سجن عسقلان....... من يربح معركة الأمعاء الخاوية ؟
مركز الإعلام والمعلومات
لم تكن الأحداث
الأخيرة في سجن عسقلان أول مسلسل المواجهة بين المعتقلين الفلسطينيين و سلطات
إدارة السجون الإسرائيلية، فتاريخ الحركة الأسيرة في هذا المعتقل الذي خصصته سلطات
الاحتلال للأسرى أصحاب الأحكام الكبيرة، والذين تعتبرهم خطرين مليء بصفحات من
المقاومة و النضال من أجل تثبيت إنجازات الحركة الأسيرة الفلسطينية و نحت طريق
الحرية لكافة الأسرى والمعتقلين دون أي استثناءات أو شروط .
و يمتد تاريخ ذلك
المكان كمقر للتحقيق و سجن للثوار والوطنيين الفلسطينيين إلى عهد الاحتلال
البريطاني ، فقد أنشئ في عهد الانتداب البريطاني كمقر لقيادة الجيش البريطاني في
عسقلان و محيطها وكذلك كسرايا لاستقبال الوفود البريطانية الرسمية ، لكن في داخل
هذا المكان خصص جناح كامل كمركز تحقيق و توقيف للثوار والوطنيين الفلسطينيين الذين
كانوا يقاومون الاحتلال البريطاني.
ورغم السيطرة
الإسرائيلية على مدينة "المجدل" عسقلان منذ عام 1948 إلا أن هذا المقر
لم يستخدم كمعتقل للأسرى الفلسطينيين إلا مع بداية عام 1970، حيث بدأت أعداد
الأسرى في الازدياد بعد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية و قطاع غزة، و تولت
أطقم الهندسة البشرية في الجيش الإسرائيلي أعداد المكان ليتناسب مع الأسرى الذين
يعتبرهم الاحتلال أخطر الأسرى و أطولهم في فترات الاعتقال، وخصص السجن للمعتقلين
الفلسطينيين الذين تزيد مدة محكوميتهم على 10 سنوات.
و يتكون السجن من
خمسة أقسام,( أ + ب + ج + د + ح) , إضافة إلى قسم الزنازين الذي يقع شمال أقسام
السجن, إضافة إلى جناح خاص بالشاباك الإسرائيلي، للتحقيق مع الأسرى الفلسطينيين
والعرب ، و رغم أن السجن يكفي لمئة أسير فقط إلا أن سلطات السجون الإسرائيلية
تتعمد أن يتضاعف ذلك العدد أكثر من مرة حتى تزيد من معانات الأسرى و بخاصة أن غرف
و زنازين السجن تتميز بالضيق و ارتفاع الرطوبة و الحرارة التي لا تطاق.
وفي عام1979 أضيف قسم
أخر أطلق عليه أسم " قسم العار"، والذي يقع في الشمال الغربي من السجن،
وكان يوضع في هذا القسم الأسرى المتعاونين مع الشاباك وإدارات السجون.
ومنذ العام الأول
لافتتاح السجن لم يستسلم الأسرى الفلسطينيين و العرب الموجودين فيه لإجراءات
الاحتلال التي استهدفت تدمير شخصيتهم و الوصول إلى أقصى درجة من الإذلال و التعذيب
لهم، بشتى الطرق و الوسائل، وخاض الأسرى في سبيل ذلك العديد من المعارك الشرسة مع
إدارة السجن ضربوا خلالها أروع الأمثلة في الصمود و البطولة، ولم يبخل العديد منهم
بالتضحية بالروح في سبيل ذلك.
فقد تصدى المعتقلون
لفرض العمل الإجباري عليهم و لظروف الاعتقال الصعبة جدا التي عاشوها عبر سلسلة
طويلة من الإضرابات عن الطعام و الخطوات الاحتجاجية.
ومن أشهر الإضرابات
في سجن عسقلان إضراب عام 1970 واستشهد في هذا الإضراب عبد القادر أبو الفحم الذي
استشهد بتاريخ 11/7/1970 كأول شهيد لمعركة الأمعاء الخاوية في تاريخ الحركة
الأسيرة الفلسطينية واستمر الإضراب ما يزيد على الثلاثين يوماً.
وفي العام التالي شهد
سجن عسقلان إضراباً استمر ما يزيد على خمس وعشرين يوماً، وعلق الإضراب لفترة لم
تتجاوز اليومين، ومن ثم واصل الأسرى إضرابهم لمدة 20 يوماً أخرى ، وفي تاريخ 13/9/1973
أعلن
عن إضراب أخر استمر
حتى 7/10/1973 و شارك فيه نحو 200 معتقل.
