مشاعر مختلطة

 

 

 

بقلم :عدلي صادق

 

إطلاق بعض المسجونين، يقتضي ـ بدايةً ـ التهنئة بسلامة رجوع الذين رجعوا، الي بيوتهم والي أسرهم، بعد فترات السجن والمعاناة. ففي معايير الأمهات والأبناء، تضيع الفوارق بين الموقوف إدارياً، والمحكوم بالسجن لمدة طويلة، ولا تتعطل خلجات الفرح، بمن أطلق سراحهم، بفعل مشاعر الألم والتأسي، علي أوضاع الذين لم يُطلق سراحهم. ففي مسألة الأسري، يتلامس لدي الفلسطينيين، الخاص والعام، فلا يفقد الخاص خصوصيته، ولا تُفتقد ومضات الفرح أو الحزن الواجبة فيه، ولا يضيع الإحساس العام، بأن معايير إطلاق الأسري، التي اعتمدها الاحتلال، كانت مخادعة وتحايلية، وفصلاًُ ركيكاً من فصول العلاقات العامة، علي المستوي الدولي، غايته الظاهرة، إدعاء الإيجابية، حيال استحقاقات التقدم علي طريق العملية السلمية، وهدفه المضمر، إبقاء الأسري ورقة للمساومة، والتمسك بحبسهم، تلبية للتوجسات الأمنية وتخوفاً من الزخم الذي يمكن أن تضيفه النخبة الشابة، التي تمثلها الحركة الأسيرة، للشارع السياسي والوطني الفلسطيني.

ہ ہ ہ

ما زلنا نتناول مسألة المعتقلين تحت عنوان الأسري ولم يكن هناك تصنيف علي قاعدة الإتهامات والأحكام والمدد الزمنية. فالمعتقل الإداري، أطلقنا عليه صفة الأسير، علماً بأنه لم يؤسر، وإنما اعتقل تعسفاً، ولم توجه اليه أية اتهامات، ولم يُحاكم. بالتالي فإن من غير مصلحته أن ينال صفة الأسير، وإن كانت الصفة ذات مضمون نضالي. وكان ينبغي أن تُطرح مسألة المعتقلين الإداريين علي حدة، وليس في الساعات الأخيرة، التي كان الحديث فيها يدور حول المعايير. بل إن إطلاق المعتقلين الإداريين كان ينبغي أن يسبق الهدنة. أما المعتقلون الذين أوشكت مُدد أحكامهم علي النفاد، فإن إطلاقهم، ينبغي أن لا يُحسب من ضمن عدد المُفرج عنهم، وهذا ما طرحه الجانب الفلسطيني، ولم يستجب له شارون وموفاز، لأن استخدام قائمة هؤلاء يمثل جوهر عملية الخداع، وفصل العلاقات العامة الهادفة الي ذر الرماد في العيون.

ہ ہ ہ

قضية المعتقلين، تمس مشاعر قطاع عريض، من الجماهير الفلسطينية. وبصراحة تضخمت العواطف، حيال هذه القضية، حتي باتت تطغي أحياناً علي قضية الأرض نفسها. ففي الشهور الأخيرة، لم تُذكر قضية الأراضي والاستيطان والحدود مثلما ـ أو حتي عُشر ـ ما ذكرت قضية الأسري، علماً بأن استمرار الاحتلال، يوجب استمرار المقاومة، وبالتالي يكون استمرار الإعتقال. ولعل هذا الرجحان العاطفي، لقضية الأسري، من مستجدات الوعي الجمعي الفلسطيني، لأن موضوع إطلاق الأسري، كان دائماً، وعبر نحو ثلاثين سنة، متصلاً بتطور الكفاح الوطني ومعطياته، وأحياناً بحالات تبادل يكون الإطلاق من جانب الإحتلال، واسعاً بحكم ضرورات التبادل بالنسبة للدولة العبرية. غير أن الأسري أنفسهم، وذويهم، لم يكونوا في وارد الإحساس ـ أصلاً ـ بضرورة الإطلاق العاجل، لعلم المناضلين وذويهم، بأن هذه هي ضريبة الكفاح وأكلافه.

ومن المفارقات، أن أحداً لم يكن مستعداً، لأن ينبه الي ضرورة تخفيف الطغيان العاطفي لموضوع الأسري، ولو مؤقتاً. فليس بمقدور الطليق، حتي ولو كان أسيراً سابقاً ـ من أمثالنا ـ أن يغالب جموح مشاعره حيال الأسري، وإن كان ترتيب أولويات الإهتمام، ربما يفيد القضية برمتها، بكل عناصرها: الأرض والأسري والشعب كله.

ہ ہ ہ

أمام مشاعر مختلطة، في المشهد الفلسطيني العام، لا يسعنا إلا أن نشارك الأسرة التي فرحت بعودة إبنها، فرحتها بحدث الإفراج، وربما المشاركة في ولائم الاحتفال الخاصة، دون الالتفات الي الألم العام. في الوقت نفسه، يعتصر القلب ألماً وتضامناً، مع الأسر التي ما زال أبناؤها قابعين في السجون، ونبرر لمن هبطوا من الحافلات، وعانقوا الأحبة، في لقطات فرح ودموع، ما أظهروه من فرحة استثنائية، وسط مناخ الحزن والتفجع في الوطن كله. فهولاء لن يقصروا في قطع السياق المتدفق لفرحتهم، للإعراب عن أن هذه الفرحة لن تكتمل، إلا بالإفراج عن كافة الأسري . علي الرغم من ذلك فإن أية فرحة فلسطينية، لن تكتمل، إلا بالإستقلال والحرية وجلاء الاحتلال، وطي صفحة السجون والسجانين والمحتلين بكل اشكالهم.