ومرة أخري ..الإسلام والغرب إلى أين؟

 

بقلم : د.مدحت إبراهيم

kfa@maktoob.com

 

نظم المركز الإسلامي باخن بالتعاون مع كل من اتحاد العمال المسلمين بأوربا واتحاد الطلاب المسلمين الملتقي السنوي الثامن والعشرين تحت عنوان ومري أخري ..الإسلام والغرب إلى أين؟ والواقع إن الحدث كان غنيا بالمشاركين وضم كوكبة من رجالات الفكر الإسلامي وناقشوا العديد من القضايا. والواقع أيضا إن أحداث سبتمبر انتقلت أثارها من الولايات المتحدة إلى أوربا و  ألقت بظلالها علي أبناء المسلمين في أوربا واصبح الهاجس الأمني يحرك أوربا واصبح المطلوب من المسلمين أن يوضحوا ماهية دينهم ومدي مشاركتهم الفعالة في بناء مجتمعاتهم الجديدة، والمسلم الأوربي مطلوب منه أن يكون عنصرا فعالا في مجتمعه الأوربي لكي يكون عنصر مفيد للعالم الإسلامي الذي يحتاج لكل العناصر المخلصة لنهضته وبناؤه، و إذا كان اليهود في كل مكان يسخرون كل إمكانياتهم لخدمة الكيان الغاصب في فلسطين فنحن نطمع أن تكون لجالياتنا المسلمة الدور الفعال في نشر صورة الإسلام الصحيحة والقيام بتبليغ رسالة الدين الحنيف لكل مكان وما درس إندونيسيا ببعيد ألم ينتشر الإسلام فيها بالتجارة وكان للمعاملات الطيبة لأجدادنا من التجار المسلمين الدور الأساسي في تحول هذا المجتمع إلى الإسلام.

مقدمة

الشيخ متولي موسي مدير المركز الإسلامي بكولون قدم للمنتدى بكلمته" إذا تأملنا أحداث سبتمبر لمعرفة ما حدث ومن وراء الحدث سوف نقف طويلا لنعرف ونسال إلى أين تأخذنا هذه الأحداث؟  رغم إن القتلى في سبتمبر يعتبروا قليلين بمقياس  الحروب إلا إن التحول في العلاقات الدولية بعد الحادث لا نكاد نري له مثيل في التاريخ الإنساني  إلا ما حدث عند تأسيس أمريكا نفسها علي أنقاض الهنود الحمر. وما حدث بعد قارعة سبتمبر تمثل في  إشاعة روح الكراهية ضد المسلمين واتهامهم بالعنف وكراهية اليهود والنصارى واتهام التعليم الديني بالوقوف وراء الحدث ، و ذلك يجعلنا نعود للوراء لنذكر إن كثير من حوادث العنف والحروب فيما مضي لم يكن الإسلام طرفا فيها وهي علي سبيل  المثال حربين عالميتين في أوربا راح ضحيتهما 70 مليون و أضعاف الرقم من الجرحى ثم حروب كثيرة في فيتنام و أمريكا الجنوبية وايرلندا ومذابح البوسنة ورواندا وحوادث كثيرة غير معلوم بالضبط عدد الضحايا فيها. أما الولايات المتحدة فالحديث عن جرائمها له خصوصية ويكاد لا نري ركن من العالم لم يسقط فيه ضحايا بأيدي  أمريكية.  والسؤال هل أراق الإسلام في تاريخه دماء بمثل هذا الحشد.

 هل يمكن توضيح قيمنا بنماذج حية وتقديمها للغرب، و هل لو أصلحنا الذات سنحتاج إلى تجميل الصورة. والخلاصة إننا نجتمع اليوم لنكتب صفحة جديدة أهم ملامحها ما يجب علي الأفراد و المؤسسات فعله وكيف نواجه العقبات والمشكلات انطلاقا من تعاليمنا مصداقا لقوله " إن الله يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربة وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي".  وكذلك " وقاتلوا في سبيل الله الذين  يقاتلونكم و لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" . وهي قيم توضح منطلقاتنا فنحن لا نعتدي علي أحد ولسنا كأمريكا التي تعتدي  بدون أي سند.

 

دور المؤسسات والمعاهد الاستراتيجية في القرار الغربي.

ثم تحدث الدكتور عمر عبد الكافي ليغطي هذا الموضوع، في البداية قال فضيلة الدكتور نحن لا نحتاج إن نتحدث عن كيفية صناعة القرار الغربي ضدنا بل نريد أن نقف في الاتجاه الأخر ونقول لماذا أثرت في الجسد الإسلامي الأمراض و المؤامرات.

