المبادرة السعودية تعيد القضية الفلسطينية إلى إطارها العربي

 

 

بقلم : بلال الحسن

 

 

أثارت مبادرة الأمير عبد الله ولي عهد السعودية جدلا واسعا في كل مكان، ولقيت اهتماما متفاوت الدرجات في العواصم العالمية، فقد رحبت بها أوروبا ترحيبا شديدا، وقيمتها كل من روسيا والصين بايجابية، وأثنت عليها واشنطن بوقار بارد، ولكن اسرائيل..... اسرائيل المعنية أصلا بالمبادرة، تعاملت معها حتى الآن بحذر شديد.

الفلسطينيون بادروا الى إعلان تأييدهم للمبادرة، ويلاحظ أنهم أعلنوا ذلك بحماس، ويخفي هذا الحماس حقيقة أخرى يجب أن لا تغيب عن الذهن. فالمبادرة تعني بالنسبة للفلسطينيين شيئا أبعد من مسألة التأييد أو الدعم يأتيهم في لحظة حرجة مع عنف ارهاب حكومة آرييل شارون. المبادرة تعني هنا عودة العالم العربي الى واجهة الصراع حول القضية الفلسطينية. ذلك أنه منذ اتفاق أوسلو الموقع عام 1993، تحولت القضية الفلسطينية الى قضية ثنائية بين إسرائيل والفلسطينيين. وهناك من قال ان القضية الفلسطينية تحولت بسبب أوسلو الى قضية اسرائيلية داخلية، الى قضية محلية، وما يجري فيها لا يهم العالم العربي ما دام الفلسطينيون قد ارتضوه لأنفسهم، ولكن المبادرة السعودية جاءت لتلغي هذا الوضع، وتصحح مسار أوسلو، وتضع القضية ثانية في إطارها الصحيح، كقضية تخص العرب جميعا في مواجهة إسرائيل.

لقد وجد في مناخ أوسلو، وبين الفلسطينيين أنفسهم، من صور اتفاق أوسلو على أنه خروج من بوتقة «الوصاية العربية»، وكان أصحاب هذا الرأي يصورون الأمور خطأ بأن العرب لا يريدون إنجاز حل للقضية الفلسطينية، ويريدون في أحسن الأحوال أو أسوأها، الاستفادة من القضية الفلسطينية لتحسين أوضاعهم مع الولايات المتحدة، أو لتحسين أوضاعهم التفاوضية مع إسرائيل. وليس هناك ما هو أدل على ذلك، حسب رأي هذا الفريق، من أن التفاوض المربوط بالعرب استمر سنوات من دون أن يصل الى نتيجة، ولكن ما أن أخذ الفلسطينيون الأمر بأيديهم حتى أنجزوا اتفاق أوسلو مع اسرائيل في فترة تفاوض لا تزيد عن سنتين. ولكن فترة التفاوض الفلسطيني مع حكومات اسرائيل المتتابعة، لتطبيق اتفاق أوسلو، بدأت تنزع أوراق الوهم عن هذا الفهم الخاطئ يوما بعد يوم، وتجربة بعد تجربة، وحكومة اسرائيلية بعد حكومة اسرائيلية.

حكومة اسحق رابين الذي يعتبر أكثر القادة الاسرائيليين حماسا لأوسلو، ماطل طويلا قبل أن يعقد اتفاق الانسحاب (إعادة الانتشار) الثاني من مدن الضفة الغربية السبع، وحين ابرم الاتفاق اخترع تقسيمات (أ) و(ب) و(ج) لكي يحافظ على استمرار السيطرة الاسرائيلية الأمنية على الضفة الغربية، كما اخترع نظرية الطرق الالتفافية للحفاظ على الاتصال مع المستوطنات الاسرائيلية، وأدار بواسطة وزير خارجيته شمعون بيريز، جدلا بيزنطيا كي لا يوافق على عودة نازحي 1967 الى أراضيهم ومواطن سكناهم. ثم جاء من بعده بنيامين نتنياهو الذي عطل عمليا مسيرة التفاوض ثلاث سنوات. ثم نجح إيهود باراك مترئسا حكومة جديدة من حزب العمل، وقاد الأمور باتجاه: إلغاء حق العودة، والسيطرة على القدس وعلى المسجد الأقصى، والاستيلاء على 42% من أراضي الضفة الغربية (وليس 4% كما تشيع الحملة الإعلامية الأميركية ـ الإسرائيلية)، وقاد نهجه هذا الى فشل مفاوضات كامب ديفيد الثانية. أما بعد أن جاء شارون، وقاد المنطقة الى حمام دم مفتوح يوميا أمام مشاهدي التلفزيون، فقد وصلت الأمور مع اتفاق أوسلو وأنصاره الى نقطة الصفر، وظهرت الانتفاضة كبديل للفهم الاسرائيلي لاتفاق أوسلو على أرض الواقع. ظهرت كوسيلة نضال لاسترداد الحق، بعد أن تم «تجريب» النظرية الأخرى، نظرية الحل الثنائي والمنفرد على مدى سبع سنوات تفاوضية، أثمرت سلطة فلسطينية على 18% من الأرض فقط. ولكن الانتفاضة كفعل فلسطيني ضد منطق الحلول المنفردة والثنائية، ما كان لها أن تعيش وحيدة في العراء، كان لا بد لها من دعم، وكان لا بد لها من دعم عربي، وقد جاءها هذا الدعم من الأمير عبد الله مرتين، مرة عبر صندوق الانتفاضة (مليار دولار)، ومرة عبر إعلان المبادرة السعودية. ولهذا نقول إن الترحيب الفلسطيني بالمبادرة ليس ترحيبا بسبب الدعم والتأييد، بل هو ترحيب بما يمثل نقلة وعودة الى وضع القضية الفلسطينية في إطارها الصحيح، كقضية عربية، وسواء كان ذلك عبر النضال، أم عبر التفاوض، أم عبر التزاوج بينهما.

