العم سام يتزوج خمس عشرة امرأة!
بقلم : آمال موسى
لطالما استخدم الغرب تعدد الزوجات، باعتباره المسألة
التي يُمسك المسلم من خلالها وتسدد له الضربات المعنوية الموجعة، على اساس انها
علامة من علامات التخلف، وبرهان قاطع، يدل على اختراق حقوق المرأة، واسترقاقها،
بشكل يحط من كبريائها، ويُعرض انوثتها لويلات الاهانة.
ولطالما ايضا سعى المفكرون الدينيون الى تحليل هذه
المعضلة، فأبرز البعض ان تعدد الزوجات مرتبط بسياق تاريخي معين، له مبرراته، في
زمن احتاجت فيه الدعوة المحمدية الى ما لا نهاية من المسلمين، للجهاد في سبيل
الله، ولنشر راية الاسلام، في كافة اصقاع العالم.
واردف البعض الآخر، من المفكرين الدينيين، بأن النص
القرآني الذي يحتكم اليه جميع المسلمين، وضع لتعدد الزوجات شرط العدل بين الزوجات،
وابرزت نفس الآية، عسر تحقيق هذا الشرط، الشيء الذي جعل ميزان التأويل يميل لصالح
ان ديننا بريء، في جوهره من الدعوة الى تعدد الزوجات.
واليوم، كما هو معلوم، اصبحت مسألة تعدد الزوجات، في
عداد الماضي، وصارت الاجيال الجديدة، في البلدان العربية الاسلامية، اكثر ميلا،
لبناء اسرة موحدة، ذات رفيقة واحدة، يسكن اليها الزوج، فتتعاظم بينهما المودة.
وبالرغم من ان العرب المسلمين، قد اغلقوا ملف تعدد
الزوجات، إلا اننا نحن فقط من دون سائر البشر، ما نزال نتحمل تبعات تهمة تعدد
الزوجات، بل ان الغرب لا يستطيع ان ينهي حديثا عن العرب والمسلمين من دون ان يقرع
باب هذه المسألة التي اضحت مفتاحا من مفاتيح مقاربتنا، ومعظم الكتب المهتمة
بالعالم العربي الموجودة في الغرب، تكرس اهتمامها لهذه المسألة، باعتبارها الاكثر
فظاعة، والاكثر اقناعا، على بداوتنا واستهلاكنا المقرف للمرأة، كما المتاع!
هكذا، استمر الوضع الى غاية يوم الخميس قبل الفارط،
عندما جاءنا برنامج «المبعوث الخاص» الفرنسي بما قلب الاوضاع رأسا على عقب، فإذا
بالقناة الفرنسية الثانية، تقدم لنا ريبورتاجا ما كان ليخطر على بال عربي ان
الخيال قادر على حياكة مثله!
فبعد ان عرض علينا صحافي البرنامج تحقيقا عن النفايات
الالكترونية التي تبلغ في فرنسا مقدار مليون طن ونصف طن سنويا، ثم تحقيقا آخر، عن
تجارة الاعضاء البشرية، بين مولدافيا وتركيا واسرائيل، قدم لنا صاحب اشهر البرامج
الاخبارية الفرنسية، تحقيقا قد يكون اكثر التحقيقات التي قدمها مفاجأة، ومفاجعة،
وفضائحية!
انطلق التحقيق ـ المقصود ـ من
Salt Lake City، وهي مدينة
امريكية، احتضنت مؤخرا الالعاب الاولمبية الشتوية، التي افتتحها الرئيس الامريكي
جورج دبليو بوش. ونحو هذه المدينة توجهت عدسة برنامج المبعوث الخاص، لتستقر عند
طائفة المورمون الانجيلية المعروفة بأن كنيستها الكبرى موجودة في هذه المدينة.
الى حد هذه النقطة، كل شيء بخير، ولا شيء يلفت الانتباه،
بل انه لم يظهر بعد أي داع من دواعي الفضيحة، التي اشرت اليها سابقا.. الى ان حول
الصحافي وجهته سريعا ليتحدث عن ظاهرة تعدد الزوجات عند طائفة المورمون، وحاور
المبعوث الخاص رجال دين هذه الطائفة، وهم كلهم ممن يمارسون تعدد الزوجات. من ذلك
تمت محاورة رجل اعمال كبير، متزوج من خمس عشرة امرأة، ولديه ثلاثة وسبعون صغيرا.
