جدار شارون الأمني يقضي على عملية السلام

 

 

 

بقلم :باتريك سيل

 

لقد اتضح لنا الآن أن الرئيس جورج بوش قد أخفق بالفعل في إقناع رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون بوقف عملية بناء الجدار الضخم في الضفة الغربية الذي يقتل في نفوس الفلسطينيين آمالهم في دولة مستقلة تتمتع بمقومات الاستمرار.

الجدار الأمني احتل الآن مكان خريطة الطريق وصار بؤرة الاهتمام الدولي لأنه حظي باعتراف واسع- وتشييد الجدار كما قال وزير الخارجية الأميركي كولن باول في الأسبوع الماضي يهدد بتقويض الهدف الرئيسي من خريطة الطريق وهو قيام دولة فلسطينية بحلول عام 2005.

عندما أتى شارون إلى واشنطن لمقابلة بوش في نهاية الشهر الفائت، اعتبر بوش أن الجدار مشكلة ، غير أن شارون الذي لا يهاب شيئاً رد على بوش قائلاً: إن "إسرائيل" سوف تتابع بناء الجدار، ذلك على رغم أنه قام بمناورة كلامية لا معنى لها أخذت شكل تنازل على سبيل تهدئة الخواطر وقال إنه سيتم بذل كل الجهود لتقليص الانتهاكات اليومية التي تتعرض لها حياة السكان الفلسطينيين وذلك إلى أدنى حد ممكن.

 

يعلم الناس جميعاً أن الجدار صرح إنشائي هائل يتراوح ارتفاعه بين 4 و7 أمتار ويمتد كالأفعى متعرجاً عبر تلال وسهول الضفة الغربية ويتوغل في الأراضي الفلسطينية ليشمل المستوطنات الإسرائيلية، وفي بعض المناطق يتخذ شكل سياج إليكتروني من الأسلاك الشائكة. الجدار في كافة المناطق يتوغل ويأكل من الأراضي الفلسطينية فهو على سبيل المثال يطوّق مستوطنة أرئيل الإسرائيلية التي تقع في عمق الأراضي الفلسطينية على بعد 20 كيلومتراً تقريباً من خط حدود عام 1967 المعروف باسم الخط الأخضر.

شارون يقول إن الجدار ضروري لأمن "إسرائيل"، لكن الحقيقة الساطعة تقول إن الغرض الحقيقي منه هو الاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي وترسيخ حدود "إسرائيل" ولا يهم إن كانت شرعية أم غير شرعية، وكذلك وضع الفلسطينيين والعالم كله أمام الأمر الواقع السياسي. الجدار يمتد في تناغم وانسجام مع سياسة "إسرائيل" التقليدية التي تقوم فيها بـ خلق الحقائق على الأرض.

 

فكرة السياج الأمني الذي يعزل "إسرائيل" عن الفلسطينيين طرحها أصحابها بهدف إبعاد منفذي الهجمات الانتحارية؛ وقد كان طوله بحسب الخطة الأصلية نحو 300 كيلومتر وهو يطابق تقريباً الخط الأخضر. غير أن شارون قام بتحويل الفكرة إلى عملية استيلاء واسعة لابتلاع الأراضي. الجدار عندما يكتمل بناؤه سيكون بطول يتراوح بين 600 و800 كيلومتر وستبلغ تكلفته ملياري دولار وسيترك الفلسطينيين محاصرين خلف الجدار محصورين في الضفة الغربية وقطاع غزة على أراض لا تتجاوز مساحتها 45 إلى 50 في المئة من مساحة الضفة الغربية وعلى نحو 80 في المئة من مساحة قطاع غزة.

 

فلنستشهد برأي جيفري أرونسون وهو المراقب الأميركي الأكثر انتباهاً ويقظة وحرصاً على الدقة بين من يراقبون برنامج الاستيطان الإسرائيلي. يصف أرونسون بناء الجدار بأنه المرحلة الأكثر حسماً وأهمية منذ عام 1967 بين مراحل عملية تقسيم أراضي فلسطين التاريخية. لطالما كان شارون خصم الخط الأخضر وغريمه، وقد قال في مناسبات كثيرة إن "إسرائيل" لن تعود أبداً إلى حدود عام 1967. لقد كرس شارون حياته لضمان هيمنة "إسرائيل" وسيطرتها الاستراتيجية على كامل أرض "إسرائيل"، ويعني ذلك بصريح العبارة سيطرتها على كامل المنطقة الممتدة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط.

