الشعب الفلسطيني ضحية التآمر العربي
أكتب هذه السطور وأنا في حالة من اختلاط
المشاعر...
حزن... فخر... عزة... كبرياء... مهانة...
إحباط...
خليط متضارب من المشاعر الجياشة
التي يصعب فصلها عن بعضها كما يصعب الجمع بينها!!!
فقد كنت أشاهد ظهر الاثنين 4/3 مداخلة
تلفزيونية علي قناة الجزيرة مع أحد أبطال حماس (حسين أبو كويك) يتحدث مباشرة بعد
استشهاد زوجته وأبنائه الثلاثة في حادث اغتيال بصاروخ إسرائيلي...! حيث ظهر شامخا
بينما كنت أنا المشاهد أبكي ولا أدري إن كنت أبكي فخرا أم عجزا أم عارا...
عارا... عارا...
يا أمة ضحكت من عارها الأمم!!!
فأنا أنتمي إلي الجيل المفصلي التعيس الذي
ولد في آخر الأربعينات علي ضياع فلسطين, وتشكلت بواكير مداركنا علي العدوان
الثلاثي وعشنا بعد ذلك المشروع القومي الناصري نتغنّى صباحا مساءا بالتحرير
والعودة, ثم رأينا حلمنا يذبح مرتين الأولي في هزيمة 1967 والثانية بامتطاء
السادات سدة الحكم, وبدلا من تصحيح أخطاء التجربة (وهي كثيرة وكبيرة) انقلب عليها
وانتقل إلي خندق الأعداء تحت غطاء زفة إعلامية كاذبة تطبل وتزمر أن مصر قدمت
للقضية الفلسطينية الكثير وأن ما تعانيه مصر- في ذلك الوقت- من تردي الأوضاع
الاقتصادية والسياسية كان بسبب تضحياتها من أجل القضية الفلسطينية..؟ وكانت هذه
إرهاصات انتقاله علنا إلي الحلف الصهيوني الغربي بعد ذلك.
والحقيقة أنه لا العرب (كحكومات وجيوش) ولا
مصر تحديدا قدمت شيئا للشعب الفلسطيني إلا الطعن في الظهر!! وحتى لا يصبح الكلام
مرسلا دعونا نراجع ما فعله العرب بالقضية الفلسطينية علي مدي نصف قرن:
أولا نكبة 1948:
بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وقبل إنشاء
دولة الصهاينة, قام الإنجليز بإنشاء أمارة شرق الأردن وولّو عليها عبد الله نجل
حسين الملقب بالشريف لتكون منطقة عازلة بين المشرق العربي والكيان الصهيوني (تحت
الإنشاء) وقد كان العرش الهاشمي في عمان وما زال الجناح الناطق بالعربية للمشروع
الصليبي الصهيوني في المنطقة, وأدلة هذا الادعاء منشوره في موسوعة "المفاوضات
السرية بين العرب وإسرائيل" للأستاذ محمد حسنين هيكل ومذاعة في البرنامج
الوثائقي الذي أعدته هيئة الإذاعة البريطانية بمناسبة مرور خمسون عاما علي الصراع.
وبعد مرور قرار التقسيم ورفضه (ظاهريا) من
كافة الحكومات العربية أمرت بريطانيا (راعية المشروع الصهيوني) الحكومات العميلة
في كل من العراق ومصر والأردن (وكلها تحت الاحتلال) بدفع جيوشها لا لمحاربة
العصابات الصهيونية كما أعلن بل لتأمين انسحاب الإنجليز من فلسطين وتسليم معظم
فلسطين للعصابات الصهيونية. والمضحك والمبكي أن يتولى قيادة الجيوش العربية الملك
عبد الله الذي أوكل بدوره القيادة الميدانية للجيوش العربية إلي الجنرال الإنجليزي
(جلوب) ومذكرات الضباط العرب الذين اشتركوا في معارك فلسطين مليئة بالفضائح حول
دور (جلوب).
وعندما اندفع المتطوعون العرب لحماية ظهر
جيوشهم, وبدأ دورهم يكاد يغير المعادلة علي الجبهة المصرية لصالح العرب تم
اعتقالهم من الميدان في معتقل العريش!؟ وبدأت مسرحيات الهدنة الأولي والثانية, وتم
اختراع قصة الأسلحة الفاسدة للتغطية علي الدور المخزي للجيش المصري في فلسطين...
وبعد هزيمة الجيوش العربية (التي لم تحارب أصلا) رفضت الشعوب الهزيمة وشعرت
بالخيانة واغتيل عبد الله في الأردن والنقراشي في مصر...
إذن فقد خان العرب الفلسطينيين في 48 ولم
يدخلوا فلسطين لحمايتها بل لتسليمها لليهود... وهكذا ضاع معظم فلسطين.
