المثلث العراقي الذي يجب ان يصبح مربعا
بقلم :حمدان
حمدان
في حربه الطويلة ضد
الجيش الياباني المحتل، كان القائد الصيني ماوتسي تونغ يقول: كنا نتعامل مع عملاء
بريطانيا ونعرفهم، وكنا نتعاون مع عملاء فرنسا ونعرفهم ايضا، بل كنا نتعامل مع اي
صنف من صنوف العملاء، باستثناء عملاء اليابان بالطبع، وكل ذلك في سبيل تسخير هذا
التعامل من اجل تحرير الصين .
ولما كان هذا الكلام،
لا يصدر الا عن قائد عركته التجربة، فان كلامه هذا، لا ينصرف الا باتجاه واحد،
تحرير الصين. حتي الكومتانغ بزعامة القائد الصيني الوطني صن يات صن والتي اصبحت
منظمة معادية للشيوعية الصينية بعد التحرير، الا ان هذه المنظمة، كان لها شرف
المبادرة الأولي، في تنظيم المقاومة الوطنية الصينية ضد الاحتلال الياباني. ويصدر
هذا المعني من حكمة تقول، بأولوية التضامن الوطني، بأوسع مروحة شعبية، في سبيل
مقاومة المحتلين، ولا مجال للاجتهاد في غير ذلك، لأن التناقض هنا، بين مقاومة وعدم
مقاومة، لا بد ان يخدم في نهاية التحليل، اهداف العدو المحتل ولا شيء سواه،
فالتاريخ لا يعرف محتلا رحل من تلقاء نفسه، والتاريخ لا يعرف محتلا اضطر للرحيل
الا عن طريق المقاومة الوطنية، وتأسيسا علي هذا، فان جميع اشكال العرض، او العروض
المقدمة، من مرجعيات عراقية شيعية، او مشيخات عراقية سنية، تقول بالحوار السلمي مع
المحتلين، انما هي عروض، مهما خلصت النوايا، لا تسعف سوي استراتيجية الاحتلال
وتكريس زمن بقائه، فالقول بسذاجة عدم التكافؤ، بين جيش امريكي قوي، وشعب مجزأ
وضعيف، يتعارض بصورة صارخة مع كل تجارب الشعوب في التاريخ، اذ متي كان المحتل اضعف
من محتله، اي من الوطن الذي تم احتلاله، فاذا كان الامر كذلك، اذن فكيف تمكن
المحتل من الاحتلال في الاساس، كيف تمكن الغزاة من غزو اوطان الآخرين، لولا ضعف
هذه الاخيرة وعجزها؟
ان الأخذ بمقولة عدم
التكافؤ، يتناقض ايضا مع التاريخ الماجد لثورة الفرات الأوسط في العشرينات، وهل
كانت هذه الثورة في وضع التكافؤ مع المحتلين البريطانيين آنذاك؟ وهل كان الخروج
الاسلامي كله في صدر الاسلام، علي طراوة عوده ويفاعة شبابه، وفي كل معاركه، من مؤتة
الي اليرموك، فالقادسية فبلاط الشهداء، هل كان الاسلام في وضعية التكافؤ مع
امبراطوريات مثل روما وفارس؟!
ان الشيعة في التاريخ
العربي ـ الاسلامي، كانوا اول شهداء المبدأ لا التكافؤ، ولنا الأسوة في استشهاد
امير الشهداء، الحسين في كربلاء، وليس معه من المؤمنين، سوي نفر قليل في مجابهة
جيش عرمرم، فالتاريخ يكتب من خلال هذه المواقف واشباهها، وليس من الصدوع الخانع
لاقدار القوي الغاشمة اذ (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله).
ثم نأتي بعد مقولة
التكافؤ، الي مقولة تحقيق الأمن والاستقرار الذي لم توفره القوات الامريكية في
العراق، حسب تصريح اخير للشيخ عباس الربيعي، الناطق باسم جماعة الشهيد الصدر.
وعلي ما في التصريح
من بلبلة، حيث المناداة بتشكيل جيش المهدي (لا يهدف لمقاومة الامريكيين بل لتحقيق
الأمن الذي فشل الامريكيون في تحقيقه ـ من تصريح له لاذاعة لندن مع المراسلة السيدة
ناهد النجار في يوم 25 / 7 / 2003.
