خطورة تحويل النظام العراقي إلي نظام انتحاري

 

بقلم : د. عبدالوهاب الافندي

 

خلافاً لما يشاع عن النظام العراقي فإنه يظهر عقلانية، ربما أكثر من اللازم في تعامله مع التحدي الامريكي لوجوده. وربما يكون التعقل العراقي في غير مكانه لأنه لم يكن من التعقل بما يكفي لكي لا يرتكب خطأ غزو الكويت، او بحيث يجد مخرجا سريعا ومناسبا من تلك الورطة، ولكنه من جهة اخري توقف في استخدام الترسانة الضخمة التي كانت بحوزته من الاسلحة الكيماوية والبيولوجية، خشية ان يؤدي ذلك الي ردة فعل امريكية قوية تطيح بالنظام.

ومنذ ذلك الحين اتبع النظام العراقي استراتيجية ثابتة تقوم علي الانحناء للعاصفة بغرض تجنيب نفسه المخاطر. وقد استدعت هذه السياسة الكثير من ضبط النفس، وتحمل ما يصعب تحمله. ولكن الهدف كان واضحاً، وهو الحفاظ علي بقاء النظام، وأكبر قدر من قوته، تحسباً للمستقبل.

من هنا فان التصريحات الاخيرة للرئيس الامريكي جورج بوش ومساعديه بأنهم ينوون الاطاحة بالنظام العراقي مهما فعل واتي، تقلب هذه المعادلة. فاذا كان الامريكيون صادقين في هذا التهديد، فهذا يعني ان النظام العراقي لم يعد لديه ما يخسره من ترك التعقل علي طريقة علي وعلي اعدائي.

زعماء الولايات المتحدة يحتجون في حملتهم علي العراق بأنه خطر علي جيرانه وعلي العالم، وانه يطور اسلحة دمار شامل، ولا يوجد سبيل الي احتوائه، حتي مع استمرار العقوبات وعودة المفتشين، ولكن هناك اجماعا بين معارضي النظام ومؤيديه بأن الخطر الوحيد الذي يشكله النظام العراقي هو علي شعبه وعلي نفسه. فالثابت ان النظام العراقي لم يضر ذبابة خارج العراق منذ مغامرته غير الموفقة في الكويت. ويعتبر ضبط النفس الذي تحلي به العراق مثيرا للدهشة علي الرغم مما تعرض له من استفزازات لا حصر لها من دول مجاورة وغير مجاورة. ولعل ضبط النفس ليس السبب الوحيد لتصرف العراق المثالي تجاه الغزو (من تركيا) والقصــــف، ودعم المعارضة المسلحة، والاستفزاز اللفظي والاقتصادي، فقد يكون سبب آخر ابسط، وهو انه عاجز عن الرد، او متخوف من ان يؤدي الرد الي عواقب لا تحمد.

وهذا يعني إما ان العراق يفتقد اسلحة الدمار الشامل كما يزعم خصومه، او انه لا يمكن قط ان يصنف في عداد الدول المارقة او غير المسؤولة ـ لأن دولة تمسك عن استخدام اسلحة الدمار الشامل رغم كل هذه الاستفزازات هي دولة تتحلي بأعلي قدر من المسؤولية. فهناك شك كبير جدا في ان ترد اسرائيل او الولايات المتحدة بهذا القدر من ضبط النفس اذا تعرضت اي من الدولتين لمثل هذا الاستفزاز.

العراق يبدو إذن غير قادر وغير راغب في تشكيل خطر علي جيرانه في المرحلة الحالية، ولكن خصومه غير مقتنعين بهذا الأمر، لأنهم يعتقدون ان العراق يريد فقط كسب الوقت حتي يتخلص من العقوبات ثم يعود لتجهيز نفسه بتسليح ودروس من تجربته الماضية تجعل من الصعب احتواؤه في المستقبل. وبالطبع فان هذه حجة يصعب دحضها، لأنها يمكن ان تورد في حق اي دولة، بما في ذلك الولايات المتحدة، فقد صور خيال الكتاب ومنتجي أفلام السينما الولايات المتحدة وقد وقعت بكل ارصدتها وما فيها من مقدرات، اما في ايدي جمعيات دينية متعصبة او قوي شيوعية او في ايدي مجانين. واذا ترك المرء العنان لخياله ومخاوفه، فليس هناك حدود لما يمكن تخيله، فقد تتحول دول تأمنها الولايات المتحدة وتدعمها مثل مصر والسعودية الي مصدر تهديد كما حدث لايران عام 1979، وقد يحدث العكس، كما حدث لمصر في عهد السادات، وكما حدث للعراق نفسه بعد حربه مع ايران.

