أميركا لا تستخدم قوتها بصورة حكيمة..ولا تحتمل الانتقاد

 

 

ديفيد اغناتياس

 

ربما يحتاج وزير الخارجية الاميركي كولن باول، وقبل ان يتورط في دورة جديدة من تبادل الاساءات مع معارضي اميركا الاوروبيين، الى الجلوس مع وزير خارجية فرنسا، روبير فيدرين وهو الرجل الذي فجر هذه المشادة عبر الاطلسي، عندما قال عن سياسة الولايات المتحدة انها «ساذجة». وسيسمع باول عندها تعليقات حول اوروبا والولايات المتحدة ربما تثير دهشته. وسيجد ان فرنسا، رغم كل الفورات الاخيرة، لا ترغب مطلقا في تجريح الولايات المتحدة وانها حريصة،على الاقل،على المحافظة على مظهر يكشف عن علاقات طيبة.

واستطيع ان اقدم لمحة لما يدور بخلد فيدرين، لانه دعاني للتوقف في باريس للحديث حول هذه المسائل. ومع ان اغلب الحوار لم يكن للنشر، الا ان فيدرين سمح لي بتلخيص ملاحظاته بصورة تحتمل بعض المقتطفات المباشرة.

تجاوز فيدرين الاساءة التي اطلقها باول في حقه، عندما قال ان فيدرين ربما وقع «تحت تأثير الابخرة»، حين اطلق عبارته حول «سذاجة» السياسة الاميركية. وبالطبع فان فيدرين كان يعرف ان اساءة شخصية قد وجهت اليه، إذ شبه بامراة عصبية انقطع عنها الطمث. ولكنه ضحك وقال انه تراشق «رجالي» بين اصدقاء.

يريد فيدرين، اولا وقبل كل شيء، ان يؤكد للولايات المتحدة انه ليس في فرنسا او اوروبا، دفق جديد من تيارات العداء لاميركا. ويقول ان تيار العداء لاميركا صار ضعيفا في فرنسا، ولا يتأثر به اكثر من 10 في المائة من السكان. ولذلك فان الهجوم على الولايات المتحدة، حسب قوله، لم يعد تكتيكا صائبا او مفيدا هنا.

وقال فيدرين: «ربما يكون تيار العداء لفرنسا في اميركا، اقوى من تيار العداء لاميركا في فرنسا». واعتقد انه كان محقا في تلك العبارة. فالعداء الانعكاسي الشرطي لكل ما هو اميركي، والذي ساد المرحلة الديغولية، بدأ يضمحل ويتلاشى وسط الطبقة السياسية الفرنسية. ويعرف الاوروبيون حاليا انهم سيعيشون في عالم تهيمن عليه اميركا على مدى المستقبل المنظور. وقال فيدرين معلقا على هذه الحقيقة: «ان هذا يمثل تهديدا لافكارنا، اكثر مما يمثل تهديدا لمصالحنا».

وفي زمن تلجا فيه اكثر الشركات الفرنسية دينامية، مثل توتال فاينا، ايرباص، فيفيندي، الى جعل الانجليزية لغتها الرسمية، يصبح من الصعب المحافظة على العداء الديغولي لاميركا. ولا يبدو ان عدم التوازن العسكري بين الولايات المتحدة الاميركية واوروبا، يسبب ازعاجا كبيرا لفيدرين. فالاوروبيون يعرفون ان الثراء الاميركي مكن اميركا من تكوين ترسانة عسكرية لم يشهد العالم مثيلا لها من قبل. وتعرف فرنسا، ومعها اوروبا، انها لا يمكن ان تنافس في هذا المجال، كما انها لا ترغب في مثل هذه المنافسة. يقول فيدرين: «لا يوجد سبب يدفع الاوروبيين الى منافسة بلد يمكنه خوض اربع حروب في نفس الوقت». وهذا يجعله يتفهم، بل ويقبل، ان تقوم الولايات المتحدة بكثير من الخطوات العسكرية المنفردة. «عندما قرر البنتاغون ان يخوض الحرب منفردا في افغانستان، تفهمت ذلك القرار». وقال انه قال، منذ البداية، ان المساعدات التي يمكن ان يقدمها الناتو، ربما لا تنشأ الحاجة اليها اميركيا.

وقال وزير الخارجية الفرنسي ان اميركا صارت بلدا مختلفا بعد11سبتمبر (ايلول). «فكرة اميركا عن نفسها هي القوة الحصينة وغياب نقاط الضعف. واولئك الذين يذهبون الى اوروبا كانوا يتركون وراءهم الخوف وانعدام الامان». كان هؤلاء يقصدون بلدا يوفر لهم السلامة والامن، ولكنهم الان يشعرون بالخطر. ويتفهم الاوروبيون هذا الشعور بالصدمة والقلق والضعف. ويضيف فيدرين انه لم ينزعج من استخدام عبارة «محور الشر»، التي وصف بها الرئيس بوش العراق وايران وكوريا الشمالية. وذلك رغم انها سببت كثيرا من الاضطراب والاحتجاجات من قبل الساسة الاوروبيين. وقال فيدرين ان السياسيين مضطرون لاصدار التصريحات، ولا بد ان ينطوي ذلك على اطلاق الشعارات. وقال في لحظة من التأمل، ماذا كان جون كينيدي يعني يا ترى عندما تحدث عن «الحدود الجديدة»؟

ما يثير قلق فيدرين هو ان اميركا لا تستخدم قوتها الهائلة بصورة حكيمة. وهو يعتقد ان هذه هي القضية التي يمكن للولايات المتحدة ان تستفيد كثيرا من المشاورات مع حلفائها حولها. وهذا صحيح على وجه الخصوص فيما يتعلق بالعراق وايران وعملية السلام العربية الاسرائيلية. ويعتقد فيدرين ان على الرئيس بوش ان يتصل بقادة فرنسا والمانيا وبريطانيا، ومع عدد من الدول العربية الكبيرة وان يناقشهم حول عزم الولايات المتحدة على استخدام القوة العسكرية اذا لم يسمح صدام بعودة مفتشي الاسلحة التابعين للامم المتحدة. واذا اعترض الاوروبيون والعرب على ذلك، فان على بوش ان يطلب منهم طرح خطة افضل من التدخل العسكري. واذا لم يملك هؤلاء مثل هذه الخطة، يمكن للولايات المتحدة حينها ان تتصرف منفردة.

وقال فيدرين، ان افضل وسيلة لتوسيع التحالف ضد الارهاب، هي ان يعلن الرئيس بوش انه سيحقق السلام في الشرق الاوسط. «واذا فعل ذلك فان كل شيء سيتغير مباشرة. ويملك بوش القوة التي تسمح له بفرض السلام في الشرق الاوسط»، وذلك اذا اختار ان يكون حازما مع رئيس الوزراء الاسرائيلي اريل شارون. والا يقتصر في تشدده على ياسر عرفات وحده. وهذه فرصة نادرة وفريدة، فقط لو كان البيت الابيض قادرا على استغلالها.

لدي شعور قوي بان الفرنسيين، واغلب الاوروبيين، يمكن ان يؤيدوا خطة جيدة لاسقاط صدام حسين، ولكن فقط اذا كانت تلك الخطة مدعومة بتحالف عالمي قوي ضد الارهاب يقوم على اساس قوي من التشاور حول القضايا. اما الكابوس الاوروبي فيتمثل في اتخاذ اميركا خطوات تؤثر على مصالحهم الحيوية دون استشارتهم.

هذه هي المشكلة.

 

واشنطن بوست