لماذا تصمت الحكومات العربية عن الوضع في العراق؟
بقلم :د. يوسف
نور عوض
مقتل عدي وقصي صدام
حسين مر مرور الكرام علي العالم العربي وكأنه حدث عادي، وقتل مشروع من قبل
الولايات المتحدة.
ولا اريد في البداية
ان يبدو كلامي وكأنه دفاع عن عدي وقصي فهما من خلال ما ورد في سيرتهما ارتكبا
كثيرا من جرائم التسلط ويستحقان عقابا صارما، ولكن الجمهور من حقه ان يعرف كثيرا
من الحقائق التي تتصل بهما وهو ما كان يستدعي محاكمتهما بصورة علنية. ولا تستطيع
الولايات المتحدة ان تزعم انها لم تكن قادرة علي ذلك، ولكنها قررت منذ البداية
ولاسباب دعائية ان تقضي عليهما بهذه الطريقة المثيرة، علي الرغم من ان القوانين
داخل الولايات المتحدة تمنع المسؤولين فيها من قتل قادة الدول الاخري، ولكن
الولايات المتحدة في مخالفة القوانين ذهبت الي اقصي حد عندما اعلنت الجوائز من اجل
قتل صدام وبطانته وهو ما لم يحدث من قبل علي هذا النحو، بل ان الولايات المتحدة
اعتقلت عددا كبيرا ممن تتهمهم بالارهاب ووضعتهم في معتقل غوانتنامو في كوبا لانها
تعرف ان وضعهم في اي معتقل داخل الولايات المتحدة سوف يكون مخالفا للقوانين وغير
شرعي وهي تريد الان ان تخضع المعتقلين الي محاكمات عسكرية يشك الكثيرون في ان
تتحقق فيها العدالة للمتهمين، ورفضت الولايات المتحدة ان تضع مواطنيها في هذا
المعتقل، بل وفرت لهم الحماية الكاملة وسارعت الي عقد اتفاقات مع كثير من دول
العالم تمنع محاكمة المواطنين الامريكيين خارج الاراضي الامريكية. ولو كان ما
تفعله الولايات المتحدة بغرض تحقيق العدالة وحكم القانون لما اعترض احد ولكن كل ما
فعلته الولايات المتحدة مخالف للقانون وفيه نزعة عنصرية واضحة.
ولابد لكي نوضح
الصورة بشكل كامل ان نتساءل عن الدوافع التي ساقت الولايات المتحدة الي حرب
العراق، وما اذا كانت هذه الدوافع مشروعة؟
ما نعلمه هو انه لم
تكن هناك عداوة خاصة بين الولايات المتحدة والعراق، بل كانت دائما هناك محاولات
للتعاون بين البلدين ويذهب الكثيرون الي ان حرب الخليج الاولي ضد ايران كانت بتشجيع
من الولايات المتحدة وان غزو الكويت ايضا كان بايحاء منها ويفسرون ذلك بان
الولايات المتحدة عندما حررت الكويت لم تتحرك نحو اسقاط نظام صدام حسين بل ابقت
عليه وهو ما جعل الكثيرين يعتقدون انه ما زالت هناك علاقات واهداف سرية بين
الولايات المتحدة والعراق.
وعندما جاءت ادارة
الرئيس بوش الحالية، كان واضحا ان الرئيس لا يملك اي تصور للعالم الخارجي وهو ما
جعله ينصرف حتي عن التعامل مع قضية الشرق الاوسط بايجابية املا في ان تحقق مواقفه
السلبية ما ترجوه اسرائيل بعد ان ارتفعت الامال في ايجاد حل خلال ادارة الرئيس
السابق كلنتون. وفجأة وقعت احداث الحادي عشر من سبتمبر لتعطي الرئيس موضوعا يعتمد
عليه في فترة ادارته الاولي وهو مكافحة الارهاب، وكانت حرب افغانستان الفاشلة ثم
كانت حرب العراق التي امل ان يحقق منها ما فشل في تحقيقه في حرب افغانستان ولكن
هذه الحرب التي لم تحسم نتائجها بعد عرت ادارة الرئيس بوش والنظام الامريكي بأكمله
وربما ستكون لها انعكاسات قوية علي اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة.