اذ كيف يمكن تحقيق
الأمن والاستقرار مع وجود المحتلين؟ فاذا كان الأمن والاستقرار مع وجودهم، فأية
خدمة ترجي، في عراق ساكن ومستقر مع وجود الاحتلال، أليس هذا هو مطلب الامريكيين من
العراقيين بعد الاحتلال؟
ويضيف الشيخ الربيعي
الناطق باسم مكتب الشهيد الصدر في التصريح ذاته: (نحن لا نؤيد المقاومة المسلحة ضد
الامريكيين) ولما سألته المراسلة: لماذا؟ اجاب (لأن وراء المقاومة المسلحة ثلاث
قوي، الأولي ويمكن تصنيفها في قائمة بقايا نظام الطاغية، وهذا مرفوض، والثانية
وتتمثل في احزاب تريد لنفسها مكانا في تشكيل مجلس الحكم، وهذا مرفوض ايضا، اما
الثالثة فهي التي تشكو من سوء المعاملة وشظف العيش وردود الافعال ضد ما يمارسه
جنود الاحتلال، ونحن لا نؤيد مقاومة قادمة من ردود الافعال.. الخ).
ان هذه الذرائع
للوقوف ضد المقاومة المسلحة، تشي اول ما تشي، بتوفر نية عدم الالتحاق بها، او حتي
عدم المبادرة في تنظيم غيرها، طالما ان مقاومة الامريكيين تقع في خانة العبث او
انعدام الجدوي، فأية جدوي اذن، تلك التي تمكن العراقيين من طرف الاحتلال، سوي
المقاومة؟
هل بتأمين الاستقرار،
ومعه الماء والكهرباء والمعاش؟ ام هل بتأمين الاستقرار ومعه نهب النفط وسلب
السيادة والانفتاح الاجباري علي اسرائيل.
فاسرائيل سمحت
لشركاتها التجارية (وغير التجارية) بالتعامل مع المؤسسات الاقتصادية (وغير
الاقتصادية) العراقية، وربما هي سمحت قبل اعلانها عن السماح بكثير، ففي غزو العراق
واحتلاله، كان لاسرائيل بصما، لا بنهب الأثر البابلي من متاحف العراق فحسب، ولا
بالتدمير المبرمج لكل ما يتعلق بنهضة العراق من مؤسسات ومراكز وعلماء ومصانع
ومختبرات فقط، بل وحتي في العمليات الحربية الخاصة بالتجسس واللوجستيات وحمل
الهويتين الامريكية والاسرائيلية!
لقد وقع العراق في
مجابهة اعتي قوي العالم (امريكا) واشدها مكرا وخبثا (الانكليز واسرائيل) وما عداوة
كل هؤلاء للعراق، الا لأنه اراد الخروج من نفق التخلف، فتدمير المفاعل النووي
العراقي، حدث، والعراق في حالة حرب مع ايران وليس مع اسرائيل، وحرب الحلف
الثلاثيني بقيادة امريكا، لم تكن في سبيل تحرير الكويت، والا لماذا استمر العدوان
علي العراق بعد انسحابه من الكويت، بمعدل ألف غارة او اكثر في اليوم الواحد؟ لماذا
استمر الحصار بشكل لا مثيل له في تاريخ العقوبات التي يمارسها الاقوي ضد الاضعف،
لا بمرجعية دولية شرعية، (ونماذجها مناطق الخطر في شمال العراق وجنوبه) ولا
بمرجعية منطقية عالمية او اخلاقية.
لم يتوقف العدوان علي
العراق منذ ما قبل العدوان الاخير الذي ادي الي احتلاله، فأمريكا تناصب العراق
عداوة حاقدة منذ انتهاء الحرب الباردة، اي منذ العام 1989، وقبل هذا التاريخ، فقد
كانت عداوة امريكا للعراق وللعرب مضمرة وليست ذات صفاقة في علنيتها، ومن يقرأ
التاريخ السري لكارثة الخامس من حزيران (يونيو) 1967، تلك الكارثة التي اودت
بسيناء والضفة الغربية والقدس والجولان واجزاء من حدود الاردن، يعلم بشكل قاطع،
بأن الولايات المتحدة الامريكية كانت وراء النصر الاسرائيلي المتعجرف، فأمريكا هي
التي اعطت كل مواقع الجيش المصري بعد القناة وقبلها، وهي التي اعطت مواقع المطارات
العسكرية في اعماق مصر وواجهاتها، وهي التي اعطت حركة السفن الحربية المصرية ساعة
بساعة، والحال نفسه ينطبق علي مواقع ومطارات القوات المسلحة السورية وربما
الاردنية ايضا.
