إغلاق مكتب التأثير الإستراتيجي الأمريكي !

 

 بقلم : د . خالد عبدالله*

 

أعلن البنتاغون عن إغلاق مكتب التأثير الاستراتيجي الذي كان قد أنشأه بعد أحداث الحادي عشر من أيلول ( سبتمبر )، الغرض المعلن منه تولي شرح السياسات الأمريكية للرأي العام العربي والإسلامي، وتوليد الدعم في العالم للحرب الأمريكية على الإرهاب. وكان المكتب قد بدأ يعد الخطط لتزويد أجهزة الإعلام الأجنبية بالأخبار، التي قد تكون كاذبة كما جاء في تعليق الصحافة الأمريكية نفسها، من أجل التأثير على مشاعر وأفكار الرأي العام وصناع القرار في البلدان الصديقة والعدوة. وقد أثار إنشاء المكتب ردود فعل قوية في أمريكا تؤكد أن المكتب قد يكون له أهداف أبعد من الشرح الأمين للسياسة الأمريكية، بل قد يسعى إلى نشر الأكاذيب في الداخل والخارج من خلال استخدام بعض الصحفيين الأمر الذي قد يعرض الصحفيين الأمريكيين عموما إلى مخاطر في الخارج. كما بين بعض كبار  العاملين في البنتاغون أنهم لا يعرفون شيئا عن المشروع، وأعربوا عن اعتقادهم أن هذا المسعى قد يؤدي إلى تشويه مصداقية البنتاغون وتغافلوا عن إضافة أكثر مما هي مشوهة الآن. وقد لخص وزير الدفاع الأمريكي رمسفيلد قوة المعارضة للمكتب حينما قال معلقا على سبب الإغلاق " أن المكتب لن يتمكن من القيام بوظيفته بشكل فعال ".

فالعاصفة التي أجبرت البنتاغون وبالذات رمسفيلد على الإنحناء ليس قطعا من الخارج لأنه لا يعتد به أصلا لدى صقر المؤسسة العسكرية الأمريكية، كما أن جل بلدان العالم تملك أجهزة إعلامها، فليس لها أن تهمس شيئا حتى لو رغبت. ولم يكن ذلك بسبب ضجيج المنظمات الأمريكية الثائرة على النخبة الحاكمة، إذ لم تتردد بعد أصداء صخبها بين وديان الرأي العام الأمريكي الذي لا زالت اختياراته وتوجهاته يتحكم بها إعلام النخبة. فرمسفيلد الذي أحبه توماس فريدمان، الصحفي الصهيوني الذي تروج عبره المبادرات العربية، لأن فيه مسحة جنون، لن يمارس بعض جنونه على أهل الحل والعقد الأمريكان. فهو منهم ويغار على مصلحتهم ولا يضيره النكوص عما ارتآه إن أومئوا بخطله. ولأنه مسكون بالحرب فكل ما يفعله ظلال لها، فهو خشن التفكير كمظهرها وغليظ الطبع كآثارها. ولكن النخبة الأمريكية، وبالذات من لها الأمر والنهي في الإعلام، عركتها التجربة وهدتها المعرفة إلى أن العودة إلى أساليب الدعاية الفجة هدر لعقود من تجربة هذبت صناعة الإفك وحدثت أساليب التضليل.

فالاعتراض الأول على مثل هذا المكتب هو التساؤل عن الحاجة إليه. فالمؤسسات الإعلامية الصحفية والمرئية الأمريكية نبع لكل الجداول في العالم. الكل يستقي مما تبثه والجميع يرتوي مما تكتبه. فإضافة مصدر جديد صارخ في كذبه تلويث للجميع وحط من مصداقية الإعلام الأمريكي التي تتآكل باستمرار، فلا لحاجة لمن يضاعف مشاكله. ثم إن رأي البنتاغون وأعماله ينقلها الإعلام الأمريكي إلى العالم كما تريد هذه المؤسسة العسكرية. فكل ما تذيعه وتنشره المؤسسات المرئية والمسموعة والمكتوبة الأمريكية هو ما تلقفه مراسليها من غزل مسئوليها أو نسج الخبراء من مراكز الدراسات التي همها تعزيز مقاصد النخبة التي بدون تمويلها لا حياة لها. فلو سمح لهذا الجهاز الإعلامي الحكومي لأن ينشر أخباره ويذيع تحليلاته للعالم ممزوجا بالكذب الصراح  فلن يكون له أثر، وإن استغنى عن ذلك واقتفى منهج الإعلام الأمريكي فستختفي التخوم بين الإعلام الحكومي والإعلام الخاص، وسيبدو حينذاك أن كلاهما ينهلان من نفس الحوض. وفي ظل هذه الحقيقة وحدها تتضح عبثية هذا المنحى.