ويعتـبر إضــراب
عسقــلان التاريخـي المفتــوح عن الطعام في 11/12/1976 والذي استمر 45 يوماً نقلة
نوعية في مسيرة الاعتقال نحو تحسين شروط الحياة في المعتقلات ومظهرا من مظاهر نضوج
التجربة وترسيخ المؤسسة الاعتقالية القائدة في السجون حيث تحقق في هذا الإضراب
الكثير من المنجزات على صعيد تحسين الأوضاع الداخلية للأسرى
و في عام 1977 شهد
سجن عسقلان إضرابا مفتوحا عن الطعام كان بمثابة امتداد للإضراب السابق وعلق خلاله
المعتقلون العمل حتى استطاعوا مقاطعة مرافق العمل بشكل كامل و استمر لمدة عشرين
يوما.
كما شارك المعتقلين
في سجن عسقلان في كل الاضرابات العامة التي سادت السجون الإسرائيلية بشكل مشترك ومنها الإضراب الذي بدأ بتاريخ 27/9/1992
وشارك فيه 7000 آلاف أسير لمدة 15 يوما ، و الإضراب المفتوح عن الطعام الذي بدأ
بتاريخ 21/ 6/1995 و الذي رفع شعار " الإفراج عن جميع الأسرى دون تمييز أو
استثناء أو شرط " و استمر لمدة 17 يوما وغيرها .
و من الحوادث التي لا
تنسى في تاريخ نضال الحركة الأسيرة في سجن عسقلان ما حدث في أيلول 1985،حيث شنت
إدارة السجن مدعومة بالفرقة الخاصة لقمع السجون، هجوماً وحشيا على السجن بهدف
مصادرة إنجازات الحركة الوطنية الأسيرة، خاصة بعد عملية تبادل الأسرى، والتي طالت
العديد من قيادات وكوادر الحركة الوطنية الأسيرة، وحدثت اشتباكات عنيفة بين الأسرى
ودرك السجون، وقد قام الأسرى بإشعال
النيران بالبطانيات والفرشات الإسفنجية، و قاموا برشق درك السجون بكل ما يقع تحت
أيديهم.
وقد أغرق السجن بشكل
كامل بالغاز المسيل للدموع وأصيب العشرات من الأسرى بالاختناق وبجراح مختلفة, إضافة
إلى أقدام إدارة السجن على عزل العديد من قيادات السجن في الزنازين، وترحيل بعض
القيادات إلى سجن الدامون.
و انتهجت إدارة السجن
سياسة التعذيب الوحشي ضد الأسرى و بخاصة في مراحل التحقيق المختلفة، وتوجد المئات
من حالات التعذيب التي تم توثيقها في هذا المجال عبر محامي الأسرى و المؤسسات
المحلية والدولية التي تهتم بحقوقهم.
و من أخر حالات
التعذيب التي تم توثيقها ما نقله عددٌ من الأسرى في سجن تحقيق عسقلان لمحامي نادي
الأسير لؤي عكة الذي التقاهم يوم 3/3/2003 عن أساليب تعذيب بشعة و معاملة قاسية و
لا إنسانية تعرّضوا لها أثناء استجوابهم على يد الشاباك و من هؤلاء الأسرى إياد مصباح الهيموني من الخليل و الذي أعتقل
منذ 5/1/2003 ، حيث تعرّض لأبشع أشكال التعذيب لمدة 10 أيام متتالية من منع النوم
و تعرّض للضرب على وجهه مما أدّى إلى التهاب حادّ في أذنه اليسرى و يكاد لا يسمع
بها و كذلك ألم حاد في يديه ، و استخدم المحققون معه أسلوب كسر الظهر حيث يتم وضعه
على كرسي صغير جداً بمنتصف ظهره و أثناء ذلك يتم استجوابه ، وأسلوب فلخ الأرجل عن
بعضها البعض ناهيك عن القيود بقدميه مما أدّى إلى نزول الدماء و احتقان رجليه
باللون الأزرق .
أما الأسير ماهر أبو
شرار من دورا الخليل و معتقل منذ 16/1/2003 ، فقد تم وضعه داخل الزنازين لمدة 45
يوماً متواصلة و استغل المحققون إصابته بـ "الديسك" في ظهره فاستخدموا
معه في التحقيق أسلوب كسر الظهر و الشبح لمدة لا تقلّ عن 16 ساعة متواصلة مما أدّى
إلى عدم قدرته على الوقوف على قدميه ، و قال المحامي عكة إنه لاحظ وجود كسر
بالعظام في ذراعه الأيسر و انتفاخ دائم بها و لا يقدّم له علاج سوى شرب الماء .