ولعل اهم ما كشفت عنه
الاحداث هو ان الادارة الامريكية ليست كما تدعي، فهي لا تملك وسائل المعرفة
المؤكدة كما ان النظام الذي يدعي انه حارس الديمقراطية وقيم الحرية في العالم هو
اخر من يحق له ان يدعي ذلك:
اولا: بكون الولايات
المتحدة التي لم تكن لها عداوة خاصة مع العراق ادعت انها تخوض الحرب ضده لانه يملك
اسلحة دمار شامل، ولم يكن ذلك مقنعا بقيام حرب لانه حتي لو امتلك العراق اسلحة
دمار شامل فهي محدودة ولا يمكن ان يهدد بها بلدا كالولايات المتحدة.
واثبتت الايام كذب
الادعاءات الامريكية، اذ ان الولايات المتحدة بعد ان سيطرت علي العراق لم تكتشف
اسلحة الدمار الشامل، وظلت تراوغ انها ما تزال تبحث عنها، ولم تستطع الولايات
المتحدة حتي ان تؤكد انه كان للعراق جيش يدافع به عن نفسه لان نظرية الخيانة لا
تحول دون ان تعرض لنا الولايات المتحدة ترسانة العراق الحربية وهو ما فشلت فيه
ايضا، فلم تكن هناك اسلحة مدمرة او اسلحة غير مدمرة ولم تكن هناك طائرات بل
الحقيقة هي ان العراق كان بلدا بدون جيش كما اثبتت الوقائع وهو ما يثير الدهشة حقا
حول الدوافع والاسباب التي تجعل الولايات المتحدة تدمر بلدا كالعراق وتفرض عليه
حكما اجنبيا.
ثانيا: لابد ان نتوقف
عند الرجال الذين يتخذون القرارات في الولايات المتحدة، وهم في معظمهم من امثال
كولن باول.. ورامسفيلد.. وولفوتز رجال غير منتخبين وهم يشكلون الادارة الامريكية،
وذلك ما يجب ان نتنبه اليه ونتوقف عنده، بكون الادارة الامريكية هي ادارة غير
ديمقراطية وادارة غير منتخبة وتنظيم الحكومة الامريكية يشبه الي حد كبير تنظيم
المافيا، واذا نظرنا الي الكيفية التي وصل بها الرئيس جورج بوش الي الحكم ثارت في عقولنا
كثير من الاسئلة حول مشروعية رئاسته ولكن ذلك ليس مهما، لان رئيسا آخر للولايات
المتحدة ما كان سيغير الموقف كثيرا بالنسبة للقضايا العربية ـ وما يجب ان نتنبه
اليه هو الكيفية التي اختار بها الرئيس اعوانه وهم في معظمهم اعوان والده، وكما هو
معروف فان اعضاء الحكومة الامريكية لا يأتون بالانتخاب وانما يختارهم الرئيس
مكافأة لهم علي مساعدتهم له في الانتخابات او بسبب نفوذهم المالي في الشركات او
بسبب علاقاتهم الاسرية بالرئيس، وبالتالي فان ما تسمي بالادارة الامريكية هي في
الحقيقة ادارة غير منتخبة ولا تمثل الشعب الامريكي وهي قد تتخذ قرارات تتعارض مع
المصالح الامريكية، ويبدو واضحا ان اللوبي الذي يحيط بالرئيس في الوقت الحاضر هو
اللوبي الصهيوني وتلك لعبة يحسنها الصهاينة فهم يعرفون كيف يسرقون الادارة
والانتخابات الامريكية من خلال تشكيل الادارة ذات الولاء المطلق لاسرائيل ولكن بما
ان اسرائيل ذاتها لا تمتلك رؤية حقيقية او صحيحة حول وجودها فهي تورط الولايات
المتحدة في كثير من الاحيان في مواقف يصعب الدفاع عنها. فاسرائيل لا تنظر الي
نفسها في الوقت الحاضر علي انها دولة صغيرة وتريد ان تتعايش مع جيرانها في سلام،
لانه لو كانت تلك نظرتها لواقعها لما وجدت افضل من الظروف الحالية لتحقيق هذا
الهدف ولكن اسرائيل تنظر الي نفسها علي انها دولة توارتية تقوم علي اسس دينية ـ