ثانيا حرب 1956:
انتهي شهر العسل بين ثورة يوليو والأمريكان
بصفقة الأسلحة التشيكية عام 55 ثم سحبت أمريكا عرضها بتمويل السد العالي ورد عبد
الناصر بتأميم القناة وتآمر الصهاينة مع الفرنسيين والإنجليز واحتلت إسرائيل
سيناء... ثم كان الانسحاب الإسرائيلي تحت الضغوط الدولية بعد أن حصلت علي حق
المرور في خليج العقبة من خلال مضايق تيران المصرية, وبذلك حصلت إسرائيل علي منفذ
علي البحر الأحمر وكان هذا خنجرا عربيا جديدا في ظهر الشعب الفلسطيني بفتح هذا
الشريان أمام الملاحة الإسرائيلية... وهنا أيضا لم يكن للشعب الفلسطيني إي علاقة
بهذه الحرب.
ثالثا إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية:
بعد 17 عام من العواء العربي اكتشف الشعب
الفلسطيني أن رهانه علي النظم العربية رهان خاسر فأطلقت أول رصاصة فلسطينية في عام
65 وبذلك ولدت منظمة التحرير الفلسطينية... وبدلا من أن يرعى العرب هذه الثورة فقد
تآمر العرب عليها وحاولوا اختراقها ثم قاموا بتصفيتها في عمّان وبيروت وطرابلس...
ثم قادوها إلي الشتات الثاني, ولم يهدأ للأنظمة العربية بالا إلا بعد أن تربّع علي
عرش المنظمة من هم علي شاكلتهم, وبذلك أيضا وأد العرب حلم الثورة الفلسطينية
لتحرير الأرض رغم توافر كل أسباب النجاح لها.
رابعا هزيمة 1967:
لم يكن للشعب الفلسطيني أي علاقة بهذه الحرب
فقد بدأت مصر بدق طبول الحرب في خطاب عبد الناصر الشهير في مايو 67 لا لتحرير
فلسطين بل بحجة وجود حشود إسرائيلية علي الحدود السورية ولا نريد أن ندخل في
تفاصيل الأسباب الحقيقية لهذه الكارثة. المهم أنها لم تكن بسبب القضية الفلسطينية
ونتج عنها ضياع باقي فلسطين وكان هذا خنجرا عربيا آخر في ظهر الشعب الفلسطيني.
خامسا حرب 1973:
دخل الجيش المصري والسوري هذه الحرب بتنسيق
كامل لا لتحرير فلسطين بل لتحرير ما أمكن من سيناء والجولان, ورغم الدعم العربي
واستخدام سلاح البترول ورغم الإبداع الذي أبداه المقاتل المصري وكسره لأسطورة
الجيش الإسرائيلي إلا أن الإدارة السياسية للمعركة أضاعت كل شئ.
ومن هنا أيضا فإن حرب 1973 لم تكن من أجل
فلسطين بل كانت لتحرير أراضي مصرية وسورية احتلت عام 67 وحتى هذا الحدث لم
يتحقق!!؟
سادسا متاهات السلام:
صحيح أن السادات كان له السبق في ارتكاب
جريمة الاستسلام للعدو وصحيح أيضا أنه بجريمته هذه أخرج مصر من معادلة الصراع مع
العدو مما أحدث خللا استراتيجيا في المنطقة لم يتم ضبطه حتى الآن إلا أن باقي
الحكام العرب لا يقلّون عنه جرما في هذا الأمر, فبعد أن قدّموا كل شئ في حرب تدمير
العراق لخدمة الأمريكان والصهاينة قادهم بوش الأب كالنعاج إلي مؤتمر مدريد
(الأندلس سابقا) وبدلا من أن يوحدوا صفوفهم ويفرضوا شروطهم أرغمتهم إسرائيل علي
حضور المؤتمر بشروطها هي وبدأ كل وفد يحاول أن يفتح قناة مع اليهود من وراء
الآخرين, وتآمر الجميع وسبق عرفات ليقود خطة العرب الجديدة لوأد الانتفاضة
المباركة الأولي وقد نجحوا في ذلك, لكن انتفاضة الأقصى المباركة اشتعلت لتحرق كل
أوراق التوت العربية ولتحول المشهد إلي فسطاطين... فسطاط الكفر والنفاق ويشمل
الصهاينة والحكام العرب... وفسطاط الإيمان والصمود ويشمل الشعب الفلسطيني البطل!!!
أما باقي الشعوب العربية ففي أقفاصها بين راقص وباكٍ.
هذا هو المشهد الآن حيث الصمود الفلسطيني
يغير كل المعادلات, وهاهو شارون يتهاوى بمشروعه ولا بد من إنقاذه فهو يمثل الورقة
الأخيرة للمشروع الصهيوني المتحالف مع النظام العربي.
وهاهو طوق النجاة يلقي لشارون في صورة مبادرة
تحمل الآتي:
1-
اسم الأمير
عبد الله (العروبي الإسلامي)
2- اسم السعودية (بلد الحرمين)
3- عنوانها هو آخر بند في أي عملية سلام
(التطبيع)
فاللهم نج إخواننا الفلسطينيين من الحكام
العرب, وارحم شهدائهم, وثبت أقدامهم, وانصرهم... آمين.
"الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا
لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل" صدق الله العظيم.
حسبنا الله ونعم الوكيل... حسبنا الله ونعم
الوكيل... حسبنا الله ونعم الوكيل.