 

الاستيلاء على الضفة الغربية بدأ مع بناء شبكة من المستوطنات والطرق في الأراضي الفلسطينية. وقد جرى آنذاك تأسيس المواقع الاستيطانية المتقدمة -بلغ عددها نحو ستين موقعاً في السنوات القليلة الماضية-وذلك بهدف الاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي. عملية بناء الجدار التي تم إطلاقها في شهر يونيو من عام 2000 ليست سوى المرحلة الثالثة من هذا البرنامج الاستيطاني. في الأصل كان الجدار مقتصراً على الحدود الغربية من الضفة مع "إسرائيل"، لكن شارون أعلن في شهر مارس الماضي عن عزمه على بناء جدار أمني يفصل عمق أراضي الضفة الغربية عن وادي الأردن، الأمر الذي يضاعف مدة وتكلفة المشروع.

 

إن السياج الأمني الغربي يتوغل عميقاً في الأراضي الفلسطينية (ويحيل مدينة قلقيلية مثلاً إلى سجن فعلي)، وسيكون على غراره الجدار الأمني الشرقي الذي سيتوغل أيضاً في عمق الأراضي الفلسطينية. لقد أعلن شارون مؤخراً أن مستوطنتي شيلو وبيت إيل لن يتم إخلاؤهما. ويوحي ذلك بأن الطريق الفلسطينية الحيوية الممتدة من نابلس إلى رام الله ستبقى تحت السيطرة الإسرائيلية. وإليكم الآن عرضاً لنتائج إقامة هذه المناطق الأمنية الشاسعة في الغرب والشرق:

 

 

1 - عزل الفلسطينيين وقطع أي احتكاك مادي مع مصر والأردن، وبذلك يصبحون رهائن محتجزين في المنطقة التي تسيطر عليها "إسرائيل" والمستوطنون.

 

2 - عزل الفلسطينيين بعضهم عن بعض وعن عرب "إسرائيل" وذلك بالحدود التي تستند إلى الكتل والجبهات الاستيطانية.

 

3- ربط المناطق الفلسطينية في الضفة والقطاع بعدد صغير من الجسور والأنفاق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.

 

إن شارون في الحقيقة يقوم على نحو عشوائي وانفرادي بتعيين حدود دولة فلسطينية مستقبلية لا تتجاوز مساحتها نصف الحد الأدنى مما يقبل به الفلسطينيون وهم واقعون تماماً تحت رحمة "إسرائيل".

 

وبالتزامن مع انطلاق حملة انتخابات عام 2004 الرئاسية الأميركية بعد شهر أو شهرين من الآن، يبدو من غير المرجح أن الرئيس بوش سيجد الوقت الكافي ليتحدى شارون، لكنه إذا لم يتحده فعلاً، فإن رؤيته للحل لن ترى النور في المستقبل القريب ولن نشهد بداية تحقق حل يقضي بوجود دولتين هما فلسطين و"إسرائيل" تعيشان جنباً إلى جنب في سلام.

 

لا بل بات واضحاً أن عزم شارون على عصر رئيس الوزراء الفلسطيني محمود عباس وضغطه إلى أقصى حد ممكن سوف يرغم الجماعات الفلسطينية المسلحة على إنهاء الهدنة واللجوء من جديد إلى العنف. غير أن شارون يرجو أن يقوم الجدار بتغيير التوازن الاستراتيجي وترجيح كفة "إسرائيل". شارون هذا التقى في الأسبوع الماضي ويليام سافاير وهو أحد أبواق الدعاية المؤيدة لإسرائيل على صفحات صحيفة نيويورك تايمز ؛ وقد أوضح له شارون رأيه عندما قال له حرفياً: إن استراتيجية عرفات تقتضي جعل الإرهاب جزءاً من المفاوضات. عندما لا (يحصل) على ما يريد (فإنه) يستعين بالإرهاب- ويبدأ انتفاضة جديدة. إن السياج الأمني عندما ينتهي بناؤه سيقطع الطريق أمام هذه الاستراتيجية .

 

 

كاتب بريطاني متخصص في شؤون الشرق الأوسط

 

صحيفة الاتحاد الإماراتية