تعابير قديمة بمعان مزوُرة
بقلم :علي محمد
فخرو
نعيش زمناً لديه
القدرة الفائقة علي خداع النفس وخداع الآخرين، تماماً كما يفعل المعلنون عندما
يقدمون نفس البضاعة القديمة في صورة اعلان جديد أكثر خبثاً وخداعاً وأكثر قدرة علي
الجذب والقبـول.
دعنا نأخذ مثلين محددين
لتوضيح تلك الظاهرة :
المثل الأول : علي
مستوي العالم كان الناس في الماضي القريب يصنفون في الحياة السياسية اما
كليبرالييـن، يؤمنون بالتحديث والتغيير والتقدم وعدم قبول محددات الواقع الظالمة
وانما النضـال ضدها، أو كمحافظين (وأحياناً رجعيين) يؤمنون بضرورة عدم المساس
بالواقع بل وأحياناً العمل من أجل اعادة واقع مضي وانقضي. كان الفرق بين
المجموعتين واضحاً، وكان الانحياز لأحد التصنيفين لا يقبل الغموض ولا المخاتلة.
لكن، منذ عدد قليل من
السنوات، ولعدم القدرة علي الغاء كلمة الليبرالية التي دخلت في كل قواميس السياسة
وترسخت في قلوب وعقول الملايين من البشر، تفتق ذهن البعض عن تعبير شيطاني يبقي
المانشيت (العنوان) وفي نفس الوقت يفرغه من محتواه، فكان أن ولد تعبير الليبرالية
الواقعية . ولايرف جفن الذين اخترعوا التعبير وهم يعلمون جيداً بتناقض الكلمتين.
فالليبرالية في جوهرها
هي ثورة علي الواقع ودعوة الي عالم أفضل بقيم جديدة ونظرات عقلانية وأخلاقية
فاحصة، بينما الواقعية في جوهرها هي تعايش مع محددات ونواقص الواقع وترك الأمور
للزمن وتجنب الاصطدام مع الظالمين المستفيدين من بقاء الواقع واستمراره لصالحهم. بهذه
المغالطة فتح الباب لتكر المسبحة. فاذا بعباقرة التلاعب بالألفاظ يتحدثون عن
التدخل الليبرالي ، أي بمعني أن الاحتلال أو الاستعمار يمكن أن ينسجم مع المبادئ
الليبرالية، وعن الطريق الثالث الذي يجمع بين نقيض الاشتراكية والرأسمالية.
المثل الثاني : وبالطبع،
وكالعادة، لايمكن الا أن ينجرف عباقرة التزوير الفكري السياسي في الأرض العربية في
نفس الاتجاه، كما فعل غيرهم من قبل من مقلدي كل موضة وصرعة غربية أو شرقيـــة
أوروبية. واذا بالاستقلالية وعدم الانحياز، التي عنت في الماضي الاستقلال عن
تأثيرات القوي المهيمنة في المجتمع، تصبح شيئاً آخر. انها ستعني في قواميسنا
الجديدة عدم الايمان بأية أيديولوجية، أي بأية مبادئ يؤمن بها الانسان ويدافع عنها
ويسعي لتحقيقها. فالاستقلالية وعدم الانحياز تعني عندهم التعامل بحيادية باردة
تساوي بين المجرم والضحية، بين العدل والظلم، بين السارق والمسروقين. انها تعني استعداداً
عقلياً ووجدانياً للتأرجح بين الثورة والاستسلام، بين التقدمية والرجعية، بين
القبلية والمدنية، أي بين كل المتناقضات، دون شعور بأي حرج في المنطق والأخلاق. ألسنا
نعيش عصر النسبية المطلقة حيث تتساوي في القيمة والأهمية كل وجهات النظر ويتساوي
أيضاً حاملوها؟ في هذا الميزان يتساوي جورج بوش ونلسون منديلا. فكلاهما لديه وجهة
نظر قابلة للأخذ والرد.
والحصيلة؟ الانتماء
لعصر جديد يزيف بضمير مرتاح. انهم مازالوا ليبراليين انسانيين ومستقلين موضوعيين
ولكنهم بحق عصريون حتي النخاع، أبناء مابعد الحداثة، ويا لها من موضة لكن هؤلاء
جميعاً ينسون أن الأقنعة في الحفلات التنكرية لا يمكن أن تدوم الي ما بعد الحفلة،
أذ سرعان ما تظهر بشاعة الوجوه وابتسامات الكذب والتلفيق والتمثيل.
شيئاً فشيئاً تسقط
حداثة أوروبا التنويرية، وشيئاً فشيئاً نسقط نحن معها أيضاً كتابعين.