 الأمر الآخر، إن وجوده في البنتاغون مرتبطا بالحرب على الإرهاب من جهة ومخاطبة العرب والمسلمين من جهة ثانية يلصق به صفة الجهاز الدعائي ويؤكد الهواجس لدى العرب والمسلمين أن ذلك جزء من الحرب الحضارية التي تشنها أمريكا ضدهم. ولا يمكن القياس على ما فعله صوت أمريكا خلال الحرب الباردة وتأثيره على بلدان شرق أوروبا. فالفارق بين. فشعوب هذه البلدان لأسباب تاريخية وسياسية واقتصادية كانت تريد أن تتخلص من حكوماتها لأنها كانت ترى فيها صنائع لروسيا وترى في التواجد الروسي العسكري في بلدانها انتهاكا لكرامتها وسيادتها. فماذا سيقال للعرب والمسلمين؟ هل سيحرضونهم على طرد القوات الأجنبية؟ أم على قبول قتل الفلسطينيين بالسلاح الأمريكي؟ أم على التصفيق لغزو العراق؟ تلك معضلة. ومشكلة المسؤولين في البنتاغون أنهم خلطوا بين المبنى والمعنى وأشكل عليهم الفرق بين التقانة وما تحمله على أمواجها إلى الناس فظنوها واحدة. فضخامة المباني وحداثة الأجهزة لن تغنى إذا كان الخطاب زائفا ومضللا تشهد عليه الأحداث والوقائع.

ولا تحتاج أمريكا لمثل هذه الوسيلة البدائية، ففي جعبتها تجربة فذه تعطي أكلها لأنها تسري ولا تنبح. فلقد برهن الإعلام الأمريكي الخاص بكل صوره على مقدرة هائلة على بث أفكاره ونشر مفاهيمه، فبات أداة فعالة في تغيير أنماط حياة الناس وتحويل أنساق عيشهم. فقد حصر خيارات الناس بما يعرض أو يقدم فليس لهم إلا أن يقبلوا واحدا أو أن لا يحصلوا على شيء. فقد برع هذا الإعلام أن يقدم لنا التنوع لكن الذي تصنعه أمريكا وأن يزودنا بالمعرفة لكن التي تنتجها مراكز الفكر الأمريكية وأن يتيح لنا التسلية التي ينتقيها لنا. تلك هي الخيارات المتاحة لنا. وحينما نظن أنه سلعة نشتريها نكتشف أننا سلعة يبيعها للمعلنين. وهو الذي يضع جدول أعمال اهتماماتنا، وهو الذي يعين لنا حدود معرفتنا، فبإمكانياته الضخمة يصنع البرامج والندوات والحلقات ويقرر لنا ما يستحق القراءة أو المشاهدة.  وهو قليلا ما يختلق لكن شأنه التضليل. فالخبر نقرأه أو نسمعه أو نشاهده لكن بعد أن نلبس عدساته. فإسرائيل تقتل لكن ثأرا أو دفاعا عن النفس، وشارون عنيف لكن عرفات يكذب ويحنث، وفي فترة الهدوء في فلسطين لم يقتل إسرائيلي لكن أن يقتل فلسطينيون فليس في مرتبة الخبر. وحينما يدلي بعض العلماء أو المفكرين بدلوهم فذلك تعصب حضنته المدارس ومؤسسات التعليم التي تحتاج إلى إصلاح، لكن حين ينبري أكبر زعيم كنسي أمريكي ليقول في الإسلام ما ليس فيه ويحرض على المسلمين فذلك أمر وإن يؤسف له لكنه من دواعي حرية التعبير.

فإغلاق  مكتب التأثير الاستراتيجي هو عدول عن إعلام مفضوح وتشبث وحماية لإعلام يفتح التخوم أمام القوى الاقتصادية الأمريكية ويروج طراز عيشها وبنيتها المفاهيمية ويعقلن هيمنتها. فالحملة في بدايتها وما انتهى منها شكلها الجاف. فوجه الإعلام الذي سيجاورنا وجه توماس فريدمان الذي سيزين لنا الدخول إلى جنة العولمة الأمريكية التي من مقتضيات دخولها الأمر بالمعروف الأمريكي والنهي عما نهانا عنه. وإذا ما علقت الشكوك في عقولنا فسيذكرنا بحبيبه الذي فيه مسحة جنون.

                                                        

  * الرئيس السابق لبعثة الجامعة العربية إلى واشنطن