باول يحارب العرب بالعراق
بقلم :جواد
البشيتي
كشف وزير خارجية
الولايات المتحدة كولن باول عن الطريقة التي تعتزم القوة الإمبريالية العظمي في
العالم استخدامها، بعد وبفضل احتلالها العراق، توصلا إلي بسط وتعزيز هيمنتها،
عالميا وإقليميا.
إدارة الرئيس بوش ما انفكت
تدعو سورية إلي تلبية جملة من الشروط والمطالب الامريكية والإسرائيلية إذا ما أراد
نظام الحكم فيها اجتناب ما حلّ بنظام حكم الرئيس العراقي صدام حسين؛ ومن هذه
الشروط والمطالب، التي لم تلبّها دمشق بعد، بحسب التصريحات الصحافية التي أدلي بها
باول لجريدة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية ونشرتها أيضا وزارة الخارجية الامريكية،
أنْ تقمع الجماعات (الفلسطينية واللبنانية) التي تشن هجمات علي إسرائيل .
أمّا العقاب الذي
ستتعرض له سورية في حال استمرارها في الامتناع عن تلبية هذا الشرط أو المطلب
الامريكي (والإسرائيلي) فهو منعها من دخول السوق العراقية!
وقد أوضح باول ذلك،
قائلا: إنّ سورية في حاجة إلي علاقة جيدة مع الولايات المتحدة حتي يكون لها علاقة
جيدة مع العراق، الذي هو من أكبر شركائها التجاريين، والذي يزوّدها نفطا رخيص
السعر.. إذا لم تقمع الجماعات التي تشن هجمات علي إسرائيل فلن يكون لها علاقة جيدة
مع الولايات المتحدة، ومع العراق، بالتالي. السوريون سيجدون أنفسهم في عزلة
متزايدة مع المضي قدما، ومن دونهم، في جهود ومساعي السلام، ومع تحول العراق إلي
دولة ديمقراطية، تؤيد مفاوضات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وترغب عن
العلاقة مع دول تواصل دعمها للأعمال الإرهابية (مثل سورية) ! في هذه الطريقة تعتزم
قوة الاحتلال الامريكي استخدام العراق ضد المقاومة العربية (الفلسطينية واللبنانية)
للاحتلال الإسرائيلي، وفي إخضاع العرب لمشيئة الولايات المتحدة وإسرائيل، فهذا
البلد العربي المحتل امريكيا غدا أداة في يد القوة الإمبريالية العظمي في العالم،
تستخدمها ضده، وضد العرب، وفي ما يخدم مصالحها ومصالح الدولة اليهودية.
هذا العراق سيغدو
ديمقراطيا ، بحسب المعني الامريكي للديمقراطية في العالم العربي، عندما يؤيد جهود
ومساعي السلام مع إسرائيل، ويقطع صلاته التجارية وغير التجارية مع كل دولة عربية
تدعم وتؤيد المقاومة العسكرية، الفلسطينية واللبنانية، للاحتلال الإسرائيلي، الذي
يشترك والاحتلال الامريكي في خاصية جوهرية هي أنّ مقاومتهما تفتقد الشرعية وتعدّ
إرهابا ، فالإصلاح الديمقراطي لأنظمة الحكم والمجتمعات العربية يفقد معناه
الحقيقي، أي معناه الامريكي، إذا لم يثمر مثل هذه الثمار الحلوة، امريكيا
وإسرائيليا!
في السوق العراقية
التجارية والنفطية، وبها، سترغم الولايات المتحدة العرب علي تلبية شروطها
ومطالبها، وعلي تلبية شروط ومطالب إسرائيل، توصلا إلي قيام البيئة الإستراتيجية
الإقليمية الجديدة ، التي من أهم خواصها اتخاذ تدمير الوجود القومي العربي والأمن
القومي العربي طريقا إلي قيام إسرائيل العظمي ، التي تقيم الدول العربية معها
علاقة مشابهة لعلاقة الولايات المتحدة بدول أمريكا اللاتينية! وفي العراق، وفي
سوقه الاقتصادية والتجارية والنفطية، ستعوّض قوة الاحتلال الامريكي والسلطات
العراقية المنبثقة منها إسرائيل الخسائر التي تكبدتها في سبيل السلام ، وستكافئها
علي تنازلاتها التي بفضلها قام السلام، فالعراق الجديد هو خير هدية يمكن أنْ
تهديها الولايات المتحدة للدولة اليهودية!
لقد أهدي الرئيس بوش
رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون خريطة للأراضي المقدسة يعود تاريخها إلي سنة 1678،
وتشمل دولا عديدة في المنطقة. ولدي وصوله إلي البيت الأبيض عبّر شارون عن شكره
للرئيس الامريكي علي الخريطة التي تظهر فيها أيضا بابل (العراق). وقال، معربا عن
شكره علي هذه الهدية الرمزية : يمكنني أنْ أؤكد لكم سيدي الرئيس أنّ هذه الخريطة (لا
خريطة الطريق ) كانت ستحظي بموافقة حكومتي في سرعة ويسر !
شارون أصاب إذ فهم
هذه الهدية علي أنّها تأييد امريكي لقيام إسرائيل العظمي ، التي من دون استيلائها
علي مزيد من الأراضي العربية ستحقق حلم من الفرات إلي النيل ؛ ولكنه أخطأ إذ فهم
هذه الخريطة و خريطة الطريق علي أنّهما شيئان متعارضان، فخريطة الطريق ليست سوي
خريطة للطريق المؤدية إلي قيام إسرائيل العظمي التي تبسط سيطرتها علي الأراضي
المقدسة كما تظهر في الخريطة الهدية!