في البداية كانت مكة تمثل العالم اليوم حيث كثرت الجراثيم مثل أبو لهب و أبو جهل والواحد منهم بأمثال عشرات ومئات من أصحاب العولمة ومؤيدي إسرائيل اليوم، كان هناك  في المجتمع المكي سادة وعبيد مثلما هناك عالم أول وثالث هذه الأيام. وقديما قام النبي عليه الصلاة و السلام  بتحصين اتباعه ضد الأمراض، لكن مصيبة مسلمي هذه الأيام انهم صنعوا تخلفهم بأيديهم وهذا ليس تغزلا في الغرب فالمخلص في كفره انجح من الضعيف في إيمانه. والمبشر الاسكندنافي عندما يذهب لأفريقيا يبحث عن بيت و قبر أما نحن لو ذهبنا للدعوة فنسأل  كم سنأخذ؟ .. و أين نعيش؟ .. لذا ينجح أمثال الأول ويفشل أمثال الثاني. إبليس يعمل 24 ساعة وهكذا بعض المؤسسات في الغرب التي تعمل ضدنا أما نحن فنفرك أيدينا لو انتدبنا لصنع الخير.  أجدادنا ملكوا الأرض و ألان يجب أن  نسـأل أنفسنا ماذا نقدم  وماذا فعلنا من اجل الدعوة،  إن التبليغ أمانة في أعناقنا في هذه البلاد. النبي صلي الله عليه وسلم قديما ربي القلوب فأصبحت مصانع إيمانية والمسلم يقوي بالله لان الشيطان أطيع فما نفع وعصي فلم يضر. انظر كيف ربي النبي المناعة في أصحابه فلم تؤثر فيهم جراثيم أبو لهب. إن اغلب المحن صنعناها ولكن مع المحن تأتي المنح إن شاء الله. ونحن تعلمنا لكن لم نربي و أسسنا البنايات الضخمة لكن لم تأتلف القلوب و القضية هي مدي التزام العبد إيمانيا مع ربه ونحن أهملنا تربية الرجال، ونريد قلوبا مفعمة بحب الله فإذا أحببنا الله احبنا و أصبحنا نسخا مصحفيه تسير علي الأرض.

 عبد الله بن ابي ابن سلول لو خرج علينا هذه الأيام لتواري خجلا مما قد يراه من بعض المثقفين و الإعلاميين.

ثم يلفت الدكتور عمر نظر المسلمين إلى إن تربية الإيمانيات في المسلم ستودي إلى تضاؤل  قضية الفكر الاستراتيجي المضاد للإسلام أمام هذه الإيمانيات. ويقول الدكتور عمر :  سيدنا علي كرم الله وجهه كان يقول علي الخوارج  إخواننا بغوا علينا ولم يشغل نفسه بعيوب الآخرين فالإنسان لابد أن يراعي انه عبد لله والاستخلاف من الله ونحن نصنع أشياء لنحصد بها نتائج والقضية قضية توبة فنحن بحاجة إلى تجديد التوبة. والفكر الاستراتيجي الغربي لا أخاف منه بل أخاف من الهزيمة النفسية الداخلية  وسيكون القرن الحالي إسلاميا ولكن ليس بالأماني و لا بالكلام ولكن بالعمل اترك نفسك للمعلم كي يعلمك وارفع رأسك واستشعر العزة ونريد أن نحسن عرض الإسلام سلوكا ثم قولا فنحن الثغرة الكبيرة التي نفذ منها هؤلاء إلينا وعندما نحسن العمل ساعتها يمكن التفكير في الفكر الاستراتيجي ودوره ضدنا.

وفي النهاية يقول الدكتور عمر: نحن لا نريد أن تخافنا الناس بل نريدهم  أن يحيوننا ويتبعوا ديننا وليس لدينا في التاريخ الإسلامي ما  نستحي منه بل هم لديهم ما يستحون منه.

بارك الله في الدكتور عمر وفعلا نحن هنا في أوربا نشعر إن المسلم هو مفتاح العالم وان الإصلاح الداخلي للمسلم اصبح ضرورة ليس للمسلمين فحسب بل للعالم اجمع الذي يعاني من ظلم و تجبر الطغيان في ظل الحضارة الانجلو أمريكية ويحتاج منا إلى مراجعة النفس قبل مراجعة الآخرين.