و قد أصدر نادي الأسير بيانا نقل خلاله إفادات
عددٌ من الأسرى القابعين في مركز التحقيق في سجن عسقلان في شهادات قدّموها لمحامية
نادي الأسير الفلسطيني فاطمة النتشة التي زارت السجن يوم 2/2/2003 تفيد أنهم
تعرّضوا للتعذيب و المعاملة القاسية أثناء التحقيق معهم . و قالوا إن أساليب
التعذيب غير القانونية مورست بحقّهم مثل الشبح لساعات طويلة و تكبيل الأيدي و رفع
الأسير من الكلبشات و تكبيل الأقدام و شدّها للخلف و ثني الرأس للخلف و تسليط
الهواء البارد على الأسرى العراة و حجب الضوء عنهم بحيث لا يستطيعون تمييز الليل
من النهار . و كذلك الضرب على الرأس باستخدام أيدي الأسير المكبلة بحيث يضرب
الأسير نفسه بنفسه . و كذلك القرفصة على الأرض ساعات طويلة و العزل الانفرادي
لأيام طويلة وقد شكا المعتقلين من سوء العناية الطبية و اكتظاظ الزنازين .
و ينقل الأسير منيف
محمد محمود أبو عطوان - 31 سنة - والمعتقل منذ 29/12/2002 و الموجود في زنزانة رقم
(10) صورة واقعية للحياة في زنازين سجن عسقلان حيث لا يتمكّن من رؤية الفضاء و لا
يشمّ سوى هواء صناعيّ ، و تفوح من البطانيات رائحة الغبار، و الفرشات التي ينام
عليها مليئة بالماء و لا يوجد ملابس أو غيارات داخلية بجانب قلة الطعام و رداءته
حيث يقدّم لهم البيض المسلوق والفجل والشاي صباحاً ، و الأرز المطحون مع عدس أو
فاصوليا وحبة كاكا على الغداء و العشاء.
وتتزامن هذه السياسات
الوحشية مع مجموعة من الإجراءات الأخرى منها إحضار الأسرى لغرف الزيارة وهم مكبّلو
الأيدي و الأرجل و أعينهم مغطاة بنظارات تحجب الرؤية نهائياً و يتم إزالتها فقط
على باب غرفة الزيارة ، و تلجأ إدارة السجن إلى عزل المعتقلين بشيك كامل عن العالم
الخارجي عبر منع الأهالي من زيارة أبناءهم
، و لا تقوم بإخراجهم إلى الفورة اليومية و تصل هذه الإجراءات إلى حد منع
المعتقلين من أداء صلاة الجمعة في الساحة العامة للسجن بهدف كسر معنوياتهم
وإجبارهم على الرضوخ والانصياع لمحاولات إدارة السجن حرمانهم من ابسط حقوقهم التي
ضمنتها لهم المواثيق الدولية المتعلقة بالأسرى والسجناء السياسيين.
و لعل ما شهده سجن
عسقلان خلال الشهرين الماضيين من فعاليات و إضرابات عن الطعام قام بها المعتقلون
تضامنا مع زملائهم الذين يعانون من أسوء ظروف إعتقالية واحتجاجا على القيود التي
فرضها الجانب الإسرائيلي على الأسرى المزمع الإفراج عنهم بعد بدء تنفيذ خارطة
الطريق هو أكبر دليل على فشل المحاولات الإسرائيلية المستمرة للقضاء على الروح
النضالية للأسرى الفلسطينيين في هذا السجن، و مع ذلك فأن هذا الإدارة العنصرية أبت
إلا أن تستخدم أساليبها الوحشية التي اعتادت على تنفيذها، حيث شهد هذا المعتقل أخر
فصول المواجهة يوم الخميس الماضي 30/7/2003عندما اقتحمت قوات مدججة بالسلاح غرف المعتقل
بعد مواجهة استمرت لساعات مع المعتقلين الذين رفضوا قيام قوات الاحتلال بتفتيش غرف
يحرم تفتيشها بموجب اتفاق مسبق مع إدارة السجن بالإضافة إلى حرمانهم من ابسط
حقوقهم الإنسانية والممارسات اللانسانية التي تمارسها قوات الاحتلال بحقهم.
وأدت المواجهة إلى
إصابة العشرات منهم بجروح ورضوض وحالات اختناق شديدة، وحرق غرفتي12، و13 من قسم(ج)
بشكل كامل، إضافة إلى غرف مجاورة أخرى بفعل القنابل الحارقة التي ألقاها السجانون.
وهكذا وجه أبنائنا
الأسرى في سجن عسقلان الذين بلغ عددهم في أخر إحصائيات (613) سجينا فلسطينيا و(53)
سجينا آخر من العرب، رسالة واضحة للاحتلال بان لا مجال للاستكانة أو التسليم
بسياسته الإجرامية بحقهم وان سجن عسقلان سيظل من أكثر جبهات النضال بين الحركة
الأسيرة و سلطات الاحتلال اشتعالاً و أكثرها نبضا بالثورة و الصمود .