هذا الفهم للمبادرة السعودية، كمبادرة تعيد القضية الفلسطينية الى إطارها العربي، أدركه الإسرائيليون بعمق، ولذلك تحركوا ضد المبادرة منذ اللحظة الأولى. فهم مرتاحون الى أن تبقى القضية الفلسطينية قضية ثنائية، أو محلية، وهم مرتاحون الى أن تبقى السلطة الفلسطينية تتحرك داخل قبضتهم الأمنية، ولذلك يرفضون وينزعجون من كل ما من شأنه أن يخرج الأمور من هذا الإطار، ويعيد الربط بين الفلسطينيين والعرب في قضية التفاوض القائمة. ولهذا قالت حكومة اسرائيل أنها لن تتعامل مع مبادرة وصلت اليها بالطرق الإعلامية، وهي تنتظر أن تتلقى هذه المبادرة بصفة رسمية. ولهذا أيضا قالت حكومة اسرائيل أنها مستعدة لإرسال رئيس الدولة موشي كاتساف الى السعودية أو استقبال الأمير عبد الله في اسرائيل (قالوا نستقبله في القدس) لبحث تفاصيل المبادرة. ثم تراجعوا وعادوا ليقولوا إن ما يرغبون به هو قدوم الأمير عبد الله الى إسرائيل وليس ذهاب كاتساف الى السعودية. هذه المواقف الثلاثة لها جوهر واحد هو اعتراض طريق المبادرة السعودية كمبادرة عربية، وتحويلها من جديد الى حوار ثنائي إسرائيلي ـ سعودي. وحسنا فعلت السعودية حين تجاهلت هذا الموقف الإسرائيلي بالكامل، وحين قالت لممثل الاتحاد الأوروبي ان الأمير عبد الله لا يسعى الى التفاوض مع أحد على المبادرة قبل طرحها في قمة بيروت العربية.

لا بد أن نشير هنا الى أن المناخ السياسي السائد في إسرائيل (بين السياسيين وفي الإعلام فقط، وليس في الشارع بعد)، نظر إلى المبادرة السعودية نظرة مختلفة، ورأى فيها خشبة خلاص لحكومة شارون من الوضع المتردي الذي وصلت اليه الأمور أمنيا واقتصاديا، وكتب الكثيرون ناصحين شارون بأن يتفاعل مع المبادرة ايجابيا، وأن لا يفوت الفرصة المتاحة. وكتب آخرون معبرين عن تشاؤمهم من أن يلتقط شارون الفرصة، بل وتوقعوا أن يفعل كل ما بوسعه لتخريبها، حتى ليمكن القول ان إسرائيل تعيش حالة من الاضطراب الداخلي بسبب المبادرة، فهي محرجة أمام منطقها وايجابيتها، وهي محرجة أمام التأييد العالمي لها، ولذلك لا تستطيع أن تكشف علنا عن الميل لرفضها.

وفي نظرة سريعة على مواقف القوى المؤيدة لحكومة شارون، نستطيع أن نكتشف بسرعة معالجتها لموضوع المبادرة على طريقة «تأبط شرا». فأحدهم (دان مرغليت) يكتب محذرا «ان اتفاق السلام سيكلف 30 ـ 40 مليار دولار (؟؟). ومن المهم أن نرى اسم السعوديين في قائمة التمويل»، ويكتب آخر ان الانتفاضة الفلسطينية كانت عبئا على العالم العربي، ولذلك فإن المبادرة السعودية جاءت للتخلص من عبء الانتفاضة. وكل هذا يعبر عن التخبط والاضطراب ولا يعبر ابدا عن سياسة رصينة لحكومة رصينة.

ان المبادرة لم تزل حتى الآن توجها لم يتحول بعد الى خطة رسمية. وهناك مجال لبلورتها واستكمالها سعوديا، وهناك مجال لاعتمادها كخطة عربية رسمية في مؤتمر القمة المقبل، وهناك مجال لصدور قرار عن الاتحاد الأوروبي لاعتمادها كخطة عمل، وهناك سعي فرنسي لتحويلها إلى قرار يصدر عن مجلس الأمن. وحين يكون للمبادرة هذا الصدى كله، فلا بد أن تكون لذلك أسبابه. ويمكن أن نجمل هذه الأسباب في ثلاثة أمور:

ـ شخصية الأمير عبد الله التي كشفت عن نهج سياسي متماسك، وليس عن موقف ايجابي أو شجاع هنا أو هناك.

ـ مكانة المملكة العربية السعودية التي بدأت تتحول منذ سنوات الى قوة قائدة في المنطقة.

ـ جوهر المبادرة الذي يعيد وضع القضية الفلسطينية في إطارها العربي.

ان هذه الأمور الثلاثة تتكامل مع بعضها، وتشكل الحدث الذي نعيشه، والذي يعرف المناضلون الفلسطينيون من خلاله أنهم لا يقفون وحدهم في المعركة.