـ ليست بهذا القدر من القوة التي يصورها لنا الاعلام بأنها تفعل ما تريد وتحكم ولا راد لحكمها .

ان أمريكا مرحلة .... ومرحلة قصيرة جداً في عمر التاريخ ... وهي ارتفاع بغير أساس .. وهيمنة هيأت لها الأقدار التفرد والعربده ، وهي ليست خارج ملكوت الله ولا نبت شيطاني .. إنما هي من صنع الله وتعيش تحت سمعه وبصره وقدرته .. ويتركها لحكمه .. ويمهلها لأجل .

خلقها جل شأنه ليبلونا .. وينظر إلينا ما بين عابد لها وبين رافض ومقاوم ... ولم يحرمنا أسباب اذلالها والوقوف لها بالمرصاد .... إننا خير أمة أخرجت للناس ، وأرضنا هي أرض الديانات .. ومهبط الرسالات ، وأمدنا الله بالأنهار والثروات والقدرات التي سلمناها طوعاً لها دون مقاومة بعدما امتلكت فن الرعب الذي يحقق لها كل ما تطلب دون حرب أو قتال وبمجرد الزمجره والتكشير ، ولذلك فان سلطانها يقع بعيداً عن نفوذ المسلم الحق حتى ولو كان يعيش في قلبها .

انها ولايات تعيش على الرشوة وشراء الذمم وتخريب النفوس ولها أعوان من كل جنس ولون ، ويخضع لها كل من امتلكت زمام أمره واعتمد عليها في المأكل والمشرب ، ومهما تدعي من حرية وديمقراطية تظل أبعد ما تكون عن ذلك لأنها تشكل أهم مصدر من مصادر العبودية في العالم .... شعبها غرق في ترف الجور والفساد وعاش في مرتع حكام لصوص جعلوه معصوب العينين ، فلا يرى حجم الدمار الذي يفعلوه بالعالم ولا يتأثر بالدماء التي تسيل من حولهم أنهاراً .

ولقد رفعهم العِـلـم ـ الذي أفسدناه عن طريق فتحي سرور وحسين كامـل ـ رفعهم العلم واتخذوه سبباً في الرقى والتقدم ، وكونوا به منظومة متسانده تساعهم في تحقيق كل ما يطلبون ، ورفعتها المجالس النيابية الحقه التي تحاسب الرئيس وتعزله وليست كالتي عندنا والتي تصفق للرئيس وتنصره سواء كان على حق أم باطل . 

والشعب في أمريكا لا يبالي بالانتخابات ولا بالسياسة ولا يعرف ما تبقى من دول العالم ولا ما دمرته أمريكا ، وأذكر أيام حرب الخليج الثانية أيام جعلونا في مصـر نشعر ـ قيادةً وشعباً وكأننا ملئ السمع والبصر على مستوى العالم كله تعظيماً لدورنا في التواطئ والخيانة ـ أيامها سافر المرحوم عادل حسين إلى أمريكا وعندما عاد كتب لنا في "الشعب" ما أدهشنا وحيرنا حيث ذكر أن الناس هناك لا تعرف من هو رئيس مصـر ولا تعرف حتى أين تقع مصـر !!

ولا غرابة عندهم من أن يتقرب الرئيس للشواذ طالباً أصواتهم ، ولا وهو يعترف على شاشات التليفزيون عن علاقته الآثمة بـ "مونيكا" .... وأولاد الحرام في أمريكا أكثر من أولاد الحلال وهذه التركيبة الاجتماعية هيأت لاسرائيل كل أسباب القوة حتى ركبت الجحش الأمريكي وامتلكت لجامه ، وقادته بقوة لتحقيق كل أهدافها وأطماعها ، ولا يمكن لانسان عاقل أن يحترم أمريكا وهي على هذا النحو من البلطجة والعنصرية والتجبر والقسوة ـ إنما يحترمها كل من يخشاها ويتودد اليها خشية بطشها وعزله عن الحكم .

وأمريكا تعيش بأكثر من اسم ـ يطلق عليها الأوربيون (المدينة الفاسدة ) ،  ويطلق عليها الايرانيون ( الشيطان الأكبر ) ، ويطلق عليها معظم العرب ( قبلة الشر ) ، ويلعنها الجميع في السر والعلن ويتمنى العالم كله لو يصبح ولا يجد أمريكا .