 

الحالة الاستيلابية الأممية المتجددة.. وكيف نتعامل معها؟

من أراد أن يستشعر بالخيرية في الأمة فعليه أن يستمع لأمثال هؤلاء الشباب، فالشاب احمد صدقي الدجاني أعطى عمليا درس في الجدية وكيفية تحصيل العلم الجاد النافع. الأستاذ احمد تحدث عن كيفية الحاجة لتبديل الكثير من المفاهيم التي تأقلمنا عليها في حين إنها  تنطوي علي كثير من المغالطات فبقول: الاستعمار يستند إلى الفعل عمر وهو بذلك مفهوم لا يعكس الواقع،  و إذا كان الاستعمار جاء نتيجة طغيان وشعور قوم بأنهم اعلي من الآخرين فانه تصيف الطغيان بلفظ الاستيلاب، فالاستيلاب اخذ ارض بالقوة إما بالإكراه أو الغبن وهي ظاهرة تتحرك علي أرضية علمانية  أي تقوم علي تجاهل المرجعية الالهية، وهو ينقسم إلى الاستيلاب الاممي و الاستيلاب الشعبي  أو الاستيلاب الداخلي الذي يسمي خطا بالاستعمار الداخلي وهو قيام فئة بالاستيلاء علي السلطة، وهناك أستيلاب عالمي وهو استهداف العالم بأسره مقابل استيلابه. 

و ينبه الأستاذ أحمد إلى ضرورة التمييز وعدم الخلط فيما بين الاستيلاب كمفهوم غربي والفتح كمفهوم إسلامي. فيقول أن الفتح ارتبط بنشر الإيمان و اعمار الأرض ومساعدة الغير  أما الاستيلاب فقام علي أسس داروينية وضمن الفلسفة الواحدية وتقوم علي مبدأ البقاء للأقوى دون النظر لحقوق الضعيف.

وينبه الأستاذ إلى نقطة في غاية الأهمية حيث يقول إن الاستيلاب له طرائق ثلاثة هم تغيير الحقيقة ثم استهداف الحقيقة و أخيرا الإبادة والتصفية الجسدية. فالاستيلاب استهدف الحقيقة وهي رمز لكل المفاهيم والتصورات لدي الإنسان, ويشمل الاستهداف تغيير العادات والتقاليد . و النقطة السابقة التي أوضحها الأستاذ هي واضحة وضوح العيان في فلسطين حيث يقوم الطغاة بتغيير الحقائق التاريخية ووصم المقومة الشرعية بأوصاف خارج التصور ثم هاهي الإبادة الصهيونية لأهلنا في فلسطين تحدث لهم ليل نهار. ثم ينبه الأستاذ إلى أهم مراحل الاستيلاب التي مرت بها امتنا فيقول:

 المرحلة الأولى الحروب الصليبية ثم تلتها الهجمة التترية: وقد استطاعت الأمة بما لديها من مخزون وعبادات ، حقيقة وطريقة أن توقف الهجمة الصليبية.  ثم جددت الأمة نفسها بتعاليم ربها و تحولت من المفعول به إلى الفاعل لتفتح هي بلاد التتر.

المرحلة الثانية الهجمة الأوربية الجديدة في منتصف القرن الثامن عشر: وتشمل  حروب آل عثمان مع اوربا، حملة نابليون، تحرش الأساطيل الأمريكية بليبيا، الهجمة الأمريكية الأوربية الحالية وراس حربتها الصهيونية.

 

ويري إن من  مميزات  المرحلة الأولى علي الصعيد الأوربي: بدأت الثورة الصناعية مع طغيان علاقة الإنسان بالآلة لتحل محل علاقة الرحم وعلاقة الناس بالناس  و بروز فكرة مراكمة الثروة والتحكم الشديد من ولاة الآمر تجاه الشعب وهو ما أدى إلى بروز الرأسمالية وبدايات الحداثة، وتولدت حالة من الاستيلاب الداخلي أدى لتوليد حالة من المقايضة و بداية التفكير في احتلال خارجي لاعطاء بعض المنافع للناس وخرجت عن المقايضة بعض القوي الأوربية التي لم تفهم ما يحدث  في العالم.

وعلي صعيد الأمة :عانت الأمة من خلل في وحدات الانتماء، وحدة الامة، الشعب، القبيلة ثم الخلل في مسالة الحماية والتوزيع العسكري مع عدم التنبه للخطر القادم ثم التفاوت في التسليح خصوصا بعد ضعف العثمانيين. وظهرت حالات من الصحوة تمثلت في الدعوات الإصلاحية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مثل الدعوات السنوسية، المهدية، الوهابية، مما أدي لمقاومة الاستيلاب علي مستوي الحقيقة والطريقة.

