عن استمرار حبس الشيخ الترابي
بقلم : د. عبد الوهاب الافندي
عندما قام الرئيس الاسبق جعفر النميري باعتقال الدكتور حسن الترابي في
الساعات الاولي لانقلابه في مايو عام 1969 احتج انصار الدكتور من الاسلاميين علي
ما رآه تعسفا غير مبرر، حيث ان الترابي اعتقل علي ما رووا قبل اعتقال وزير الدفاع،
هذا علما بأنه كان في المعارضة وقتها، وقد استغرب هؤلاء ان يجهز من ارادوا تغيير
الاوضاع علي المعارضة قبل اركان الحكم، خاصة وان رئيس الوزراء وقتها محمد احمد
المحجوب لم يعتقل في السجن، وانما ظل رهن الاعتقال المنزلي قبل ان يسمح له
بالانتقال الي المنفي الاختياري في بريطانيا.
المهم ان الترابي اعتقل مع سبق الاصرار باعتباره كان خطرا اكبر علي الحكم
الجديد من كبار رجال العهد السابق، بل ان احد وزراء الحكومة وقتها قال وهو يخطب في
حشد من طلاب الجامعة ان الترابي لن يري الشمس ابدا (وصفق له الحشد طويلا!) ولكن
الترابي رأي الشمس، وجلس في الحكم مكان ذلك الوزير الذي قضي بقية ايامه في المنفي،
ثم ابعد الترابي من الحكم واعيد الي السجن في الايام الاخيرة لحكم النميري.
وبمعني اخر ان النميري جاء الي الحكم والترابي في السجن، وخرج منه والترابي
في السجن، وهذا ان دل علي شيء فانما يدل علي ان الخطر علي حكم النميري لم يكن من
الترابي، او علي الاقل ان كان الخطر منه فان اعتقاله لم يؤثر في هذا الخطر.
الحكومة الحالية جاءت الي الحكم ايضا وكان من اول اعمالها اعتقال الترابي،
ويبدو انها مثل سابقتها، تريد ايضا ان يكون اعتقاله اخر اعمالها. والحكومة الحالية
تواجه اخطارا كثيرة من الداخل والخارج، ليس بقاء الترابي طليق السراح من بينها، او
ليس علي الاقل بأكثرها خطورة.
ورغم المناشدات من الاحزاب والحكومات وجماعات حقوق الانسان خارج وداخل
السودان، فان الحكومة ترفض اطلاق سراح الشيخ الذي جاوز السبعين من العمر، ولم
يرتكب مخالفة يحاسب عليها حتي طبقا للقوانين الجائرة التي يقوم علي تنفيذها قضاء
متفهم لكي لا نقول اكثر من ذلك.
بعض مسؤولي الحكومة يصرح للخاصة بانهم يعتقلون الترابي حماية له، لانه لو
كان طليق السراح فقد يرتكب مغامرات سياسية تكون وخيمة العواقب له ولغيره، ولسنا من
اهل الاطلاع علي الغيب حتي نحكم علي النوايا، ولكن لو كان ارتكاب الحماقات
السياسية فعلا (لا مجرد نية) جريمة يعاقب عليها لكان نصيب كثير من اركان الحكم
القائمين عليه اليوم السجن لفترات طويلة جزاء وفاقا علي ما انجزوا من انجازات في
هذا المضمار كانت ولا تزال وبالا عليهم وعلي البلاد.
ولعل الاسلم القول بان الحكومة تخشي ان يتسبب بقاء الترابي طليقا في مصاعب
سياسية، ولذلك تصر علي استمرار حبسه. وهناك من يقول بان هناك صفقات مع قوي اقليمية
ودولية ترهن الرضا عن الحكم باستمرار حبس الشيخ، وهو رأي له دلائل تؤيده.
ولكن مهما يكن فان أي ربح للحكومة من استمرار حبس الشيخ تعادله خسارة اكبر.
فليس الترابي وحزبه وحدهما من يسعي لزعزعة استقرار الحكم، بل كل قوي المعارضة،
وهذا حقها لو كانت الحكومة تفتح مجال العمل السياسي السلمي كما تزعم، وواجبها ان
لم تكن تفتح هذا المجال.
واستمرار اعتقال الترابي يعطي انصاره حجة اضافية لمضاعفة الجهد للعمل ضد
النظام، وكل الدلائل تشير الي انهم يجتهدون في ذلك. وهذا يعني ان استمرار اعتقال
الشيخ لم يضعف من اجتهادهم، بل بالعكس. وعلي كل فان دور زعيم الحزب هو التخطيط لا
التنفيذ، وهو واجب لم يقصر فيه الشيخ، ولم يمنعه الحبس عنه. وعليه فان اقل ما يقال
عن حبس الشيخ هو انه تصرف لا طائل من ورائه، حتي وان كان لا يضر بقضية الحكومة.
لقد آن الاوان اذن للحكومة ان تنهي هذه المهزلة، وتحترم القوانين التي
اصدرتها، باطلاق سراح الشيخ. خاصة وانها تفاوض من حملوا السلاح علي المشاركة في
السلطة، واذاكان هذا هو الحال، وكان حمل السلاح والهدم والتدمير ذنبا مغفورا، فما
بالك بمن كان كل ذنبه اتباع الطرق القانونية للتعبير عن نفسه؟ وعلي كل فلو نجحت
مفاوضات السلام فان الحكومة ستضطر الي اطلاق كل المعتقلين مرغمة غير مختارة،
فلماذا لا تغتنم برهة الاختيار القصيرة الباقية وتكسب المدح والرصيد علي ما ستجبر
عليه بلا مقابل غدا؟