إن المجتمع الأمريكي لا يكره غيره فحسب وانما يكره حتى نفسه ويخوض حرباً لا هوادة فيها على الحب في داخله ، وأطفاله يولدون ويكبرون في بيوت قائمة على القسوة والظلم ، بينما الشتائم والمشاجرات هي السمة الرئيسية للعلاقة بين الآباء والأمهات ـ ذكر ذلك علماء الاجتماع الأمريكيون عند بحثهم عن ظاهرة انتشار العنف بين الأطفال .

إن في أمريكا 13% من النساء يغتصبن سنوياً ، وأكثر من مليون مراهق ومراهقة ما بين سن 12 ، 13 سنة يغتصبن عنوة ، وتستجلب أمريكا سنوياً 20 ألف طفل بصورة غير مشروعة بغرض التجارة بالأعضاء البشرية والاستغلال الجنسي واجراء التجارب والاختبارات الدوائية .

هناك تحدث جريمة قتل كل 21 دقيقة واعتداء كل 17 ثانية ، وسرقة مسلحة كل 4 ثواني ، وسطو على المنازل كل 10 ثواني ، وسرقة سيارة كل 18 ثانية ، وحالة اغتصاب كل دقيقة ـ إنه مجتمع متفكك يحمل في أحشائه كل أسباب الهلاك والدمار .    

ويكفينا لكي نكره أمريكا أنها شريان الحياه لاسرائيل وهي التي تقف في وجه العالم كله من اجل اعلاء شأنها وتمكينها من العرب ... إن أمريكا تتحمل 60% من جميع نفقات اسرائيل في تطوير زراعتها ، و35% من تطوير خدمات الهاتف و58% من تطوير السكك الحديدية و64% من اجمالي نفقات بناء المدارس بالاضافة إلى شتى أنواع الأسلحة وكذلك المعونات الغير مباشرة التي توفرها سندات تطوير اسرائيل والمعفاه من الضرائب الأمريكيه علاوة على أنها تدعم كل أسرة في اسرائيل بما يفوق 38 ألف دولار سنوياً ( لكل أسرة مكونة من 5 أفراد)

وكل هذا قليل من كثير .. وما أصابنا على يديها يجب ألا ننساه فقد مكنت اسرائيل منا .. وساندتها في كل حروبها علينا .. وضربت الصومال والسودان وليبيا والعراق وأفغانستان .. وما زالت هي وذيلها الذي لن يستقيم أبداً ـ بريطانيا ـ تحاصر الاسلام والمسلمين في كل بقاع الأرض ، وبانحيازها الدائم للباطل جعلت العالم يعيش من غير قلب أو ضمير ، فأي عالم هذا الذي نشاهد فيه بأم عيننا ما يحدث في فلسطين ولا نتحرك ولا يتحرك غيرنا حتى لا يُغضب أمريكا ـ إنها تحاصرنا بالفيتو في مجلس الأمن ، وبالقوة العسكرية في البحار والمحيطات ، وبالعملاء في كل أرجاء الوطن . 

ما أوسع الفرق بيننا وبينهم ، وما أوسع المسافة بين الخير والشر ، وما أوسع الفرق بين مبارك زعيم مصـر وبوش زعيم الأوباش .. ما أوسع الفرق بين بلد الأزهر وبلد هوليود ... ما أوسع الفرق بين غاصب ومغصوب ، ومبصر ومعصوب ، وناهب ومنهوب .. ما أوسع الفرق بين الدول العربية والولايات الأمريكية .. ما أوسع الفرق بين حبنا لك مهما حدث في عهدك .. وكرهنا لهم مهما أمدونا من معونة ..

ما أوسع الفرق بين من ينتسب إلى الله ورسوله وبين من لا ينتسب إلا للشيطان وشارون ....

وقديماً قالوا : إن قيمة العبد من قيمة سيده ... ونحن لسنا عبيد لمبارك ولن نكون عبيد لغير الله .. لكننا نصاب بما يصيبه ونعاب بما يعيبه ونفرح بالكرامة حتى ولو كانت سبباً في ألا نجد ما نأكله ونتبرأ من العار الذي قد يوفر لنا رغد العيش والطمأنينة الكاذبة .

سيدي الرئيس :

إن الكرامة الحقه تكون حيث لا تكون أمريكا ...                  

وآخر دعوانا هو دعاء موسى لربه في سورة يونس الآية "88" (( وقال موسى ربنا إنك ءاتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا أطمس على أموالهم وأشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ))

صدق الله العظيـــم