عندما كانت القوة
الإمبريالية العظمي في العالم تعد العدّة لغزو العراق سمعنا وقرأنا أنّ هذا الغزو
لا يستهدف، البتة، السيطرة علي الثروة النفطية العراقية الهائلة، فالولايات
المتحدة، وفق هذه الأباطيل، يمكنها، لو كانت في حاجة إلي نفط العراق، شراؤه، كما
يمكنها، لو كانت أنانية ولا تعبأ بأمن واستقرار العالم، أنْ ترفع العقوبات الدولية
عن صادرات النفط العراقية، فتتمكن عبر ذلك من شراء نفط أقل سعرا! غير أنّ الحقائق
الإستراتيجية كان لها رأي آخر، فالولايات المتحدة، بعد عشر سنوات، ستكون مضطرة إلي
استيراد كل قطرة نفط تستهلكها، أمّا منافسوها الاقتصاديون، مثل الاتحاد الأوروبي
والصين، فسوف يزدادون تبعية للسوق النفطية الخارجية.
كان ينبغي للولايات
المتحدة، التي اشتد لديها الميل إلي الهيمنة الإمبريالية علي العالم، أنْ تعمل بما
تمليه عليها هذه الحقائق التي موّهتها بأكذوبة أسلحة الدمار الشامل العراقية ،
وغيرها من الأكاذيب، فالاستيلاء الإمبريالي علي احتياط النفط العراقي غدا شرطا
للحفاظ علي الأمن القومي الامريكي، كما غدا شرطا لنجاح الولايات المتحدة في سعيها
لإخضاع منافسيها وخصومها لمشيئتها، فالنفط العراقي يمكن أنْ يكون من أمضي أسلحتها في
هذه المعركة الدولية الكبري.
وغني عن البيان أنّ
الولايات المتحدة بسيطرتها علي ثروة العراق النفطية الهائلة وعلي موقعه الجغرافي
المهم إستراتيجيا سيصبح في مقدورها إحكام قبضتها علي أهم مصادر الطاقة في العالم،
والتحكم، بالتالي، في السياسة الدولية.
خاطب باول سورية
قائلا: إمّا الخضوع.. وإمّا إلحاق الضرر بمصالحك التجارية والنفطية في العراق الذي
نسيطر عليه . وليس ثمة ما يمنع الولايات المتحدة، غدا، من استخدام العراق، وغيره
من الدول التي تسيطر أو قد تسيطر علي ثرواتها النفطية، في معركتها الكبري لبسط
هيمنتها الإمبريالية علي العالم، فتتحول الطاقة النفطية إلي سلاح في يدها تستخدمه
في إقناع خصومها ومنافسيها بالخضوع لمشيئتها وتجنيب أنفسهم، بالتالي، شرور فن
الإكراه !
إنّ إحكام السيطرة
الإمبريالية الامريكية علي العراق هو الطريق إلي قيام روما الجديدة وتحوّل
الولايات المتحدة إلي ما يشبه حكومة عالمية أوتوقراطية؛ كما هو الطريق إلي قيام
إسرائيل العظمي .
ويكفي أنْ ندرك نحن
العرب، ويدرك العالم معنا هذه الحقيقة التي لا يعكّرها وهم أو خرافة، حتي نقتنع
بأنّ مصلحتنا الكبري تقضي بتحويل العراق إلي محرقة للوجود الامريكي الإمبريالي فيه
في كل أشكاله وصوره، عبر دعم المقاومة العراقية الآخذة في النمو والاتساع، والتي
من خلالها، ومن خلال الدعم الدولي والإقليمي والعربي لها، سيصبح العالم أكثر أمنا
واستقرارا، فليس من قوة في مقدورها تقويض أمن واستقرار العالم وعرقلة تطوره
الديمقراطي والحضاري أكثر من الولايات المتحدة، التي ترغمها مصالحها الإمبريالية
الجديدة علي أنْ تسلك سلوكا يدخلها في نزاع يزداد حدّة مع العالم بأسره.
لقد سعت الولايات
المتحدة في استقطاب تأييد عربي لسعيها إلي احتلال العراق عبر إظهارها نظام حكم
صدام حسين علي أنّه عامل إضعاف لأمن واستقرار دول عربية عديدة. واليوم، يخاطب باول
العرب، الذين توهموا أنّهم صاروا في أمن وأمان بعد إطاحة القوات الامريكية لنظام
الحكم هذا، قائلا: إنّ العراق الجديد، أي الذي تحتله الولايات المتحدة، سيستخدم
سلاحا في محاربة كل دولة عربية لا تلبّي الشروط والمطالب الامريكية والإسرائيلية !
وأحسب أنّ في قول
باول هذا ما يؤكد الحاجة العربية، الأمنية والإستراتيجية والقومية، إلي تأييد ودعم
المقاومة العراقية، التي في تأييد ودعم العرب لها يمكن إظهار وتأكيد الرفض العربي
للخضوع للشروط والمطالب الإسرائيلية الكامنة في الشروط والمطالب الامريكية؛ وكل
تقصير عربي عن مدّ المقاومة العراقية بأسباب القوة والنمو لا يمكن فهمه إلا علي
أنّه تعبير عن غلبة الميل إلي هذا الخضوع!