أنا لا أخاف

 

 

ركضت سعاد كالعديد من أطفال البيرة باتجاه مقبرة الشهداء ، بعد أن رافقت الموكب الجنائزي الضخم للشهداء الأطفال الذين وقعوا ضحية صاروخ غادر بالأمس .

 اندفعت سعاد من بين جمهور الواقفين لحظة دفن الشهداء الستة وشيئا فشيئا وصلت إلى حافة القبر ، وحافظت على موضع قدمها حتى انتهت عملية الدفن ، فكانت بذلك قد شاهدت كل ماجرى ، فهذا قبر كبير ضم الأم الشهيدة وأطفالها الثلاثة وهناك قبرين لفتى ولإبن عمته الطفلة الشهيدة  . وهذه دماء الشهداء مازالت تجري حمراء قانية وقد تركت آثارها على خشبات الحمل ، وهذه قدم أو ... سقطت فأعادها القائمون على الدفن داخل كفن الأم ، وهذا وجه الفتى مليء بالجراح وتلك الطفلة الشهيدة التي نجت برأس سليم بدت كأنما تنام وتغرق في الأحلام ...

    تأملت سعاد كل شيء،  وظلت إلى النهاية ؛ بعد أن أرتفع التراب فوق الشهداء ونثر الأطفال الورود والدفاتر المجروحة المحروقة فوق قبور أصحابها ...

وبدأت سعاد تغادر المكان مع آخر الباقين من المشيعين والصحفيين ، كانت تبدو طبيعية طوال الوقت وتنثر بسمة أو ضحكة هادئة من وقت لآخر غير آبهة بما رأت . تلوح بكيس بلاستيك في يديها وتلتفت هنا وهناك ترقب حركات المارة وتصرفاتهم . كانت المقبرة كبيرة وواسعة وشواهد القبور البيضاء تصطف في نظام جيد يجعل المكان مرتبا وزاهيا .. وقفت سعاد عند مشرب ماء    سبيل يقع في مقدمة المقبرة – فجاء نظرها نحو سيدة تنظر إلى قبر ما وتبتسم ... بل ربما تضحك ..

شربت سعاد مرة بعد مرة ثم مرة ثم مرة ... ثم نظرة باتجاه السيدة التي كانت تبتسم هناك فوجدتها قد غادرت المكان .. أسرعت سعاد إلى المكان الذي وقفت فيه السيدة لعلها تفهم سبب ابتسامتها ... تأملت سعاد ما كتب فوق القبور هناك .. فكان أولها قبر الشهيدين الطفلين الشقسقين : شهيد وملاك وبجانبهما صف من قبور الشهداء الكبار ...

حملت سعاد نفسها وأسرعت هذه المرة لتغادر المكان نهائيا مع آخر دفعة من الباقين هناك ..

وبعد الخروج من مقبرة الشهداء .. شعرت سعاد كأنما لون الأشياء من حولها  قد اختلف .. فضاعفت من سرعتها لتصل المنزل بسرعة .. منزل ليس بعيد لكنها بدأت تشعر أنه ربما يكون اليوم بعيد .. الكيس يترنح بين يديها بقوة أكثر وربما بدأ يتمزق ..

دخلت سعاد المنزل ،  بدأت هي بالكلام مع كل من ترى أمامها ودون أن يسألها أحد .. تتكلم عما رأت وتروي بدقة تفاصيل ما رأت .. وكلما سألها أحد : ألم تخافي يا سعاد ؟ تهز سعاد كتفها وتقول : لا طبعا ، لم أخاف ، عادي ... أنا لا أخاف ....

شعرت سعاد بملل غريب مما حولها في ذلك المساء ، فآثرت الذهاب للنوم مبكرة ،، جاء نوم تلك الليلة مزعجا ومملا .. سعاد تتذكر ما قيل لها من أنها لن تعرف النوم الليلة فتقول في نفسها : لا أنا لا أخاف ... عادي ...

وعندما أصبحت سعاد على مشارف النوم .... وفجأة ........ صوت قوي مفاجئ هز أركان البيت .. صوت قصف .. صرخت سعاد ... وصرخت مرة تلو المرة فزعة من صوت القصف على الرغم من أنها اعتادت عليه من قبل  كانت تصرخ هذه المرة كأنما وقع الصاروخ في غرفتها بينما القصف كان باتجاه آخر ...

دخلت أم سعاد مسرعة إلى الغرفة وأخذت سعاد بين أحضانها وقرأت لها بعضا من الآيات القرآنية ثم اصطحبت سعاد إلى غرفة الجلوس حيث كل العائلة هناك . 

اقترح الأخ الكبير "عادل" أن يصطحب سعاد معه إلى الدكان القريب ليشتروا بعض الأغراض ، ويقع منزل سعاد في وسط حيّ عامر من البيرة . وعندما وصول سعاد وأخيها إلى الدكان صدع في المكان صوت قصف مفاجيء وجديد .. قصف قوي  ..وانبطح كل من تواجد في المكان أرضا ..  فصرخت سعاد ..  وألقت ما بيديها وأخذت تركض باتجاه المنزل .. ودفعت باب المنزل بكل قوة وهي تبكي وتصرخ بلا صوت .. ودون أن تكلم أحدا دخلت إلى غرفتها واختبأت تحت عدة أغطية وشراشف .. وأخذت ترجف وتتصبب عرقا وتتقفد يديها ورجليها ... وقبل أن تغرق في نوم جديد لم تتجاهل الرد على عادل الذي أخذ يهزأ منها وهو يقول :" يا خويفة .. أنت تخافي .. هذه كانت صواريخ قتلة مهند أبو حلاوة وصحبه في بيتونيا .. وليس هنا يا خويفة ... واستمر يقول لها: كل من كان في الشارع ضحك عليك وأنتي تركضي وتصيحي ..

لكن سعاد مصرة على قولها : لا أنا لا أخاف .. أنا لا أخاف ......... أنا لا أخاف .. ثم استسلمت للنوم  ..

أخذت سعاد تتقلب يمينا وشمالا أثناء نومها .. وتنظر إلى الأطفال المقطعين .. تحاول أن تجمع لهم بعضا من أجسادهم المقطعة .. وتقول لأم الأطفال : هذه قدمك .. وتجمع كتب الأطفال وتحاول إصلاحها وترتيبها وإزالة بقايا اللحم والدم عنها ... ولكن الغريب أن سعاد كلما جمعت قطعة من جسد أو أصلحت دفترا عاد الوضع كالسابق وعادت من جديد تجمع وتصلح ..

أفاقت سعاد مع صوت المؤذن للفجر ورأسها ثقيل ثقيل كأنما كان يدور طوال الليل .. كان العرق يغرق ملابسها الداخلية .. لكنها لم تقوى ولم تجرؤ على النهوض من تحت الأغطية التي جمعتها فوقها حتى أفاق كل من في المنزل وملأوا البيت ضجيجا وحركة ...

نهضت سعاد أخيرا من مكانها ، وتصرفت بشكل عادي جدا وكأن شيئا لم يحدث . وانطلقت نحو المدرسة وهي قريبة  من منزلها . وفي المدرسة كانت سعاد حريصة على أن تظهر لزميلاتها في الصف السابع الأساسي وباقي تلميذات المدرسة وهي تروي لهن ما يحلوا لها من أحداث مرت - كم هي شجاعة .. وأنها برغم كل شيء عادية جدا .. ولا تخاف ... لا تخاف ..

 

 

 

ربيحة علان علان

رام الله – فلسطين