اما لماذا كل هذا
الحقد علي العراق، فانه ببساطة لانه رفض ان ينضم الي جوقة (النعم) لاسرائيل، وما
ديكتاتورية صدام وحقوق الشعب العراقي، الا تفاصيل متهافتة في الذرائع. فالحنو
الامريكي الدافئ علي شعب العراق، لا اساس له، لا في القاموس الامريكي المعاصر، ولا
في قاموس امريكا التاريخي، فالامريكي عموما، ابن مدرسة الذرائعية في الحياة، اذ لا
تعنيه كوارث الانسانية كلها، قدر ما يعنيه جيبه وسلم ضرائبه، وقد تحدث العالم
التاريخي والاستاذ الحقوقي الفرنسي توكفيل، الذي درس قانون العقوبات في الولايات
المتحدة بعد استقلالها بقليل، تحدث عن صفات يمكن تعميمها علي الشعب الامريكي في حب
المال بصورة شاذة واستثنائية، بالمقارنة مع ميل الشعوب الاخري لحب الثروة نفسها.
والخلاصة، فان امريكا
لا تغامر بارسال قواتها الي مناطق الخطر، من اجل اسعاف الشعوب في نيل حريتها، فهذه
الاريحية لا ينطق بها تاريخ امريكا من قريب او بعيد، ولعل العجب العجاب، يكمن في
تدمير المربع الاحتلالي (امريكا وبريطانيا واسرائيل واستراليا) في اخضاعه لمنطق
احتلال ام تحرير، وفيما اذا جاء الامريكيون محتلين ام محررين؟!
ان هذه البلبلة في
المنطق الذي يراد له ان يشيع، هو المسؤول عن بسط الفرشة، لافكار مراوغة، تقول بعدم
جدوي المقاومة لانعدام التكافؤ، او تقول بأولوية الاستقرار وتأمين الماء والكهرباء
ومستلزمات المعيشة في الوظيفة، فيما هي تسكت عن الاحتلال واهداف الاحتلال وذل الاحتلال،
فالتاريخ لا يعرف احتلالا دون مقاومة، والتاريخ لا يعرف شعبا غزيت اراضيه فلجأ الي
التفاوض السلمي، فتمكن من بلوغ الحرية والتحرير، حتي الزعيم الهندي العظيم غاندي،
الذي اشتهر بمقاومته السلبية للاحتلال، (اي المقاومة غير المسلحة)، فقد كان اشد
نكالا علي المستعمرين البريطانيين في مقاومته السلبية منها الي المقاومة المسلحة،
فقد قاطع ما يزيد علي مئة مليون هندي زمن غاندي، كل ماله علاقة بمصالح بريطانيا
الاقتصادية والتجارية والعسكرية، ولئن رحلت بريطانيا عن الهند في نهاية المطاف،
فانها رحلت لافول شمسها الذاتية، بالدرجة الأولي، وليس لعناد غاندي السلبي،
فبريطانيا مع نهاية القرن العشرين، وربما قبله بعقود، لم تعد قادرة علي ادارة كل
مستعمراتها، خاصة تلك الكبيرة منها كالهند، وقد صادف ان تآكل القوة الذاتية
لامبراطورية لا تغيب عنها الشمس، وهي من طبائع التاريخ، لم تعد مكافئة لقانون ضبط
شعوب المستعمرات او الافادة من ثرواتها، فكلفة الاستعمار بالنسبة لبريطانيا، باتت
اعلي من ريعية استثماراته، وذلك ما كتب عنه باسهاب، المؤرخ الامريكي بول كيندي في
كتابه صعود الامبراطوريات وافولها.
في نهاية هذا الخطاب،
فان ما نرمي اليه، هو الا يكون الحقد دليلنا، فالحقد موجه اعمي في تاريخ الشعوب،
ولن ينتصر شعب يقوم علي غرائز احقاده، فالمقاومة العراقية المسلحة، لا تعمل من اجل
صدام، بل من اجل العراق، وهو وعي لا نريد تسطيحه، والمقاومة العراقية، ليست
بالضرورة عودة الحكم السابق لبغداد، انها عودة الحرية الي العراق، فقد انقضي زمن
وجاء زمن آخر، والانسان كما يقول الفلاسفة، لا يستطيع السباحة في ذات النهر مرتين،
فكل ثانية من جريان الماء او حركته، تختلف كما ونوعا عن ثانيتها اللاحقة، وعلي هذا
فان المثلث السني كما تطلق عليه قيادة الاحتلال بهدف التفريق، ينبغي بل يجب، ان
يصبح مربعا عراقيا شاملا، وهو وعي للضرورة والمصير، مصير فلسطين والعراق، بل مصير
الأمة التي يراد لها بدافع امريكي توراتي ويهودي ان تندثر.
في غمرة المصير
العراقي، بل والعربي الذي يكتب الآن، نقول للمتفرجين من حول المقاومة، مع استثناء
جميع الضالعين في المؤامرة الامريكية ـ الصهيونية الكبري، انفروا خفافا وثقالا ولا
تقاعسوا، ولئن كان اليوم مبكرا نوعا، فان غدا متأخر جدا(ولا تهنوا ولا تحزنوا
وانتم الاعلون).