توماس فريدمان
أمضيت الاسابيع الستة الاخيرة متنقلاً حول العالم العربي
ـ الاسلامي، أتحدث مع الناس حول هجمات 11 سبتمبر والعلاقات بين الولايات المتحدة
والمسلمين. وهكذا لم اعد ادري هل اضحك أم ابكي، اذ بعد عودتي الى ارض الوطن قرأت
أن البنتاغون يفكر في إخراج قصص مزيفة، قد تساهم في تقدم الحملة الاميركية ضد
الارهاب. لم أدر هل اضحك أم ابكي لأنك إذا امضيت خمس دقائق في العالم العربي-
الاسلامي، هذه الأيام، ستكتشف حالاً أن الناس هناك لا يصدقونك حين تقول لهم
الحقيقة! وفكرة أنهم قد يصدقون أكاذيبنا هي فكرة تدعو للسخرية ولحسن الحظ فإن
البنتاغون تخلى عن هذه الفكرة.
أيها السيدات والسادة، في عام 1989 سقط جدار برلين، وعلى
الجانب الآخر من الجدار وجدنا ملايين الناس يستقبلون الافكار والتصورات الاميركية.
حسناً، ثمة جدار آخر في العالم اليوم، وهو جدار ليس على الارض وانما في عقول
الناس، وهو يفصل اميركا عن العالم العربي ـ الاسلامي. وهو جدار، على عكس جدار
برلين، قد شيّده الطرفان معاً ولا يمكن ازالته الاّ بواسطة الطرفين.
إذهب الى ايّ مكان ، مصر أو المملكة العربية السعودية أو
باكستان، وسيصطدم رأسك بهذا الجدار. تقول ان المشكلة هي الارهاب الاسلامي، سيقولون
لك انها الوحشية الاسرائيليّة تجاه الفلسطينيين. تقول ان اميركا حررت الأفغان من
طالبان، سيقولون اننا قصفنا المدنيّين الافغان الابرياء. تقول ان صدام حسين شرير،
سيقولون ان آرييل شارون أسوأ منه. تقول ان اميركا ديمقراطيّة، سيقولون انه البلد
الذي يسيطر فيه اليهود على الاعلام والسياسة. تقول ان الرئيس بيل كلينتون سخر آخر
فترة رئاسته لإقامة دولة فلسطينيّة، سيقولون لك ان اميركا لم تعرض عليهم قط خططاً لذلك. تقول ان المشكلة تكمن في فقدانهم
الديمقراطية، سيقولون ان هذا هو ما ترغب فيه اميركا إذا أمعنَّا النظر الى انواع
الانظمة العربية التي تساندها.
ومن خبرتي الخاصة، فإن الشيء الوحيد المستغرب، فيما
يتعلق بنتيجة استطلاع الرأي التي اجرته مؤسسة «غالوب» لاستطلاعات الرأي الاسبوع
الماضي، في تسعة اقطار اسلاميّة، وأظهرت النتيجة ان 61 في المائة من المسلمين
يعتقدون ان العرب لم يكونوا متورطين في هجمات 11 سبتمبر، وان 53 في المائة يعتقدون أن الولايات المتحدة دولة غير مفضلة لديهم، هو أن
الارقام التي أتت بها نتيجة الاستطلاع ليست اسوأ ما يمكن توقعه. كيف بني جدار
الافكار الحديدي هذا؟ دعنا نبدأ بأنفسنا، لقد ظللنا نثير الرثاء ونحن نقدم انفسنا
للعرب والمسلمين. هل أوضح الدبلوماسيون الاميركيون، على نحو متماسك، كيف حاربت
اميركا، خلال السنوات العشر الاخيرة، من أجل حماية المسلمين في البوسنة وكوسوفو
والصومال والكويت؟ هل أخبرت اميركا العالم، في أيّ وقت من الاوقات، وعلى نحو
محدّد، كيف أن خطة كلينتون للسلام ، التي رفضها ياسر عرفات، كانت ستأتي بدولة فلسطينية على ما يقرب من 100 في المائة من الاراضي التي
يسعى الفلسطينيون للحصول عليها.
يقول مسؤولو الولايات المتحدة، وهم محقون في ذلك، ان
اسرائيل هي صديقتنا لأنها ديمقراطيّة، لكن نفس هؤلاء المسؤولين ظلوا، خلال ثلاثين
عاما،ً يفشلون في الحديث ضد إقامة المستوطنات الاسرائيليّة في الاراضي المحتلة، مع
أنهم كانوا يعلمون أن هذه المستوطنات، إذا تركت بدون كابح، فإنها ستحطم اسرائيل
كدولة يهودية وديمقراطية وتحرم الفلسطينيين من أيّ وطن محتمل لهم. هل حدث أن
مارسنا الضغوط من أجل قيمنا، كالديمقراطية والحرية وحقوق النساء في العالم
الاسلامي؟ لا. نحن نتحدث عنها فقط مع الصين وكوريا الشمالية، لكننا لا نتحدث حولها قط مع الدول التي قد نحتاج لنفطها، أو لقواعدها
العسكرية. هل هناك أيّ غرابة في أن بعض الناس هناك ينظرون الينا بوصفنا منافقين!
لكن حلفاءنا من العرب ـ المسلمين، ساعدوا، ايضا،ً على
نصب هذا الجدار. لقد شجع قادتهم اعلامهم على كتابة مقالات مغلوطة عن اميركا،
بالاضافة الى مقالات صاخبة معادية لليهود ونافية للمحرقة اليهودية التي ارتكبتها
النازية، وقد جعلوا من نظريات المؤامرة عن اميركا واسرائيل بمثابة ذريعة سهلة كي
لا ينظروا قط الى أنفسهم. في الاسبوع المقبل، سوف يلتقي قائد عربي اسلامي أساسي،
هو الرئيس حسني مبارك بالرئيس بوش. وليس هناك من شك في انه سيهمس بكل الاشياء
العظيمة التي تقوم بها مصر، للمساعدة في الحرب ضد الارهاب. ونحن سنهمس له في
المقابل، لكن هذا ليس ما نريده.
نحتاج أن يفصح مبارك، علنا،ً برؤية تقدميّة عصريّة عربية
ـ اسلامية لمجابهة «البنلادنيّة» (نسبة لاسامة بن لادن). ونحتاج منه أن يعد عدة
مصر كي تتوقف عن امتطاء ماضيها، وتبدأ في قيادة العالم العربي نحو المستقبل.
ونحتاج من بوش أن يتحدث الى الشعب المصري والى المجتمعات العربية، حول كيف يكون
ذلك المستقبل لهم ايضاً.
نيويورك تايمز