وهي عندما تشجع الحرب ضد العراق فان هدفها الاساسي هو تحقيق حلمها في اقامة نفوذها
من الفرات الي النيل، والذي يجعل اسرائيل قادرة علي ركوب المخاطر هو انها تمتلك
قوة عسكرية ضخمة وهي باختصار قوة نووية ويساندها العالم الغربي، وقبل هذا وذاك
يحمل معظم الاسرائيليين جنسيات مزدوجة من بلاد مستوي الحياة فيها ارفع من اسرائيل،
وبالتالي لا يشعر المواطن الاسرائيلي انه يسعي من اجل تحسين وضعه في مجتمع الهجرة
وانما هو يقف وراء عقيدة يؤمن بها ويدافع عنها. ويفسر ذلك لماذا يخون الصهاينة كل
العهود ويرفضون الالتزام بأي شيء يعلنونه. ويبدو ذلك واضحا منذ اتفاقات كامب ديفيد
وحتي خريطة الطريق الاخيرة التي ظن الكثيرون انها الأمل الاخير والمحاولة الموثوقة
من الولايات المتحدة لايجاد مخرج للقضية الفلسطينية ولم يلحظ احد كيف غير الرئيس
الامريكي موقفه عندما اعلن ان تطبيق خريطة الطريق رهن بوقف العمليات الارهابية وهو
ما يعني باختصار انه ليست هناك خريطة طريق لان قطاعات كبيرة من الفلسطينيين لن
تقبل بوقف عملياتها لمجرد وعود تقدمها اسرائيل كما ان الكثيرين يعتقدون انه حتي لو
وفت اسرائيل بكامل عهودها فان ذلك لن يكفي لانها مغتصبة لارض فلسطين التي يجب ان
تعود الي اهلها.
واذا نظرنا الي موقف
العالم العربي ازاء كل المواقف الامريكية التي وصلت ذروتها في حرب العراق الاخيرة
وجدنا موقفين واضحين، فهناك الموقف العربي الرسمي الذي يتظاهر بالضعف والانصياع
لكل ما تطلبه الولايات المتحدة حتي رأينا في الايام الاخيرة وعلي شاشات التلفزيون
البريطاني حملة دعائية قامت بها احدي الدول العربية توضح كيف انها طورت وسائلها
الامنية من اجل مكافحة الارهاب وذلك من اجل خطب ود الولايات المتحدة، وبادرت معظم
الانظمة العربية لشحذ وسائلها الارهابية ضد شعوبها وهي في فعلها هذا انما تحاول ان
تبقي علي العجلة تدور في طريقها المعتاد حيث تقهر الشعوب. بينما تظل وسائل الحكم
دون تغيير، ومن الجانب الاخر هناك الشعوب المغلوبة التي يصدق جزء منها ما تقوله
الحكومات ويرفض جزء منها ذلك، ولكنها شعوب غير قادرة علي الحركة لانها تعيش في
اجواء الخضوع او الاضطهاد، بحيث اجترأ عدد من الرؤساء عليها بجعل ابنائهم يتولون
اللجان والمؤسسات التي تدعو الي التطهير ومحاسبة المفسدين وذلك لاظهار هؤلاء الابناء
وكأنهم رسل المستقبل وقادته. انه وضع يدعو الي الكآبة والتعاسة، لان الامة العربية
لم تفشل فقط في مواجهة اعدائها الخارجيين بل هي فشلت ايضا في تنظيم نفسها من اجل
تحقيق احتياجاتها الضرورية ناهيك بتطلعاتها وطموحاتها.
ويكفي ان تري بلدا في
مستوي العراق يحكم بواسطة قوات عسكرية تدعمها ليس فقط الولايات المتحدة بل اكبر
عدو للعرب وهي اسرائيل بينما الامة العربية كلها تمارس الضعف والخذلان، مسلمة
ارادتها لاعدائها، فهل يعقل ان يكون هدف الولايات ومن ورائها اسرائيل تحقيق الحرية
والعدالة والديمقراطية في العراق؟
ذلك ما يجب ان يتوقف
العرب للتفكير فيه، ومساءلة حكوماتهم عن الصمت علي هذا الواقع.