و أخذت أوربا لتغيير الحقيقة والطريقة نخبة تولتها بالرعاية لتنقل مفاهيمها إلينا. ثم بروز الانتداب وهو فكرة الأخذ باليد للتحضر وهي مقولات روجها المستلب ووقع فيها البعض علي صعيد الفكر أو الكتابة.

ومما لاشك فيه إن هناك تأثيرا  للاستيلاب تأثرت به  الأمة علي مستوي حقائقها بظهور تيارات تدعو للتشكيك في المطلق تمهيدا لإنكاره ثم ظهور مفاهيم تصف القران بالدستور. كذلك تضخيم مفهوم الأمة علي حساب الكيانات الأصغر..والقداسة أصبحت تنسحب من الله إلى الأمة أو الجماعة " الجماعة الحزبية" وهي مفاهيم أوربية.

علي صعيد الطريقة أثرت الهجمة الأوربية علي نظرتنا للحياة وطبقنا مفاهيم حياتنا علي المنوال الأوربي علي صعيدي الطريقة والحقيقة.

أما الهجمة الأوربية الثانية فجاءت إلينا بنفس الوسائل ورأينا ما يحدث في العراق علي مدار العقد الماضي وفي فلسطين و أفغانستان من الإبادة. أما الأدوات الجديدة فهي الإعلام والشركات المتعددة الجنسيات وأداة جديدة هي المنظمات الغير حكومية وكانت تهدف إلى الوحي للامة بأنها في حالة مرضية يجب أن تظل موضع دراسة ثم تصل إلى انه ليس هناك حل وتستهدف قضايا المراة، التعليم، التعامل مع الأخر وتتعامل بطريقة تبقي علي الأزمة و لا تعالجها.

نتائج تسربت للامة من الاستيلاب الثاني

ما يحدث من مقاومة يشير إلى إن الأمة قادرة علي المقاومة

بعد أن كانت العلمانية جزء من الاستيلاب الأول أصبحت أساسية في الثاني

تسللت لنا مفاهيم عدة مثل الاقليات وهي أهلنا وأصدقائنا من الملل الأخرى ثم مفهوم الأخر وهو مفهوم أمريكي ينظر للأخر  نظرة الشرير. والإسلام ليس منحة لأحد ولكنه دين لكل الناس وليس هناك أخر.

كيف نتعامل مع  الاستيلاب

هناك تداخل بين الاستيلاب الاممي والشعبي وكلاهما يغذي الأخر نحن لدينا رسالة ولابد من تفكيك الاستيلاب الداخلي لان الشعوب لما فهمت الاستيلاب الخارجي قامت مؤخرا بمظاهرات في العالم كله ضده ودورنا أن نعرف الناس ونعمل علي تفكيك الاستيلاب الداخلي في أوربا وأمريكا.

ثانيا يجب أن نصلح العلاقة بين وحدات المجتمع مع ضرورة عدم انشغال النخبة الإسلامية بالصدام مع السلطة لتجنب الصراع وتركيز الجهد في المجال الإصلاحي.

 

وفي النهاية تبقي كلمات

إن لم يكن هناك تخلف يؤلمنا فنثور عليه  ، وظلم يرمضنا فنثور عليه، وفساد يؤرقنا فنثور عليه، و فرقة تمزقنا فنثور عليها، وهزيمة تذلنا وتعذبنا فنثور عليها وعلي أنفسنا.كيف يمكن أن يكون هناك تحول وتقدم واصلاح وصلاح ووحدة وانتصار؟

   الأستاذ .عصام العطار

 المطر في غزوة بدر ثبت الأرض للمسلمين و فككها تحت أقدام الكافرين .. والرياح في الخندق نصرت المسلمين و أرعبت وهزمت الكافرين..لان رب العباد يقول للشيء كن فيكون.

د.عمر عبد الكافي

 

لا يجب الوقوف أمام التفوق العسكري و الاقتصادي مع أوربا بل يجب دراسة خبرات الأمة للاستفادة في المقاومة مثل دراسة  أفكار عز الدين القسام وعمر المختار وغيرهم وهم عرفوا ان هناك تفاوت بينهم وبين المستلب لكنهم لم يكونوا يهدفوا لكيان سياسي أو تحقيق مشروع بل الهدف كان حجب الشرعية من الاستلابيين ولنا أن نتخيل لو ان الأمة لم يكن فيها أمثال هؤلاء المجاهدين.

الأستاذ المهدي أحمد الدجاني

إن شاء الله تعالي نكمل ما تبقي من الملتقي في العدد القادم ..والله نسأل من وراء القصد.