عن (هيكل) وعزام والأفغان العرب

 

بقلم : ياسر الزعاترة

 

في مقاله في العدد الأخير من «وجهات نظر» وعنوانه «واشنطن تؤذن للجهاد في كابول»، يعتمد الصحافي العربي المعروف محمد حسنين هيكل على ثلاثة مصادر أجنبية، الأول هو «طالبان: الإسلام والضغط والصراع الكبير في وسط أسيا»، للصحفي الباكستاني أحمد رشيد، والثاني هو «غسيل الواقع.. المخابرات الأمريكية والمخدرات والصحافة» ومؤلفاه هما الكسندر كوكبيرن وجيفري سان كلير، فيما الثالث هو «الحروب غير المقدسة: أفغانستان،أمريكا، الإرهاب الدولي» ومؤلفه هو جون كولي.

 

لو اقتصر حديث السيد هيكل على البعد الدولي والإقليمي في قصة أفغانستان من الغزو السوفييتي وحتى نهاية حركة طالبان لكان ذلك مقبولاً، ولكن أن يتحدث أيضاً عن المجاهدين العرب في أفغانستان وتجربتهم دون الرجوع إلى أي من شهادات أهل التجربة ولو من باب الاستئناس -إن كان لا يصدق روايتهم- فإن ذلك يغدو غريباً من صحفي كبير ينظّر على الناس في أصول المهنة والنزاهة والموضوعية.

 

سيما وأن شهادات من هذا النوع ليست بعيدة عن يده، ومنها تلك الكتب التي صدرت عن الشيخ عبدالله عزام أو الشهادة المنقولة لأحد أوائل المجاهدين العرب، صهر الشيخ عبدالله الجزائري عبدالله أنس، إضافة إلى كتاب أيمن الظواهري (فرسان تحت راية النبي) ورد المحامي منتصر الزيات عليه.

 

لن نتطرق هنا إلى ذلك الشق المتصل بتداخلات المصالح في حكاية الجهاد الأفغاني والدور الأمريكي الباكستاني السعودي المصري فيه، فقد قدمت روايات مختلفة حول الأدوار المذكورة، وهي في المحصلة روايات سياسية واستخبارية من الصعب الوثوق بها الى حد كبير.

 

وهنا أيضاً كان من الممكن للكاتب الكبير أن يأخذ شهادات لسعوديين وباكستانيين، سيما وأن مثل تلك الشهادات قد توفرت في الآونة الأخيرة إثر هجمات مانهاتن في الحادي عشر من أيلول الماضي.

 

ما يعنينا هنا هو ذلك الشق المتصل بالمجاهدين العرب في أفغانستان، فقد وقع الصحفي الكبير في عدد لا بأس به من الأخطاء، يفسرها الكثيرون بالموقف السلبي المسبق، ولم يكن موفقا في تتبعه لوقائع الدور العربي في الجهاد الأفغاني، ونقصد هنا الدور الشعبي وليس الرسمي.

 

الشيخ عبد الله عزام لم يكن من حزب التحرير كما ذهب هيكل، وهو لم يؤيد حلف بغداد لأنه كان طالباً في المدرسة حينذاك. أما مشاركته في الجهاد الأفغاني فقد سبقه إليها كمال الدين السنانيري من مصر، وهو أيضاً لم يكن مبعوثاً سعودياً، في الوقت الذي لم تكن فيه تداخلات المصالح خافية عنه. أما أسامة بن لادن فلم يكن يملك مكتباً للمقاولات في كابول قبل انخراطه في الجهاد الأفغاني لأن من شجعه على المجيء إلى هناك كان الشيخ عزام نفسه، وهو جاء متبرعاً في البداية ثم انخرط في الجهاد بعد ذلك. يضاف إلى ذلك أن أعداد المجاهدين العرب في أفغانستان لم يكونوا بعشرات الآلاف بل أقل من ذلك بكثير حيث لم يصلوا حدود العشرة الواحدة وليس العشرات.

 

لم يكن مقبولاً بحال أن يتحدث هيكل عن المجاهدين العرب في أفغانستان كما لو كانوا مرتزقة، حيث يروي قصة تدعو إلى الرثاء حول «إضراب» العرب عن الجهاد، ومطالبتهم بضمانات لما بعد نهاية الجهاد، وهو ما حصل حين التقاهم مندوب عن المخابرات الأمريكية وقال لهم إن ثمة (2000) تأشيرة هجرة للولايات المتحدة جاهزة لمن يبلي بلاءً حسناً في الجهاد !! ويضيف أمراً مدهشاً آخر، هو أن تأشيرة الشيخ عمر عبد الرحمن قد كانت ضمن تلك التأشيرات. وهو الذي جاء إلى باكستان وشجع العرب على الجهاد!!

 

لم يقل أحد للاستاذ هيكل أن أكثر من نصف المجاهدين العرب كانوا من السعودية ودول الخليج وأن جزءاً لا بأس به منهم قدموا من الولايات المتحدة والدول الأوروبية طمعاً في الشهادة وأجر الجهاد، ولم يكن هدفهم هو دولارات واشنطن وتأشيراتها !!

 

هل يمكن القول إن خصومة الإسلاميين وكذلك السعودية ودول الخليج مع عبد الناصر ما زالت تسكن عقل هيكل، وتحرّك مواقفه؟.. لا نجد تفسيراً آخر، لأنه حتى أعداء الإسلام لم يقولوا إن الشبان العرب الذين حملوا أرواحهم على أكفهم وذهبوا إلى أفغانستان قد فعلوا ذلك أملاً بتأشيرة لدخول أمريكا، وهم الذين كان عداؤهم للولايات المتحدة لا يقل عن عدائهم للاتحاد السوفييتي. بل إن معظم المؤشرات تدل على أن (الموساد) هو من قتل الشيخ عزام عندما بدأ يمد نشاطه نحو الأراضي المحتلة إثر ظهور حركة المقاومة الإسلامية «حماس».

 

لعل الأغرب من ذلك كله هو ما تضمنه المقال من إصرار من لدن هيكل على أن منفذي هجمات أيلول هم عناصر «بلقانية» والعهدة في الرواية بعد التحليل الخاص على «مصادر في بروكسل» !!