مهما، يكن، فان الولايات المتحدة الآن لا تأمن العراق ولعل لهذا سبب لا علاقة له بتهديده العسكري المستقبلي، بل بتهديده السياسي الراهن، فلو ان العراق نجا من العقوبات واستعاد استقلاله وحريته في التصرف في موارده، فان هذا سيمثل هزيمة قوية للولايات المتحدة، كونها فشلت في اسقاط النظام العراقي. وبما ان النظام استمر في تحدي الولايات المتحدة وحلفائها، فان عودته الي الساحة الدولية قد تبعث الرعب في هذه الدول وتهز مصداقية الولايات المتحدة، كمدافع عن حلفائها، كما حدث عندما اضطرت للانسحاب من فيتنام. ولهذا فان الادارة الامريكية لن تقبل طائعة بالسماح للعراق بالخروج من القفص.

العراق كان يأمل ان يفعل الزمن فعله في الحصار والعقوبات، فتتآكل وتنهار. وهذا بالضبط ما تخشاه الولايات المتحدة، خاصة بعد ان ظهرت الدلائل جلية علي ذلك، وتصدعت الجبهة التي كانت تناهض العراق ونظامه، ولم يعد كل اطرافها يرون رأي ثلاثي الكويت ـ بريطانيا ـ الولايات المتحدة في ضرورة محاصرة العراق حتي الموت. وهذا هو ايضا مبعث قرار الولايات المتحدة بتوجيه ضربة قاصمة للنظام العراقي استباقا لاجماع دولي علي رفع الحصار عنه.

ولكن هذا القرار قد يكون مبعث خطر جديد علي المنطقة، فاذا ما تأكد للنظام العراقي انه هالك لا محالة، فما الذي سيمنعه من استخدام ما بقي له من قوة للضرب يمينا ويسارا خبط عشواء، مما قد تكون له آثار لا تحسب علي المنطقة؟ فمن المستبعد ان يكون النظام من الحماقة بحيث يكرر خطأه في حرب الخليج حين وقف يتفرج علي القوات الامريكية وهي تتجمع في الخليج، وتجهز نفسها للاجهاز عليه. ذلك انه كان في ذلك الوقت غارقاً في وهم ان الولايات المتحدة لن تدخل في حرب معه، وأن الأمر كله مجرد تهويل وتخويف. اما هذه المرة فالنية معروفة، والنتيجة كذلك، وليس هناك مكان للوهم.

هنالك ايضا عامل آخر، وهو وجود عشرات الآلاف من قوات مجاهدين خلق المعارضة لايران في العراق، وهي قوات عالية التدريب والتسلح، وتتمتع بحماس يقرب من التطرف. هذه القوات تدرك ايضا ان انهيار النظام العراقي يعني لها هلاكاً مؤكداً. وقد يغريها هذا ايضا بهجوم انتحاري باتجاه ايران، قد تكون له نتائج كارثية علي المنطقة، خاصة لو اتجهت لاحتلال مناطق النفط الاستراتيجية، وقد يعرض هذا الأمر ايران لاضطرابات تهدد وضعها السياسي الهش، كما حدث للصومال حين طردت اثيوبيا قـــوات المعارضة من أراضيها فأطلقت بذلك مسلسل الاحداث الذي أدي الي انهيار الدولة الصومالية وتصدع البلاد.

هنالك بالطبع خيار آخر امام النظام العراقي، وهو ان يسارع باعلان التوبة لله ورسوله، والاعتذار للكويت والسعودية، وتقديم كل ما يطلب منه، من اعادة للمفتشين، وارضاء الكويت في موضوع الاسري، والغاء برامجه التسليحية، وتسريح ثلاثة ارباع جيشه وحل الحرس الجمهوري، واعلان العراق منطقة محايـــــدة مثل سويسرا، ونصف منزوعة السلاح مثــــل الدولة الفلسطينية المفترضة، والاعتراف باسرائيل واقامة علاقات دبلوماسية معها، وبالجملة كل ما يرضي السادة الامريكان. ولكن السؤال هنا ليس ما اذا كان العراق سيقدم علي مثل هذه التنازلات حتي لو وقع انقلاب قصر في النظام هدفـــــه انقاذ ما يمكن انقاذه، ولكن ما اذا كانت هذه التساؤلات ستقبل منه اذا تقدم بها ونفذها من جانب واحد.

وهذا بدوره قد يترك خيار بيدي لا بيد عمرو هو الوحيد المتاح للقيادة العراقية اذا ما تأكد ان الولايات المتحدة صادقة في عزمها علي اسقاط النظام مهما كان سلوكه، ومهما كان الرفض الدولي لمثل هذه الخطوة البالغة الخطورة.