هذا الرجل قال إن حل مشاكل العالم، يكمن في تعدد الزوجات، وعندما سأله الصحافي عن
وجهة نظر القانون الامريكي الذي يمنع تعدد الزوجات اجابه بأن الدستور الامريكي
يحمي عقائد الناس وبأن مسألة تعدد الزوجات تمثل عقيدته، مضيفا بأنه ما دام يخفي
امره فلن يحصل له شيء!!.
وانتقل المبعوث الخاص، ليطرح السؤال ذاته على احدى زوجات
الرجل الثري القابع في قصره، فقالت إن تعدد الزوجات امر يرضيها لأنه في اعتقادها
«امر إلهي».
زُبدةُ الحديث، ان امريكا حقوق الانسان، امريكا القانون،
امريكا محور الخير، امريكا التقدم، هي تلك امريكا التي اخذنا الى احدى مدنها
المبعوث الخاص، حيث رأينا الرجل يتزوج من خمس الى خمس عشرة امرأة دفعة واحدة، ودون
ان يكون هناك سقف رقمي لعدد الزوجات.
طبعا، لقد قرأنا الكثير عن مآسي الفقر، في الولايات
المتحدة الامريكية، وشاهدنا العديد من فصول الانحراف، وعايشنا لقطات دامغة من
العنصرية، وكل ذلك كان يبرر بحالة واسعة وهائلة من التناقضات تفرزها الدول الكبرى،
فيصبح الثراء مجاورا للفقر والالتزام بالقانون، يسير جنبا الى جنب مع الانحراف،
ولكن ان تعشش ظاهرة تعدد الزوجات في الولايات المتحدة الامريكية، وان تبلغ الظاهرة
هذا الحد المدهش من الممارسة عند طائفة المورمون، فذاك امر يثير الشك اكثر من
الاستغراب، وذلك لأننا امام ظاهرة تنم عن ثقافة يغمرها الغبار وعن نمط حياة وعن
وعي حضاري بالقانون وبالذات وبالآخر، فالفقر يفسر اقتصاديا، اما نزوع افراد في
امريكا الى تعدد الزوجات فهو حدث يجعلنا نتساءل عن عمق الثقافة الامريكية وصدق
القيم المتعلقة بحقوق الانسان في بلاد العم سام.
بالاضافة الى ان الثقافة الامريكية المعلنة، ستصبح تبعا
للمعطيات الجديدة ثقافة جزئية حتى ولو تمثلها معظم الشعب الامريكي، فيكفي ان تنفلت
هذه الطائفة من دائرة القيم الامريكية حتى تتسم هذه القيم المروجة عالميا
باللاشمولية واعتقد ان مثل هذه السمة تمنع امريكا من تصدير ثقافتها بما انها لم
تتمكن بعد من تحقيق الاكتفاء الذاتي.
ان مثل هذه التفاصيل الكبيرة، وهذه الفضائح المسكوت
عنها، وحدها تفسر ما لا نستطيع تفسيره في السلوك الامريكي تجاه العالم، اذ ان هذه
التجاوزات الحاصلة في كواليس الولايات المتحدة هي المبررة وبصفة غير مباشرة
للتجاوزات التي يرتكبها البيت الابيض فيحول العالم الى سواد. انه مثال جديد يؤكد
ان الغرب لم يجمع شتات ضعفه لينظر في المرآة وليمعن النظر في وهنه، لذلك فهو الى
حد الآن لم يكتشف صورته الحقيقية وما زال يتعامل مع ذاته ومع الآخر بحساب الصورة
التي يحلم بها.
يبقى القول ان هذا الريبورتاج التلفزيوني، الذي يشبه
الحقيقة التي دائما ما تأتي متأخرة، تناوبت على بثه عدة قنوات فرنسية أخرى، وربما
كانت جدواه ستكون اكبر، لو تزامن عرضه مع ريبورتاج كانت قد بثته «تي في 5» حول
المرأة في افغانستان وذلك بعد ايام قليلة من احداث 11 سبتمبر 2001.
ساعتها كان من الممكن بحكم اللحظة ووقع المفاجأة ان نقيم مقارنة بين ثقافة تبيح
التزوج بأربع نساء وبين دولة عظمى يشير واقعها الراهن الى ان الفرد فيها يتزوج
بخمس عشرة امرأة!
يبدو ان امريكا لا تخلو من فلكلور حقيقي، بل ان الفلكلور
العربي امام فلكورها قد اضحى لا شيء يذكر، والغلبة ـ كالعادة ـ هي من نصيب فلكلور
العم سام!